في الحالة اللبنانيّة، كما في الحالة الفلسطينيّة، كلّ شيء يؤخذ فصائليًا، وفق فرضيّات تقادمت وثبت بطلانها بالطرق المأساويّة على الغالب، بنكسات وخسائر وأرواح ودم وخرائب. اللبنانيون الذين يتحدّثون عن لبنان الدولة والسيادة هم كالفلسطينيين الذين يتحدثون عن حلّ الدولتين. وهي نتيجة طبيعيّة لجمود عقائديّ وغياب القدرة على قراءة السيولة وجريان الأحداث في الإقليم. ففي الجانب اللبناني، كما في الجانب الفلسطيني، جمدت قراءة إسرائيل عند لحظة تأسيسها كجزء من قرار التقسيم واتفاقيّات الهدنة، وعند حدود كانت مرسومة بالدم اتّفق الجميع على "الدفاع" عنها باعتبارها "قسمة معقولة" يُمكن العيش معها. لا أحد من هؤلاء يُتعب نفسه في فهم ما صارت عليه هذه الـ"إسرائيل" من تطلّع عمليّ، وليس دفينًا، ومن مشاريع مكشوفة، وليست احتماليّة، بالنسبة لنفسها وللإقليم من المحيط إلى الخليج مرورًا ببلاد الشام.
أرجّح أن الأمر لا ينبع فقط من تقادم في الفرضيّات أو كسل سياسيّ في حساب الربح والخسارة ومعنى الدولة السياديّة والمشاريع الوطنيّة والهويّة، ولا من عدم القدرة على قراءة السيولة في مفاهيم السياسة. هناك عوامل نتواضع في الحديث عنها تتّصل بعمق الأثر الذي تركته فينا عقود من النكسات وعمليّة كيّ الوعي العربيّ بأيدي "الإمبراطوريّة" كما يُجسّدها الآن محور إسرائيل - أميركا. فقد بلغ الأثر حدّ عجز قطاعات واسعة من الناس عن الثقة بالذات الجماعية وقدرتها على اجتراح نصر أو إنجاز. بل أكثر، هناك أحيانًا غياب تام في الاعتقاد بأن "الإمبراطوريّة" قدر نهائيّ، علينا قبوله وتقبيل يديه ضمانة للبقاء والعيش ولو كتابعين.
ونُضيف عليها أثر الرأسماليّة الخنازيرية في تحويل طبقة كاملة من السياسيين إلى مستهلكي فرص وصفقات تقترحها "الإمبراطوريّة" وتروّج لها كما تروّج للسلع والمنتجات والخدمات والأفكار. من هنا أننا نترحّم أحيانًا على قيادات وسياسيين في الإقليم قالوا "لا" وحفظوا كرامتهم وكرامة الجماعة ولو على فقر وقلّة. فيما سنجد الآن، مقابل كلّ "ترامب" أميركي، "ترامب" لبنانيًا أو فلسطينيًا أو مصريًا أو... مقابل كل أرعن في البيت الأبيض يُراهن على البورصة، سنجد أرعن في المشرق يفعل ذلك.
لقد صنع "نظام التفاهة" في لبنان وفلسطين ما صنعه في غيرهما من مواقع. وقد تنامى أثر "الإمبراطوريّة" فينا كما نما في الأرجنتين مثلًا أو في بولندا. أناس هنا وهناك وفي كل الإقليم العربيّ يخوضون السياسة من باب التجارة والنجوميّة، وأكثر من باب فتحته لهم "الإمبراطوريّة"، على ما يعنيه ذلك من معايير للسياسة، ليس بوصفها الممكن، ولكن بوصفها ما ينبغي أن يكون بين تابع وسيّد، بين منتج للسياسة والحدود والخرائط والدول وبين مستهلك لها. بين من يستأثر بالفرص والثروات والرأسمال وبين من ينال فتاتها باسم واقعيّة أو انخراط في "اللعبة".
في لبنان أناس يريدون محاسبة حزب الله والاقتصاص منه على سنوات عجاف بالبطش الإسرائيليّ. وفي الجانب الفلسطيني من يريد محاسبة حركة حماس بالطريقة نفسها. وعليه، ليس صدفة أن يقع كثيرون، من شدّة العزم، في الجانب الإسرائيلي - الأميركي من السرديّة. ليس صدفة أن يظهر هؤلاء بمظهر ضئيل وبائس أمام الجمهور في بيروت أو في العواصم العربيّة الأخرى، بما فيها المكويّة بميسم "الإمبراطوريّة" وبإغراءاتها. ولا أقلّ منهم أولئك الذين أضاعوا كلّ ثقة بأنفسهم وبقدراتهم على أن ينتصروا في شيء ما. حتى لو انتصر حزب الله وإيران - وهذا ممكن - سيكذّب هؤلاء الوقائع كما يفعلون الآن عبر شبكة من المنصّات والقنوات التلفزيونية التي تنطق بالعربيّة بمضامين إسرائيليّة - أميركيّة.
هي عقود من الانكسارات المتتالية أفقدت طبقة من السياسيين ثقتهم بكلّ شيء، فراهنوا على ما تقترحه "الإمبراطوريّة" عليهم من استسلام، فاستسلموا للماضي يتخبّطون في حروبه المنتهية دون قدرة على رؤية أي مستقبل يكونون فيه شعوبًا أو مواطنين أو دولًا أو أنظمة تقوم على الكرامة الإنسانيّة وعلى مدى معقول من الاستقلاليّة والانتماء. هذه الطبقة من السياسيين في لبنان غير قادرة على أيّ شيء تقريبًا لأن شرعيّتها من الخارج بالأساس، ومرهونة لمزاج الذين يُراقبون الوضع من سرايا "الإمبراطوريّة". تمامًا كما هو الحال في فلسطين. فـ"السلطة الوطنيّة" التي لا تستطيع حماية مخيّمات الضفة من الاقتلاع وسكّانها من التهجير، كحكومة نوّاف سلام والرئيس جوزيف عون، التي لا تستطيع أن تحمي قرية لبنانيّة واحدة من التدمير الكلّيّ.
في منظومة إقليميّة ودوليّة تتغيّر بهذه السرعة وهذا العمق، لا مكان للماضي. إنها معركة شاملة على المستقبل، عن شكل الشام بما فيها فلسطين ولبنان والعراق والخليج والقرن الأفريقي وشبه جزيرة العرب، إنها حسابات كبيرة، كوارث سياسيّة بوصفها تأتي دائمًا على حساب الشعوب ومستقبلها. لا أحد يستطيع أن يردّها أو يصدّها بلغة رثّة وخطاب متقادم تكرّره مراكز عربيّة مهدّدة بالأفول. المستقبل في لبنان وفي فلسطين لمن يُقاتل من أجله، وليس لمن يُراهن على توحّش "الإمبراطوريّة" أو يتواطأ معها.