للحروب، خصوصًا الاستعمارية منها، حكاية تطول في التاريخ الكوني الحديث، وكما لم يسلم فيها البشر ولا الحجر، فإن للشجر وثمره حضورًا فيها على المستويين المادي والرمزي معًا. في كتابه "الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية"، يقص إدواردو غاليانو على قارئه حكاية غزو الرجل الأبيض لعالم الأميركيتين، وقد طاول الغزو المزروع والمقلوع في أرض المستعمرات إلى حد اغتيال التربة فيها، كما يقول غاليانو. ففي كوبا ما يزال قصب السكر يُحيل الكوبيين إلى الاستئثار والاستعباد إلى يومنا، مع العلم أن شتلة قصب السكر ليست أصيلة في الأميركيتين، إنما استُنبتت استعماريًا فيها بعد أن حملها الرحالة كولومبس معه من أوروبا لتُغرس أول مرة في بلاد الدومينيكان. وكذلك المطاط الذي ظلّ يُذكّر البرازيليين بحكاية إفقارهم بعد تهريب الأوروبيين بذور المطاط من البرازيل إلى آسيا في محاولة أرادوا منها ضرب احتكار البرازيل للشجرة. وأيضًا في فنزويلا، المخطوف رئيسها مؤخرًا على يد أحفاد الغزاة أنفسهم، فليس البترول إلا آخر الحكاية، بينما أولها كان مع شجرة الكاكاو والصراع عليها في سهول فنزويلا الدافئة.
أما في آسيا، فما تزال شجرة "جوز الطيب" تقص سيرة الغزو الهولندي لجزر الباندا الإندونيسية، وجشع شركة الهند الشرقية الهولندية في استعمار جوز الطيب التي قال عنها أميتاف غوش في كتابه "للحرب وجه آخر..." بأنها "شجرة مثل أصحابها، لها طباع مختلفة ومحبة لموطنها إلى حد لم تغامر بالخروج منه حتى القرن الثامن عشر". فيما يروي جيف كوهلير، في كتابه "حيث تنمو القهوة البرية"، عن أصل البن (القهوة) كشجرة برية أول ما شقت سطح الأرض في غابات مملكة "كافا" الإثيوبية، بلاد الحبشة سابقًا، ومنها اشتُق اسم القهوة "كوفي". لم تتوجه أنظار الفرنسيين إلى إثيوبيا إلا من أجل الشجرة النبيلة، كما أطلقوا عليها في القرن الثامن عشر. وهكذا كان لكل صراع شجره الذي تسلل إلى النظام الرمزي للصراع، وقد ظلّ أجدادنا الفلسطينيين يطلقون، حتى أواخر القرن الماضي، على الـ"كينا" اسم "شجرة اليهود" لأن استنباتها في فلسطين قد اتصل باستعمارها منذ مطلع القرن الماضي، تمامًا مثلما غدا كل من شجر الزيتون والصبّار يرمزان لصمود وبقاء وحق شعبنا بأرضه، فلسطين.
حبة شفتي المحبوب
في إيران التي تدور رحى الحرب الأميركية-الصهيونية عليها في هذه الأيام، فإن لنزاع الجمهورية الإسلامية مع ما تُطلق عليهم قوى الاستكبار العالمي ما هو غير برنامجها النووي والتسلح ودعم قوى المقاومة للمشروع الصهيوني، فالفستق، أحد أهم ما تنتجه وتثمره أرض بلاد فارس منذ القدم، قد غدا في العقود الأخيرة، مع العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية، منتجًا مُنتجًا للصراع السياسي القائم. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2007، وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، توجه مساعد وزير الزراعة الأميركي مارك كينوم طالبًا من إسرائيل وقف استيراد الفستق من تركيا لأنه قادم أساسًا من إيران، وذلك بعد احتجاج حمله كينوم من زارعي الفستق الأميركيين إلى وزير الزراعة الإسرائيلي الأسبق شالوم سمحون، تضمن غضبًا على تفضيل إسرائيل الفستق الإيراني على الأميركي، فـ"من السخيف أن تشتري إسرائيل معظم وارداتها من الفستق أصله من دولة عدوة...." يقول كينوم، وقد دخل الفستق الإيراني من حينه قائمة العقوبات المفروضة على طهران.
للفستق الإيراني، الفستق الحلبي بتسميتنا نحن العرب، قيمة مادية وحظوة رمزية لدى الإيرانيين، تمامًا كما للرمان والسجاد من شهرة وحظوة في إيران إلى يومها هذا. و"فستق" كلمة معربة عن "بستة"، بكسر الباء، الفارسية، تصنف كفاكهة يعود أصل موطنها إلى آسيا الصغرى قبل أن تنتشر في سائر بلدان المشرق، بحسب ما يروي الكاتب محمد نور الدين عبد المنعم في كتابه الشهير "إيرانيات: نماذج من الثقافة الإيرانية"، إذ يُعتبر الفستق إيراني الموطن بحسب الرواية الإيرانية. بينما في رواية أخرى يذكرها عبد المنعم تقول إن اسمه في الفارسية "بستة" أو "بيستاس" مأخوذ من مدينة "بستياك"، وهي مدينة سورية كانت تنمو فيها أشجار الفستق بشكل طبيعي، ومن هنا تسميته بالـ"فستق الحلبي" نسبة إلى مدينة حلب السورية.
كان أكثر ما استدخله الشعر الفارسي القديم والحديث من شجر ونبات وثمر في قصيدته الشعرية هو الفستق، خصوصًا في شعر الغزل، لطالما داوم الشعراء الفرس على تشبيه شفتي المحبوب بحبة الفستق، والتي شبّهوا تكسيرها أيضًا بتقبيل المحبوب. كما يطلق الإيرانيون على المحبوبة أو المعشوقة مصطلح "بستة دهان"، أي "ذات الفم الشبيه بالفستق". كما استخدم الفستق، غير كونه مصدرًا للغذاء، ترياقًا في الطب الشعبي، واستخرج الإيرانيون زيته لأغراض التطبيب والعناية بالجلد والوقاية من الأمراض. كما استُعمل في تمائم الموروث الفارسي الشعبي مثل طحنه مع السكر والهيل لتقديمه طعامًا للنساء اللواتي يلدن ويحتجن إلى التغذية. وأيضًا اتخذ ملوك الفرس القدماء الفستق هدية يحملها الرسل لباقي الحكام والملوك، ففي كتابات اكتُشفت حديثًا في إسبانيا جاء فيها بأن إمبراطور بلاد فارس قد أهدى ملك اليونان، عن طريق سفيره، فستقًا إيرانيًا، وذلك قبل ميلاد المسيح بأربعين سنة.
أمركة الفستق
إن تاريخ تصدير الفستق الإيراني إلى كل أنحاء العالم يعود إلى 2500 عام، بحسب عالم الدراسات الإيرانية الأميركي بارتولد لوفر في كتابه عن إيران سنة 1926. وكانت أول مرة يُصدَّر فيها الفستق الإيراني في عهد الهخامنشيين (546-330 ق.م) إلى الدول المجاورة لبلادهم. أما عن تصديره إلى الولايات المتحدة الأميركية فقد بدأ منذ عام 1925، وفي عام 1928 أرسلت الحكومة الأميركية، للمرة الأولى، أحد متخصصيها لدراسة وبحث الفستق في إيران، حيث جرى نقل شجيرات وبذور الفستق لزراعتها في أميركا في نفس ذلك العام. ومثلما كانت رفسنجان الإيرانية واحدة من أشهر مدن زراعة الفستق الإيراني، كانت كاليفورنيا أولى الولايات التي جرى استنبات الفستق الإيراني فيها. ومع عقود القرن العشرين تحولت الولايات المتحدة إلى أهم منافس في السوق العالمي لتصدير الفستق مقابل إيران، وقد روّج الأميركيون للفستق الأميركي مع أنه إيراني في أصله.
سعت الولايات المتحدة إلى ضرب الفستق الإيراني بعرض محصولها من الفستق الأميركي بأسعار منخفضة في الأسواق العالمية، كما ظلّ زارعو الفستق في الولايات المتحدة يطالبون بعدم تخفيض التعرفة الجمركية على واردات الفستق، وقد فرضت الحكومة الأميركية رسومًا جمركية تصل إلى 300% على واردات الفستق من إيران منذ عام 1986، مما ساعد على التوسع في زراعة الفستق الأميركي في العقود الأربعة الأخيرة. وعدا عن العائق الجمركي في طريق الفستق الإيراني، فثمة معيقات أخرى، منها البطء في إصدار التصاريح اللازمة حول المواصفات والجودة التي تصدر من الأجهزة الرقابية، والتي تؤخر عملية تصدير الفستق الإيراني. كما حاربت الدول الأوروبية الفستق الإيراني بترويجها لبعض المشكلات الصحية التي يتسبب بها الفستق، لتبقى أسواق روسيا والصين ودول الخليج العربي السوق الأساس لتصدير الفستق إليها من إيران.
كما تعرض الفستق الإيراني لحملة تشويه للحيلولة دون تصديره، وذلك عبر شائعات، منها تلوث بعض العبوات التي كانت معدة للتصدير إلى إيطاليا عام 2007. وقد نفت وزارة الزراعة الإيرانية تلك الشائعة التي اعتبرها الإيرانيون محاولة لضرب فستقهم الذي كان معدل صادراته، مع مطلع الألفية، قد وصل إلى نحو 170 ألف طن في السنة، حيث سيطرت إيران على نسبة قاربت 65% من سوق الفستق العالمي. تضاعفت زراعة الفستق ومحاصيله ثم تصديرها في إيران منذ الثورة الشعبية الإيرانية عام 1979 أضعافًا مما كانت عليه قبل الثورة، وقد تنبه الساسة في إيران إلى محاولة تقويض الفستق الإيراني وتعطيل تصديره لصالح الفستق الأميركي، مما جعل الفستق وتصديره واحدة من ساحات المواجهة بين الإيرانيين والأميركيين في العقود الأخيرة.
وبحسب عبد المنعم في كتابه الذي سبق وأشرنا إليه، فإن الحرب الأميركية على الفستق الإيراني بمثابة حرب باردة قائمة منذ سنوات بين البلدين. ويقول عبد المنعم: "سوف تظل حرب الفستق قائمة بين إيران وأميركا ما دامت الخلافات السياسية قائمة بينهما، بل ربما تستمر حتى لو انتهت هذه الخلافات". كان كلام عبد المنعم هذا قبل نحو عقد من الزمن، إذ لم تعد الخلافات سياسية، إنما باتت حربية في مواجهة صفرية تخوضها إيران ضد أميركا وإسرائيل. بينما الفستق الإيراني لم يُذكر عنه أنه تأخر موسمًا عن فتح ثغره مبتسمًا للإيرانيين رغم الكروب والحروب.