في محاولة أخرى لتفكيك هذه الحرب العدوانية على إيران، لا بدّ من نقطتين في التاريخ: واحدة من التاريخ القريب، الخمسينيات من القرن الفائت، وواحدة من التاريخ الأبعد، القرن الحادي عشر فصاعدًا في الأندلس. في النقطة القريبة نتحدّث عن مشاركة إسرائيل في حرب سيناء 1956، وهي الحرب التي شنّتها بريطانيا وفرنسا على مصر جمال عبد الناصر بعد أن قرّر تأميم قناة السويس على حساب الدولتين (يُذكرنا ذلك بالانقلاب الأميركي البريطاني على حكومة محمد مصدّق في طهران عندما بدأ بتأميم صناعات النفط). أمّا الثانية فهي حروب الطوائف في الأندلس التي أنهكت الممالك، حتى إنّها كانت تدفع الجزية لملوك الشمال، ويستعين أحدهم بهؤلاء على خصمه، حتى سقوط غرناطة عام 1492.
خاضت إسرائيل حرب سيناء في حينه كجزء من سعي قادتها إلى الانخراط في السياسة الدولية والمنظومة التي كانت قائمة، مرحلة ما بعد الاستعمار وانهيار الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، على أمل تحسين تموضعها في الإقليم كدولة حديثة العهد وكمكوّن من مكوّنات المحور الغربي الذي كان عداؤه للعرب في حينه واضحًا وضوح الشمس. نجحت الحرب في حينه وسقطت غاياتها. فقد اضطر المحتلون إلى الانسحاب من سيناء، وكان لمصر ناصر ما أرادت من حيث السيادة الكاملة على قناة السويس ومواردها. بمعنى أن "الغرب" يومها أراد استعادة أحد الممرّات المائية المدرّة للأرباح وتكريس السيطرة الغربية على ما اعتُبر في حينه، وإلى اليوم، شريان التجارة والإمداد بين الشمال وبين الجنوب. وقد أرادت إسرائيل بن غوريون أن تكون جزءًا من هذا "الغرب" الذي فشل وانسحب يُجرجر أذيال الخيبة.
سنرى في العدوان الإسرائيلي الحالي على إيران معاودة الكرّة، وعلى أنّه في هذه المرّة اصطفاف مع المحور الأميركي في الصراع المفتوح الدائر على الثروات والممرات ومصادر الطاقة. وهو الموضع الذي اختارته إسرائيل لنفسها دائمًا. وهو الذي يُفسّر لنا الآن، وبأثر رجعي، لماذا يوفّر هذا المحور كلّ الدعم والتغطية لإسرائيل على احتلالاتها وحروبها وجرائمها. في هذا، تحاول إسرائيل المشاركة في وضع اليد على موارد الإقليم المقصود كجزء من محور فيه من الغرب وفيه من العرب أيضًا. أمّا قدراتها العسكرية والتكنولوجية فهي أوراق ترمي بها في الساحة كمعادل لحصّتها من "الغنائم" في وقت لاحق. وهي، كباقي "المحور" الذي تتحرّك في إطاره، تراهن على "سقوط" إيران التي تُبدي حتى الآن ليس فقط صمودًا وقدرات دفاعية، بل قدرات هجومية أيضًا، تعطّل حسابات المعتدين عليها في حرب يُقصد بها إخضاع كلّ المنطقة وثرواتها لـ"المحور" كفعل استحواذ واحتكار، وكفعل صدّ ومحاربة المدّ الصيني وإعاقة اكتمال النظام المالي البديل لنظام الدولار.
من هنا نأتي إلى "ملوك الطوائف" في الأندلس لنفهم "ملوك" العرب في الراهن. فالعلاقات بين معظمهم وبين أميركا هي علاقة أمراء الأندلس بملوك شمال إسبانيا في حينه. فمال العرب (الخليج) وأصولهم في الجزء الأكبر منه سنجده مستثمرًا في أميركا وبورصتها، هذا ناهيك عمّا يذهب إليها في صفقات شخصية وعائلية تمرّ بعيدًا عن عيون الرادار. شخصيات قيادية في هذه الدول سلّمت أمرها للأجنبي الأميركي والإسرائيلي، وقبلت أن تضع بلادها وثرواتها وموقعها بين يدي الأميركي. بينما هي قادرة بالتأكيد على تحويل طاقتها وقدراتها، بفضل الموارد، نفط وغاز، والممرّات المائية والموقع الجغرافي، إلى رافعة لا تبني الشوارع الواسعة وناطحات السحاب فقط، بل تبني الحصانة الاستراتيجية وتمنع الحروب. وهي قادرة على ذلك وفق كلّ المعايير، ولو نظريًا على الأقل.
عاش ملوك الطوائف في الأندلس بثراء ورغد هم أيضًا. فالخصومات بينهم لم تمنع نشوء المدن كصروح عمرانية وثقافية حضرية متكاملة لا تزال آثارها إعجازًا إلى اليوم. لقد كان عمقهم الاستراتيجي، المتمثّل في حكم المرابطين في شمال أفريقيا، غطاءً لممالكهم أو قراراتهم.
فحين كان أحدهم يرفض دفع الجزية لألفونسو السادس أو يواجه الممالك في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية، كان يحتمي بالمرابطين في شمال أفريقيا (مثلًا، عبر ملكهم يوسف بن تاشفين الذي عبر في القرن الحادي عشر مضيق جبل طارق لنصرة "ملوك" الأندلس وثبّت حكمهم لقرون بعد ذلك). مثل هذا العمق الاستراتيجي ممكن أن يظهر في حال انعطفت المملكة العربية السعودية إلى اليسار نحو تركيا وباكستان لتشكيل محور بديل يصدّ الانهيار القادم أمام المحور المنقضّ على المنطقة كلّها وليس على إيران وحدها. ويمكن لمصر أن تنضمّ إليه بوصفها ممرًّا مائيًّا وغازًا ونفطًا لا يسقط من حساب المحور الأميركي الإسرائيلي. نحن في أوج صراع كوني مفتوح ومتدحرج على الموارد، وعلينا أن نرى هذه الحرب في هذا الإطار. وليس الحرب وحدها، بل غاياتها أيضًا. فالذي يفكّر بالسيطرة على موارد إيران لا يسهو عمّا تشكّله بلاد المشرق في هذا الباب.