28/03/2026 - 21:44

الحرية مسؤولية.. والسلطة حكمة

"تتجلى الحاجة الماسة إلى معادلة دقيقة، تكمن في فهم ماهية الحرية المسؤولة التي لا تنزلق إلى الإساءة للأشقاء أو الاصطفاف الحاد في صراعات إقليمية، وسلطة حكيمة تدير الاختلاف دون أن تحوّل كل رأي إلى قضية قانونية".

الحرية مسؤولية.. والسلطة حكمة

(Getty Images)

عادة ما يفصل بين حرية الرأي والمنع والملاحقة خيط رفيع، لا ننظر إليه بجدية كافية تسمح بإدارة الاختلاف بدلًا من منحه حجمًا أكبر من تأثيره الحقيقي، بل إننا كثيرًا ما نترك هذا الخيط يتآكل كلما تحوّل الاختلاف إلى شبهة، والرأي إلى ملف. فليس من الحرية أن نقول أي شيء، كما أنه ليس من الحكمة أن نمنع كل شيء، فما بين هذين الحدّين يتشكل المجال العام الصحي، حيث تصبح الآراء، بكل تنوعها، علامة صحة لا تهديد، ويغدو الرأي حقًا، والمسؤولية ضرورة.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

إن الخلط بين حرية التعبير والفوضى من جهة، وبين سلطة الدولة والوصاية من جهة أخرى، أنتج في الحالة الفلسطينية وضعًا مرتبكًا، يُنظر فيه إلى الرأي الشخصي وكأنه موقف رسمي، وإلى الاختلاف بوصفه مخالفة قانونية، وإلى النقد باعتباره خروجًا عن الإجماع. ومع تكرار هذه المقاربة، باتت الآراء الفردية تُقرأ بوصفها مساسًا بهيبة السلطة أو مصالحها العليا، وهو ما لا يضعف فقط حرية التعبير، وإنما يربك أيضًا وظيفة النظام، الذي يفترض أن يدير المجال العام لا أن يتحول إلى طرف مباشر في سجالاته.

تعيد حادثتا اعتقال الناشط السياسي عمر عساف على خلفية بيان سياسي يتعلق بحرب الشرق، وتوقيف المراسلة الصحافية مريم الطريفي عن العمل، بسبب تغريدة مسيئة لدولة شقيقة، طرح سؤال دقيق يتصل بحدود حرية التعبير، ومسؤولية هذه الحرية، وحكمة السلطة في إدارة الاختلاف؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بحق إبداء الرأي، بل بطبيعة هذا الرأي حين يتجاوز النقد إلى مواقف تسيء للعلاقات الأخوية والسياسية، أو انحيازًا لصراعات إقليمية تمسّ بالمصالح الوطنية.

البيان المنسوب إلى عمر عساف، لا شك أنه يحمل موقفًا سياسيًا حادًا، يصطف مع طرف إقليمي ضد دول عربية شقيقة، ويذهب إلى إدانتها في لحظة إقليمية حساسة، وهو موقف يمكن انتقاده سياسيًا وأخلاقيًا داخل الحقل السياسي الفلسطيني، خصوصًا في ظل حاجة الفلسطيني إلى توازن في علاقاته العربية والإقليمية، لا إلى الانخراط في محاور متصارعة. لكن السؤال الأهم يبقى: هل يُواجَه هذا النوع من المواقف بالملاحقة، أم بتركه في إطاره الطبيعي كرأي سياسي فردي يُردّ عليه سياسيًا؟ فالتوسع في المعالجة الأمنية للآراء لا يحمي المجال العام بقدر ما يضيق به، ولا يعزز الموقف الوطني بقدر ما يضعه في مواجهة أسئلة الحريات.

الأمر ذاته، مع الكثير من الاختلاف، ينسحب على حالة المراسلة مريم الطريفي، فالتعرض بالإساءة إلى بلد شقيق أمر مرفوض سياسيًا وأخلاقيًا، ولا سيما حين يصدر عن إعلامي يعمل في مؤسسة رسمية، لما قد يسببه من التباس بين الرأي الشخصي والموقف الرسمي، لكن معالجة هذا النوع من الأخطاء تظل أقرب إلى المساءلة المهنية المرتبطة بالأساس بلغة الصحافي، التي يجب أن تبتعد كل البعد عن مفردات العنصرية والشماتة، بما يحفظ العلاقات الاجتماعية والسياسية بين الأشقاء، دون توسيع دائرة التقييد على حرية التعبير، خاصة حينما يكون صادرًا عبر منصة شخصية.

بين الحالتين تتجلى الحاجة الماسة إلى معادلة دقيقة، تكمن في فهم ماهية الحرية المسؤولة التي لا تنزلق إلى الإساءة للأشقاء أو الاصطفاف الحاد في صراعات إقليمية، وسلطة حكيمة تدير الاختلاف دون أن تحوّل كل رأي إلى قضية قانونية، فالمجتمعات التي تحمي حرياتها لا تبرر الخطاب المسيء أو المنفلت، لكنها في الوقت ذاته لا تجعل من الملاحقة أداة أولى للتعامل مع الآراء المختلفة.

المشكلة لا تكمن في رفض الخطاب المسيء أو المواقف المتسرعة، وإنما في طريقة التعامل معها. فالدولة الواثقة لا تخشى الآراء، حتى الحادة منها، بل ترد عليها وتضعها في سياقها الطبيعي؛ أما تحويل كل رأي إشكالي إلى قضية، فيخلق انطباعًا بأن المجال العام يُدار بمنطق الضبط لا الحوار.

الحرية مسؤولية، لأنها تؤثر في المجال العام وفي علاقات الشعوب السياسية والأخلاقية، والسلطة حكمة، لأنها مطالبة بالتمييز بين الرأي والخطر، وبين الخطأ والمخالفة. وبين المسؤولية والحكمة، يمكن حماية حق التعبير، دون أن يتحول إلى عبء سياسي، فالمجتمعات التي تضيق بآرائها تفقد قدرتها على التوازن، والسلطة التي تلاحق الاختلاف تخاطر بأن تتحول من حكم بين الآراء إلى طرف فيها، فالتنوع، مهما توسع، نعمة، والاختلاف، مهما كان، ضرورة، أما فقد البوصلة، مهما سمي، نقمة، تمامًا كما أن ممارسة حرية التعبير مسؤولية لا يجب تجاوزها، وتصرف السلطة حكمة لا يستقيم أن تفتقدها.