05/04/2026 - 14:25

الزلزال الإيراني… موجز الصراع على قيادة المنطقة

نجحت إيران في مخططها هذا حتى اليوم؛ إذ إن وقف الحرب دون فتح مضيق هرمز سيُعتبر إنجازًا استراتيجيًا لها، ويردع أي محاولة مستقبلية لشن حرب عليها...

الزلزال الإيراني… موجز الصراع على قيادة المنطقة

دونالد ترامب (Getty)

زلّ لسان دونالد ترامب مؤخرًا، وقال إنه كان يقدّر بأن تستغرق الحرب على إيران ثلاثة أيام فقط؛ هكذا أقنعه بنيامين نتنياهو: ضربة افتتاحية قاضية تقطع رأس النظام، فينهار جسده، وتفيض شوارع طهران بالجماهير المنتفضة ضد النظام النازف.

كانت حسابات نتنياهو وترامب في وادٍ، وحسابات إيران في وادٍ آخر. ولا حاجة إلى الاستفاضة في كيفية تحول حرب الثلاثة أيام إلى زلزال إقليمي وعالمي، لا يتوقف عند إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط. فهو زلزال ستمتد اهتزازاته لسنوات، وتغيّر شكل المنطقة والعلاقات الدولية، وبالطبع ستغيّر إيران ونظامها؛ فهي لا تقاتل اليوم كما يستسيغ المستشرقون تبسيطه، بأنها مدفوعة بعقلية فارسية شيعية. هذا ليس الواقع. تقاتل إيران بصفتها حربًا على الدولة الوطنية، على الوطن، تدافع عن أرضها، بصرف النظر عن فارسيتها أو مذهبها. وهذا ما فات نتنياهو في استسهاله التقدير بأن ضرب رأس النظام سيؤدي حتمًا إلى انقلاب شعبي عليه.

كان على نتنياهو أن يعتبر مما مرّت به إسرائيل منذ السابع من أكتوبر. فقد اصطفّ الإسرائيليون خلف قيادته وخلف الجيش، رغم ما صنعه نتنياهو من استقطاب عميق وجدي في المجتمع الإسرائيلي، ورغم المعارضة الواسعة له والمظاهرات الضخمة ضد شخصه وحكمه وفساده وانقلابه الدستوري. تجنّد الإسرائيليون للقتال وخدموا في قوات الاحتياط لمئات الأيام. هل ظنّ أن الإيرانيين أقل وطنية من الإسرائيليين لينقضّوا على قادة بلادهم وهم يدافعون عن وطنهم؟ أي عمى استعلائي غربي هذا. كأن شعوب الشرق قطيع بحاجة إلى إشارة من الرجل الأبيض ليهيجوا ضد قادتهم.

يريد نتنياهو تقويض الدولة الإيرانية وتدمير مقدّراتها، وليس إسقاط النظام الإسلامي فحسب. يريد أن يقوّض الدولة كدولة، لتغرق في الفوضى والصراعات الداخلية والانهيار الاقتصادي. أن يأكل الإيرانيون بعضهم بعضًا. فهي ليست حرب تحرير الإيرانيين كما يزعم. إنها حرب تجويع الإيرانيين. فهو يزعم أنه قارئ للتاريخ وابن مؤرخ، لكنه فاتته تجارب معاصرة قريبة. في العراق مثلًا. إنه مزيج من سكرة القوة والعمى العنصري.

دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب بلا استراتيجية لكيفية إنهائها وإخضاع النظام الإيراني في أي تسوية محتملة. في المقابل، فشلت إيران في ردع العدوان عليها باعتمادها على الترسانة الصاروخية والحلفاء الإقليميين؛ فلم تردع هذه الاستراتيجية الولايات المتحدة أو إسرائيل من إطلاق حرب شاملة على إيران.

إزاء هذا الواقع، لجأت طهران إلى إغلاق مضيق هرمز باعتباره الورقة الأقوى لديها، بعدما لم تنجح الترسانة الصاروخية و"حلقة النار" حول إسرائيل في منع الحرب والردع. إغلاق هرمز واستهداف الدول العربية المجاورة يستهدف رفع تكلفة الحرب والتأثير في الاقتصاد العالمي، بهدف تحويل الحرب على إيران إلى زلزال عالمي، اقتصاديًا وسياسيًا.

ونجحت إيران في مخططها هذا حتى اليوم؛ إذ إن وقف الحرب دون فتح مضيق هرمز سيُعتبر إنجازًا استراتيجيًا لها، ويردع أي محاولة مستقبلية لشن حرب عليها.

لكن هذا النجاح إن تحقق ليس نهاية المطاف. فالصراعات على قيادة هذه المنطقة لم تتحقق ولا مرة بالحروب. والتنافس الحالي هو بين إيران وإسرائيل وتركيا، بعدما جرى تحييد مصر بعد عبد الناصر من الصراع العربي - الإسرائيلي، ولاحقًا تدمير العراق في الحروب الأميركية عليه؛ ودخول سورية في حرب أهلية فرضها النظام المخلوع بمساعدة طهران، وفشل في حسمها وإدارتها.

استخدمت الدول الثلاث طوال عقود، إيران (الحالية وبفترة الشاه) وإسرائيل وتركيا، أدوات متشابهة ومتفاوتة لفرض قيادتها على المنطقة أو المزاحمة عليها؛ لكن المشترك بينها كان العداء للعرب، منذ فترة جمال عبد الناصر حتى اليوم؛ ليس لأسباب مذهبية ولا إثنية، بل لإدراك بأن مصلحة هذه الدول القومية وتزعمها المنطقة لا يكون إلا بضعف الدول العربية، أي أن عداءها للعرب لم يكن فارسيًا أو عثمانيًا، بل باعتبار أن المصلحة الوطنية لتلك الدول لتتزعم المنطقة تتطلب إضعاف العرب، سواء لموقعهم الجغرافي أو عمقهم الحضاري كما في مصر والعراق، أو لناحية عددهم. ولاحقًا ربطت إيران الثورة العداء للعرب بتحالفهم مع الولايات المتحدة.

وارتاحت كل من إيران الشاه ولاحقًا إيران الثورة لحالة عدم الحسم في الصراع العربي - الإسرائيلي، على اعتبار أن عدم الحسم وحالة التوازن الاستراتيجي الذي كان قائمًا قبل عقود يشغل الطرفين عن التفرغ لمواجهة الرغبة الإيرانية لقيادة المنطقة. وفعلاً، انشغل العرب وإسرائيل طوال عقود عن مواجهة إيران، بل تحالفت إسرائيل مع إيران الشاه، وتوسطت بتزويد إيران الثورة بالسلاح الأميركي لإشغال العراق في الحرب مع إيران وعدم توجيه السلاح العراقي نحو إسرائيل. وعندما اختل التوازن الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل، بتحييد مصر ولاحقًا محاصرة النظام العراقي، وصولًا لمشاريع التسوية أو السلام، واحتلال العراق لاحقًا، تسللت طهران إلى المجتمعات ليس لدوافع مذهبية كما يقال، بل في إطار استراتيجيتها على خلق توازن إقليمي جديد، مع إسرائيل تحديدًا، يتيح لها دور القيادة، واستغلت لتحقيق هذا الهدف الوطني - القومي وجود عرب شيعة في لبنان والعراق واليمن. كما ذهبت تركيا بعد الربيع العربي إلى التحالف مع الإخوان المسلمين في مصر أساسًا، كوسيلة لتحقيق هدفها الوطني - القومي بقيادة المنطقة.

أي أن إيران وتركيا رأتا في المجال العربي المُدمّر منذ احتلال العراق ولاحقًا الربيع العربي ساحات نفوذ لتحقيق زعامتهما في المنطقة، ولخلق توازن استراتيجي إقليمي مع إسرائيل.

أي أن الأطراف الثلاثة، تركيا وإيران وإسرائيل، مع الفارق بين الأولتين والثالثة، تنافست على قيادة المنطقة من خلال خلق توازن استراتيجي وقوده هو المجتمعات العربية لضعف دولها. ومثلما امتد النفوذ الإيراني بعد احتلال العراق إلى بغداد ودمشق، حاولت تركيا في المقابل مد نفوذها إلى سورية ومصر وليبيا. والهدف واحد: المنافسة على القيادة الإقليمية للمنطقة.

دخل بنيامين نتنياهو هذه الحرب وهو يعتقد أنه قلّص نفوذ إيران في دول الجوار العربية، في لبنان وسورية، إذ يحتل جنوبين في سورية ولبنان، على اعتبارها باتت ساحات نفوذ عسكري إسرائيلية تقطع الطريق على إيران في لبنان وتركيا في سورية.

في المقابل، تدرك إيران هذه الحقائق، فنقلت ثقل استراتيجيتها لفرض قيادتها على المنطقة من خلق حلقة النار حول إسرائيل، إلى إغلاق مضيق هرمز واستهداف الدول العربية في الخليج، ليس لرفع التكلفة فحسب، بل لاستبدال ما خسرته في المشرق من نفوذ بنفوذ على مياه الخليج والمنطقة.

وهذا ما يفسّر مثلًا لماذا لم تستهدف إيران القواعد الإسرائيلية في أذربيجان المجاورة وتعطّل تصديرها لأربعين في المئة من استهلاك إسرائيل للنفط؛ أولًا لأن آسيا الوسطى ليست هدف إيران للقيادة الإقليمية فيها، فهناك ستواجه خصمًا من نوع آخر، روسيا وتركيا؛ وثانيًا، لأن الإيرانيين من أصول آذرية يفوق عددهم عدد سكان أذربيجان، بالإضافة إلى تجنب الاصطدام مع تركيا.

إذن صارت المنطقة العربية الجنوبية، أي الخليج العربي، هي ساحة إيران للمنافسة على زعامتها الإقليمية وخلق توازن استراتيجي مع إسرائيل وتركيا، وهذا ما يستدعي السؤال: ما المشروع العربي المشترك في لعبة الموازين هذه لقيادة المنطقة؟

قد تخرج إيران منتصرة بنظرها بأن تتوقف الحرب دون فتح مضيق هرمز وصمود نظامها، ما سيعزز موقعها الإقليمي بعدما تراجع في العامين الأخيرين بخسارتها "الحلقة الذهبية" لمحورها في سورية كما سماها علي خامنئي، لكنها قد تغرق في انهيار داخلي يصير أخطر من الحرب، تمامًا كما حصل مع صدام حسين بعد حرب 1991.

هل يعرف ترامب ووزير حربه وصهره وصديقه في ملعب الغولف هذا الموجز للمنطقة؟ أشك. لكن ما يعرفونه أن التمدد الإيراني في المشرق حصل في فترة رئاسة باراك أوباما، وبغض الطرف أو التشجيع منه بحجة محاربة "داعش" والتوصل للاتفاق النووي 2015. أما التمدد الإيراني نحو الخليج فسيكون نتيجة سياسات ترامب بإيعاز من نتنياهو.

ليس المخرج بتحالف عربي - إسرائيلي لمواجهة إيران بعد الحرب، فلا حلول عسكرية لتزعم المنطقة. ربما المخرج في حوار صريح، صريح جدًا، بين العرب وإيران، وإن بدا هذا الكلام مبكرًا جدًا. ويصح ذلك مع تركيا.