29/03/2026 - 18:22

مريم ولوسي: كيف تصبح الكلمة أزمة!

"ما يجمع النموذجين هو اشتراكهما في حقيقة واحدة:  المنصات الرقمية اختصرت المسافة بين القول ورد الفعل حتى تكاد تختفي، فصار الحكم يسبق الفهم، والانفعال يسبق التأمل".

مريم ولوسي: كيف تصبح الكلمة أزمة!

(Getty Images)

كلمة تنطق خلال حوار صحافي، أو جملةٌ تُكتب على صفحة في إحدى وسائل التواصل قد تتحوّل إلى أزمة يمر بها هذا الإعلامي أو ذاك، ويهدَّد في بيته ورزقه ويتعرض لإرهاب وتحريض يجعله يخشى على حياته. عبارةٌ عابرة في استوديو قد تُستدعى إلى ساحة اشتباك سياسي وثقافي، وتعكس عمق أزمة هذه المجتمعات التي تشعلها كلمة أو بضع كلمات. في هذا المناخ، لم تعد الكلمة مجرد أداة للتعبير، بل صارت شحنةً قابلة للاشتعال.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

حادثة الإعلامية الفلسطينية، مريم الطريفي، التي أثارت جدلا واسعًا بعد منشور اعتُبر مسيئًا للأردن وقيادته، تكشف كيف تتحوّل بضع كلمات إلى حدثٍ سياسي كامل يجري تضخيمه إلى درجة سريالية. ويمكن لكاتب كافكاوي أن يكتب عنها "نوفيلا" أو قصة رعب طويلة.

لم تُقرأ عبارتها في حدودها اللغوية الضيقة، بل فُككت داخل سياقٍ مشحون بتاريخٍ من حساسية التداخل الديمغرافي الأردني - الفلسطيني، ومن المخاوف المزمنة المرتبطة بتأويلات الوطن البديل، وفي خلطة عجيبة من الحديث عن نكران الجميل ورفس النعمة إلخ... طبعًا إلى جانب التنمر الذكوري الذي يجد في صحافية أنثى مساحة أوسع من حرية البذاءة.

بين المشاعر الشعبية الحقيقية من جهة، وتلك التي تسيطر عليها مجموعات موجّهة، مختصة بإخراس أي صوت يرتفع معترضًا أو منتقدًا، أو مهاجمًا لموقف سياسي رسمي ما؛ تُعامَل الجُملة كما لو كانت بيانًا رسميًا صادرًا عن دولة، وليس كانفعال فردي عابر.

وتُعامل الصحافية أو الصحافي كما لو كان وحدة من المظليّين هبطت في موقع إستراتيجي؛ يجب قصفها بسرعة قبل أن تتسع رقعتها. أما الأطرف فهو إقامة "لجنة تحقيق" من قبل الجهة المشغّلة للصحافية مريم بعد تجميد عملها، من المثير هنا السؤال عن موقف "نقابة الصحافيين الفلسطينيين".

ذكّرتني حادثة مريم الطريفي في حالة لوسي هريش، الصحافية الإسرائيلية التي حظيت بشعبية واسعة في إسرائيل، التي تعمل في القناة 13 والتي عبرت بكلمة "إن شاء الله" عن رغبتها بأن يشارك العرب في التصويت في الانتخابات المقبلة، وذلك خلال حوار تلفزيوني، فتحولت شعبيتها الواسعة في لحظات إلى جَزْر كبير وتسونامي انطلق ضدها في موجة من الغضب، ليس بسبب مضمونها السياسي المباشر، بل بسبب رمزيتها اللغوية والثقافية. فجأة، تصبح اللغة نفسها موضع مساءلة، وتُقرأ العبارة كإعلان هوية داخل فضاءٍ لا يحتمل هذا الإعلان بسهولة.

لوسي التي حاولت أن تبدو "عربية جيدة" أمام جمهور متطرف في أكثره، مقترنةً برجل يهودي، لم تنجُ من موجة الحقد والتحريض، بل والتظاهر أمام بيتها. في حالة لوسي لم يكن الرد ضدها مؤسسيًا في القناة 13 ولم تهدد بسحب جنسيتها، ولكنها عاشت تحت وطأة تحريض دموي واسع ومخيف. تُركت الساحة لهجوم سياسي وإعلامي، وتحريض، وتهديدات، ومحاولات تطويق اجتماعي. فقد وُضعت فجأة من لوسي "الرشيقة وخفيفة الظل" إلى "لوسي الشيطانة".

ما بين الحالتين يتكشف فارق جوهري: في نموذج مريم جاءت العقوبة مؤسسية وسريعة، تضبط الإيقاع وتعيد تعريف ما هو مقبول وما هو غير مقبول، وفي نموذج لوسي كانت العقوبة مجتمعية وسياسية، أقل وضوحًا في شكلها، وفي الحالتين، لا يكون السؤال عن حرية التعبير بقدر ما يكون عن ثمنها: من يدفع، ولمن، وبأي طريقة؟

ما يجمع النموذجين هو اشتراكهما في حقيقة واحدة: المنصات الرقمية اختصرت المسافة بين القول ورد الفعل حتى تكاد تختفي، فصار الحكم يسبق الفهم، والانفعال يسبق التأمل. في هذا السياق، يتحول الإعلامي في وسائل إعلام السلطة نفسها إلى لاعبٍ يمشي على حافة دقيقة، كل كلمة قد تُقتطع من سياقها، وتُعاد تعبئتها، وتُستخدم في معركة لم يخترها، وقد يجد نفسه من محبوب الجمهور إلى مهدد وعدوٍ. ومن المثير هذا التشابه الكبير بين جمهور يميني متطرف لاحق لوسي هريش، وجمهور لم يُبقِ ولم يذر لمريم الطريفي، الأكثر طرافة هو لجنة التحقيق التي أعلن عنها في المؤسسة التي تعمل فيها مريم، والتحريض على سحب جنسيتها الأردنية! عادة ما تسحب جنسية مواطن، بعد مداولات ومحاكمات ونتيجة لتورطه في خيانة وطنية أدت إلى خدمة العدو بصورة لا لبس فيها، أو الانضمام إلى مجموعة إرهابية!

أما سحب جنسية بسبب انتقاد لموقف سياسي عبر وسائل تواصل ورغم سحب المنشور، فهو يشير إلى هشاشة فظيعة في بنية النظام الذي يضطر إلى مثل هذه الإجراءات لحماية نفسه، أو لتطويق انتقادات قبل شرعنتها.

أما التحريض الشعبي والذي في كثير منه مجموعات منظمة رقميًا "تفوع كالدبابير في دفعة واحدة"، فهو يشير إلى عسر هضم في مساحة التعبير، وكم على الصحافي العربي والمواطن عمومًا أن يمشي بين النقاط، وأن يلزم الحذر الشديد خشيةً على حياته، ليس فقط عندما يتعلق الأمر بوضعه على لائحة أهداف الاحتلال بتصنيفه "مخرّبًا"، بل أيضًا عندما يكون جزءًا من إعلام السلطة نفسها التي يخدمها ويكنّ لها الولاء.

عليه أن يأخذ بعين الاعتبار رد فعل قطيع الجمهور الواسع القابل لتبني التحريض، وفي أحيان كثيرة يكون هذا الجمهور متعطشًا لتلقف فرصة لإظهار الولاء، وتفريغ شحنات مؤجلة من النفاق للسلطة، وإعلان ولائه لها من خلال العثور على كبش فداء يتمثّل في صحافية نطقت بكلمتين، أو كتبت منشورًا لم يَرُق للسلطة.