24/04/2026 - 10:53

الحرب على إيران ولبنان لم تحسم نتائج الانتخابات القادمة

أسهم وقف إطلاق النار في إحراج بنيامين نتنياهو وأدخله في أزمة سياسية، خاصة في ظل الانتقادات الحادة الصادرة عن سكان البلدات في الشمال ورؤساء السلطات المحلية...

الحرب على إيران ولبنان لم تحسم نتائج الانتخابات القادمة

دبّابة إسرائيليّة شماليّ البلاد (Getty)

منذ اندلاع الحرب الحالية على إيران وحزب الله، سعى بنيامين نتنياهو إلى ربط الأهداف والاعتبارات الأمنية للحرب بمصالحه السياسية والانتخابية، في محاولة لتحويلها إلى ورقة رابحة قبيل الانتخابات المقررة في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل. وفي هذا السياق، ساد داخل إسرائيل تقدير بإمكانية حسم هذه الحرب، ولا سيما في ظل تزامن المواجهة الإسرائيلية–الأميركية مع إيران والحرب على حزب الله. وكان يُفترض، وفق هذا التصور، أن تؤدي الحرب إلى إسقاط النظام في إيران، بما ينعكس في إضعاف كبير للحزب.

أمل نتنياهو أن تسهم الإنجازات العسكرية والاستراتيجية المتوقعة في تحسين موقعه الانتخابي، وكسر حالة شبه التعادل بين معسكر الائتلاف الحكومي والمعارضة قبيل الانتخابات المقبلة. بل إن عددًا من وزراء حزب الليكود استبقوا التطورات، وسرّبوا في الأيام الأولى للحرب على إيران احتمال تقديم موعد الانتخابات إلى شهري حزيران/يونيو أو تموز/يوليو، في ظل حالة "النشوة" التي سادت أوساط صنع القرار والمجتمع الإسرائيلي، على خلفية ما اعتُبر إسرائيليًا نجاحًا للضربات العسكرية ضد إيران.

إلا أن الآمال والأهداف والتصريحات الإسرائيلية اصطدمت بالواقع؛ إذ لم تنجح إسرائيل حتى الآن في حسم الحرب، لا في إيران ولا على حزب الله، كما لم تتمكن من تدمير قدراتهما العسكرية. وقد أسهم وقف إطلاق النار في إحراج بنيامين نتنياهو وأدخله في أزمة سياسية، خاصة في ظل الانتقادات الحادة الصادرة عن سكان البلدات في الشمال ورؤساء السلطات المحلية.

من الشعور بالإنجازات إلى خيبة الآمال

انعكست أجواء الإحساس بالانتصار في بداية الحرب، ثم التحوّل إلى خيبة الأمل بعد وقف إطلاق النار، في مواقف المجتمع الإسرائيلي، كما يتضح من نتائج استطلاعات الرأي العام التي يجريها معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، والتي تقيس المزاج العام في المجتمع الإسرائيلي ومواقفه من التطورات الأمنية–العسكرية والسياسية.

في أول استطلاع نُفّذ بعد شن الحرب على إيران، ونُشر بتاريخ 3 آذار/مارس، تبيّن وجود أغلبية واضحة في المجتمع الإسرائيلي (81%) تؤيد الهجوم الإسرائيلي–الأميركي على إيران. كما رأى 63% أنه ينبغي مواصلة الحرب حتى إسقاط النظام في إيران. وقد قدّر 69% من الجمهور أن النظام الإيراني سيتعرّض لضرر كبير نتيجة الحرب، ومن بينهم 22% اعتقدوا بإمكانية انهياره الكامل. كما قدّر 62.5% من الجمهور أن المشروع النووي الإيراني سيتعرض لضرر كبير خلال الحرب، فيما رأى 73% أن منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية ستتضرر بشكل كبير.

يوضح الاستطلاع استمرار ارتفاع مستويات الثقة بالمؤسسة الأمنية، بل وتعزّزها مقارنة بشهر شباط/فبراير، على خلفية اندلاع الحرب على إيران؛ إذ عبّر 79% من الجمهور الإسرائيلي عن مستوى عالٍ من الثقة بالجيش الإسرائيلي.

في المقابل، سُجّلت زيادة محدودة في الثقة بالمستوى السياسي، إلا أن مستوياتها لا تزال منخفضة نسبيًا؛ إذ يعبّر نحو ثلث الجمهور (34%) عن ثقة عالية بالحكومة، فيما يعبّر 38% فقط عن ثقة عالية برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

أما بعد وقف إطلاق النار مع إيران، ومع تصاعد التقديرات بأن الحرب لم تحقق كامل أهدافها الاستراتيجية كما كان متوقعًا، فقد برز تراجع في تفاؤل المجتمع الإسرائيلي ودرجة من الارتباك إزاء نتائج الحرب. ووفقًا لاستطلاع معهد دراسات الأمن القومي بتاريخ 15 نيسان/أبريل، أي بعد وقف إطلاق النار، تبيّن أن غالبية الجمهور الإسرائيلي تعارض وقف الحرب (61%)، مقابل 29% فقط يؤيدونه.

وفي الوقت نفسه، تبرز حالة من خيبة الأمل إزاء نتائج الحرب وحجم الضرر الذي لحق بإيران. فبينما كان 69% في المراحل الأولى من الحملة يقدّرون أن النظام الإيراني سيتضرر بشكل كبير، يرى اليوم 31% فقط أن هذا الضرر تحقق فعليًا.

وتظهر اتجاهات مماثلة في تقييم حجم الضرر الذي لحق بالمشروع النووي. إذ قدّر 62.5% في بداية الحرب أنه سيتعرض لضرر كبير، مقابل 30.5% فقط يرون اليوم أن ذلك تحقق فعليًا. وينطبق الأمر ذاته على منظومة الصواريخ الباليستية، حيث قدّر 73% في بداية الحرب أنها ستتضرر بشكل كبير، مقارنة بـ42% فقط يعتقدون ذلك حاليًا.

أما مستوى الرضا عن الإنجازات العسكرية في إيران فيظل منخفضًا، إذ لا يتجاوز 37%. وفي نظرة استشرافية، يرى 73% أن إسرائيل قد تضطر إلى استئناف الحرب ضد إيران خلال العام المقبل، كما يقدّر 76% أن أهداف الحرب لن تتحقق من خلال المفاوضات المتوقعة.

أما فيما يتعلق بجبهة الشمال، فيؤيد 69% من المستطلعين استمرار الحرب على حزب الله بغضّ النظر عن التطورات في الساحة الإيرانية، رغم أن 62% يعتقدون أن الحرب الحالية في لبنان لن تضمن هدوءًا أمنيًا طويل الأمد.

التوقعات للانتخابات القادمة… لا تغيير جوهري

كان من المتوقع أن تدفع الحرب، وما اعتُبر في بدايتها إنجازات عسكرية، نحو إحداث تحوّل في مواقف المجتمع الإسرائيلي السياسية والانتخابية لصالح حزب الليكود والتحالف الحكومي. غير أن الواقع يُظهر أن الحرب على إيران وحزب الله لم تُفضِ إلى تغيير جوهري لصالح هذا المعسكر في مراحلها الأولى، وأن التقلبات في مزاج المجتمع الإسرائيلي ومواقفه من الحرب ونتائجها انعكست أيضًا في استطلاعات نوايا التصويت.

نشر موقع "زمان يسرائيل" في 5 آذار/مارس، أي بعد أقل من أسبوع على اندلاع الحرب، نتائج استطلاع رأي أظهرت ارتفاعًا ملحوظًا في مستوى التأييد لحزب الليكود، إذ توقّع الاستطلاع حصوله على 31 مقعدًا، مقابل 15 مقعدًا لحزب نفتالي بينيت، أبرز منافسي بنيامين نتنياهو. وفي المقابل، قدّر الاستطلاع أن معسكر نتنياهو سيحصل على 53 مقعدًا، مقابل 57 مقعدًا لمعسكر المعارضة، في حين تنال الأحزاب العربية 10 مقاعد. وبذلك يتضح أنه، على الرغم من التحسّن في مكانة حزب الليكود الانتخابية في بداية الحرب، فإن هذا التحسّن لم يترجم إلى تغيير جوهري في ميزان القوى بين الائتلاف والمعارضة.

كما أظهر استطلاع أجرته القناة 13 بتاريخ 11 آذار/مارس أن حزب الليكود يحتل المرتبة الأولى بـ24 مقعدًا، فيما تأتي في المرتبة الثانية قائمة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت بـ17 مقعدًا، مسجّلة تراجعًا قدره خمسة مقاعد مقارنة بالاستطلاع السابق الذي أُجري قبل أسبوعين، أي قبل الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران.

وفي توزيع المقاعد بحسب المعسكرات، يحصل الائتلاف الحالي على 51 مقعدًا فقط، في حين تنال المعارضة الحالية 53 مقعدًا، وتحصل الأحزاب العربية، في حال تشكيل قائمة مشتركة، على 16 مقعدًا. هذا الاستطلاع يوضح أيضًا أن الحرب لم تؤدِّ إلى تغيير جدي في موازين القوى، وأنه لا حسم واضحًا بين المعسكرات في الانتخابات القادمة.

وفي 17 نيسان/أبريل، أي بعد نحو أسبوع من وقف إطلاق النار مع إيران وقبل الإعلان عن وقف إطلاق نار مع لبنان، أظهرت نتائج استطلاع رأي نشرته صحيفة معاريف أن وقف إطلاق النار في الحرب على إيران أثّر سلبًا في مكانة التحالف الحكومي، في حين واصل معسكر المعارضة تعزيز موقعه للأسبوع الثالث على التوالي، محققًا أغلبية تبلغ 61 مقعدًا من دون احتساب مقاعد الأحزاب العربية. في المقابل، لم يتمكن معسكر الائتلاف من التعافي منذ اندلاع الحرب، وبقي عند حدود 49 مقعدًا فقط.

وفي هذا السياق، تُظهر استطلاعات صحيفة معاريف تراجع حزب الليكود من 27 مقعدًا في بداية الحرب إلى 25 مقعدًا بعد وقف إطلاق النار مع إيران. في المقابل، ارتفعت قائمة نفتالي بينيت من 21 مقعدًا في بداية الحرب إلى 24 مقعدًا خلال الأسبوعين الأخيرين.

كما يُظهر استطلاع لصحيفة "يسرائيل هيوم" اليمينية، نُشر بتاريخ 16 نيسان/أبريل، أي بعد نحو أسبوع من وقف إطلاق النار في إيران، تراجعًا في حصة حزب الليكود في الانتخابات المقبلة، من 28 مقعدًا في الاستطلاع الذي أُجري قبل أسبوعين إلى 26 مقعدًا، إلى جانب تراجع معسكر الائتلاف بأكمله من 53 إلى 52 مقعدًا. في المقابل، تبدو صورة المعارضة أكثر تعقيدًا. إذ تصل مجتمعة إلى 68 مقعدًا، إلا أن "معسكر التغيير" لا يتجاوز، من دون الأحزاب العربية، 57 مقعدًا فقط.

وبحسب نتائج استطلاع القناة 12 بتاريخ 16 نيسان/أبريل، عشية وقف إطلاق النار في لبنان، عزّز حزب الليكود قوته بمقعدين مقارنة بالاستطلاع السابق للقناة، ليصل إلى 25 مقعدًا. في المقابل، تراجعت قائمة نفتالي بينيت إلى 20 مقعدًا (أقل بمقعدين من الاستطلاع السابق). أما خريطة المعسكرات، فتُظهر حصول الائتلاف الحكومي على 51 مقعدًا، مقابل 69 مقعدًا للمعارضة، من ضمنها 10 مقاعد للأحزاب العربية.

في المحصّلة العامة، ووفقًا لمراجعة نتائج مجمل الاستطلاعات، يتبيّن أن الحرب على إيران وحزب الله لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في مكانة التحالف الحكومي، حتى في الأيام الأولى للحرب حين اعتبرت إسرائيل أنها حققت إنجازات عسكرية ملموسة. في المقابل، سُجّل تحسّن نسبي في حصة حزب الليكود. ويشير ذلك إلى أن هذا التحسّن جاء، على الأرجح، على حساب أحزاب داخل المعسكر نفسه، أي نتيجة انتقال أصوات بين مكوّنات الائتلاف، وليس نتيجة تحوّل في مواقف الناخبين بين المعسكرات السياسية المختلفة.

أما بعد وقف إطلاق النار في إيران، وعشية وقف إطلاق النار مع لبنان، فيُلاحظ تراجع طفيف في حصة حزب الليكود، مقابل تحسّن محدود في حصة المعسكر المعارض، من دون أن يفضي ذلك إلى حسم واضح في الانتخابات المقبلة. فلا تزال حصة معسكر الائتلاف الحكومي تتراوح في حدود 52–53 مقعدًا، مقابل نحو 57 مقعدًا للمعسكر المعارض في المتوسط، في حين تحافظ الأحزاب العربية على تمثيل يقارب 10 مقاعد.

وبذلك، لم يحقق بنيامين نتنياهو أهدافه السياسية من الحرب على إيران وحزب الله. ويبدو أن أجواء خيبة الأمل من نتائج الحرب، ومن وقف إطلاق النار، وإن كان مؤقتًا، في ظل عدم تحقيق الأهداف المركزية، تؤثر سلبًا على مكانته السياسية وعلى موقع التحالف الحكومي، لكن من دون أن تُحدث تحولًا حادًا في موازين القوى.

يدرك نتنياهو هذا الواقع جيدًا، ويسعى إلى أن يكون حزب الليكود الحزب الأكبر في الكنيست في الانتخابات المقبلة، مع العمل في الوقت ذاته على منع معسكر المعارضة من تحقيق حسم انتخابي يتيح له تشكيل حكومة. فالحصول على أكبر عدد من المقاعد، حتى في حال عدم نيل الائتلاف الحالي أغلبية برلمانية، قد يمكّن نتنياهو من الادعاء بأحقيته في تشكيل الحكومة. ويستند ذلك إلى تقديرات واستطلاعات تشير إلى أن معسكر المعارضة لن يتمكن من تحقيق أغلبية من دون دعم حزب عربي. ومن هذا المنطلق، من المرجّح أن يعمل نتنياهو واليمين على نزع الشرعية عن أي سيناريو لتشكيل ائتلاف حكومي يستند إلى دعم الأحزاب العربية، حتى لو كان هذا الدعم من خارج الائتلاف الحكومي.

يعي بنيامين نتنياهو أنه في ظل المعطيات الحالية لن يتمكن من حسم الانتخابات المقبلة. لذلك، من المرجّح أن يركّز على تقليص احتمالات تشكّل تحالف بديل، بما قد يتيح له كسب الوقت والإبقاء على الحكومة الحالية كحكومة انتقالية. وقد يفتح ذلك المجال أيضًا للعودة إلى نمط الانتخابات المتكررة الذي شهدته إسرائيل بين عامي 2019 و2022.

وفي ضوء عدم نجاحه في تحويل الحرب على إيران وحزب الله إلى إنجاز استراتيجي ملموس يمكن توظيفه انتخابيًا، قد يتحوّل خيار منع حسم المعارضة للانتخابات المقبلة وكسب الوقت إلى استراتيجية مركزية جديدة في سلوك بنيامين نتنياهو السياسي.