30/03/2026 - 14:06

كل أيامنا يوم الأرض

المشهد الذي تجسّد قبل خمسين عامًا يتكرر بصورة شبه يومية في الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948. تتغيّر التفاصيل، بينما تبقى البنية ثابتة: صراع مفتوح على الأرض، وتمسّك مستمر بها في مواجهة أنماط متعددة من العنف الاستعماري الإسرائيلي.

كل أيامنا يوم الأرض

يوم الأرض عام 1988، أرشيفيّة (Getty)

تحلّ اليوم ذكرى يوم الأرض، 30 آذار/مارس، وهو حدثٌ سُجّل في التاريخ الفلسطيني، ثم تجاوز حدوده الزمنية ليصبح واقعًا متكررًا. مع استمرار الاستعمار الإسرائيلي الذي يستهدف الأرض بالسلب، ويسعى إلى تهجير الفلسطيني ومحو حضوره، تحوّل هذا اليوم إلى حالة يومية تعيشها الجغرافيا الفلسطينية. في كل يوم، يدفع الفلسطيني ثمن بقائه دفاعًا عن أرضه في مواجهة المستوطنين.

المشهد الذي تجسّد قبل خمسين عامًا يتكرر بصورة شبه يومية في الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948. تتغيّر التفاصيل، بينما تبقى البنية ثابتة: صراع مفتوح على الأرض، وتمسّك مستمر بها في مواجهة أنماط متعددة من العنف الاستعماري الإسرائيلي.

في الضفة الغربية، يتقدم المشروع الاستيطاني ضمن مسار تراكمي يعيد تشكيل المجال الجغرافي بصورة منهجية ومدروسة. لا يقتصر النشاط على البناء، بل يشمل إعادة رسم الخريطة عبر شبكات طرق تربط المستوطنات وتفصل القرى الفلسطينية عن بعضها، ما يؤدي إلى تفكيك الحيّز المكاني إلى وحدات منفصلة، ويقيّد الحركة بينها.

في هذا السياق، تشير معطيات التقرير الاستراتيجي لعام 2026، الصادر عن مركز مدار، إلى أن الأعوام 2023 إلى 2025 شكّلت نقطة تحوّل في مسار الاستيطان، حيث أصبح التوسع أداة لإعادة تنظيم الحيّز المكاني وفرض وقائع جغرافية جديدة. وفي هذا السياق، أُعلن عن نحو 30 ألف دونم كـ"أراضي دولة"، ويقدّر مستوطنون مطلعون على ما يدور داخل مديرية الاستيطان أن الخطط القريبة تشمل إضافة ما بين 70-80 ألف دونم جديدة. كما أُنشئت 68 مستوطنة جديدة و130 بؤرة رعوية، بالتوازي مع بدء تنفيذ مخطط E1، الذي يُعد من أخطر المشاريع على التواصل الجغرافي لأي كيان فلسطيني مستقبلي.

يترافق هذا التحول مع تصاعد العنف الميداني الذي اتخذ طابعًا يوميًا ومنظمًا. خلال الفترة نفسها، توزّع استخدام العنف بين الجيش ومجموعات المستوطنين ليصبح أداة شبه روتينية لفرض وقائع سياسية وخلق بيئة طاردة. في هذا السياق، تشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أنه، خلال شهر آذار/مارس فقط، أسفرت الاعتداءات عن استشهاد 9 فلسطينيين وتهجير 6 تجمعات بدوية. وفي مخيمات شمال الضفة، هجّرت إسرائيل عشرات الآلاف.

أما في غزة، فيظهر المسار بصيغة مباشرة تقوم على القوة العسكرية وإعادة تعريف المجال الجغرافي عبر فرض وقائع ميدانية جديدة. يكشف تحقيق نشرته صحيفة "هآرتس" في 26 آذار/مارس 2026 أن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" تحوّل من إجراء مؤقت إلى بنية حدودية ثابتة داخل القطاع، حيث أقام الجيش الإسرائيلي قرابة 32 موقعًا عسكريًا مدعومة ببنية تحتية تشغيلية تشمل تجهيزات كهرباء واتصالات وتعبيد الأرض، بما يسمح بتمركز طويل الأمد.

ترافقت هذه البنية مع إقامة عوائق ترابية تمتد لأكثر من 17 كيلومترًا، ما يعزز من طابعها كحاجز مادي يكرّس الفصل الجغرافي. ووفق خرائط رسمية، باتت إسرائيل تسيطر على نحو 54% من مساحة القطاع، مع توسع ميداني إضافي عبر عمليات هدم وتهجير. ما يعني إخراج أجزاء واسعة من الأرض من الاستخدام الفعلي وتحويلها إلى نطاقات عسكرية مغلقة.

يترافق ذلك مع تحويل محيط "الخط الأصفر" إلى منطقة إطلاق نار نشطة، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى استشهاد أكثر من 224 فلسطينيًا بالقرب من هذا الخط حتى نهاية شباط/فبراير 2026، بينهم نساء وأطفال، ضمن نمط متكرر من استهداف المدنيين بسبب قربهم من مناطق انتشار الجيش أو أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم وبيوتهم التي هُجّروا منها.

يرتبط هذا التحول بإعادة توزيع السكان داخل مساحة متقلصة. يعيش نحو 2.1 مليون فلسطيني في أقل من نصف القطاع، ضمن بيئة مدمرة تفتقر إلى شروط الحياة الأساسية، حيث يعتمد مئات الآلاف على خيام أو مبانٍ متضررة في ظل تعطل عمليات إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار.

في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، يتقدم الهدف نفسه عبر منظومة قانونية وتخطيطية تتحكم في شكل الحيّز المتاح للفلسطينيين وتعيد تعريف حدود استخدام الأرض. القيود المفروضة على البناء ترسم نطاقات ضيقة للتوسع العمراني لا تتناسب مع النمو السكاني، فيما تبقى الأراضي المحيطة خارج متناول الاستخدام الفعلي بفعل الشروط التنظيمية والإجراءات البيروقراطية.

يظهر ذلك بوضوح في حالة مدينة أم الفحم، حيث يكشف الالتماس الذي قدّمته جمعية "ريغافيم" ضد مخطط "تمال 1077" محاولة مباشرة لعرقلة توسيع الحيّز العمراني الفلسطيني عبر الطعن في مسارات التخطيط التي تهدف إلى تسوية البناء القائم وإضافة وحدات سكنية جديدة، وتحويل أدوات التخطيط إلى ساحة نزاع قانوني دائم حول شرعية الوجود العمراني ذاته.

ينعكس هذا الإطار في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يتحول البناء إلى مسار معقد وطويل، ويُستخدم الهدم كأداة لإعادة فرض القيود على الأرض. حتى عندما تُطرح مخططات تنظيمية لمعالجة أزمة السكن، تواجه اعتراضات قانونية تسعى إلى تقييدها أو تعطيلها، ما يحد من إمكانية تطوير بنية عمرانية مستقرة. في المقابل، تبقى فرص التنمية الاقتصادية محدودة نتيجة غياب المساحات الكافية للتوسع، ويُضعف ذلك القدرة على تحقيق استقرار طويل الأمد داخل البلدات العربية.

عند النظر إلى هذه الساحات الثلاث، تتضح صورة واحدة متماسكة. ما يجري لا ينفصل بين الضفة وغزة والأراضي المحتلة عام 1948، ويتحرك ضمن منطق واحد يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة. يوم الأرض لم يعد حدثًا مؤرخًا في 30 آذار/مارس 1976، وتحول إلى حالة يومية تتكرر في كل مكان. الاستعمار واحد في أهدافه، والفلسطيني واحد في مواجهته، رغم تباين الظروف والأدوات.

يؤدي تراكم الأحداث وازدياد كثافتها إلى تراجع التفاعل معها في المجال العام، فيما يسعى الاستعمار إلى تحويلها إلى مشهد مألوف. هذا التراجع لا يعكس غياب الحدث، وإنما يعكس استمراره بهذا الزخم. في كل يوم يتجدد الصراع على الأرض، وفي كل يوم تتكرر المواجهة، ويبقى يوم الأرض حاضرًا لا ينقطع.