بعد 78 عامًا على إقامتها على أنقاض الشعب الفلسطيني وفي قلب العالم العربي، وعقب ستة حروب وانتفاضتين وعشرات المواجهات، لعل الإنجاز الوحيد الذي أحرزته الشعوب العربية والشعب الفلسطيني، بعد أن فشلت أنظمتها وتنظيماتها في تحرير فلسطين أو جزء منها، والذي يُعدّ إنجازًا لا يُستهان به، هو أن إسرائيل ما زالت تحارب على شرعية وجودها، وما انفكت تعتمد على حراب قوتها العسكرية المدعومة من الغرب الاستعماري الأميركي للحفاظ على هذا الوجود.
ولا غرابة في أنها، برغم "الانتصارات" العسكرية التي حققتها في الحرب المفتوحة التي امتدت من غزة إلى لبنان وسورية وحتى إيران، وبرغم الدمار والقتل اللذين خلّفتهما آلتها العسكرية أميركية الصنع في هذه المناطق، فإن نخبها السياسية والعسكرية والفكرية ما زالت مهجوسة بالخطر الوجودي الذي استيقظ بكل قوة بعد أن نجح بضعة آلاف من المقاتلين الفلسطينيين في زعزعة كيانها في السابع من أكتوبر.
هذا "الخطر" الذي جرى الاعتقاد أنه حُيّد بعد تنحي الأنظمة العربية الوازنة، وعلى رأسها مصر، عن ساحة المواجهة، تجدّد مع انطلاق الفصائل والتنظيمات الفلسطينية وفتح جبهة جنوب لبنان التي كلّفت إسرائيل حربًا مريرة واحتلالًا قاسيًا وطويلًا لجنوبه، تحولت خلالها المقاومة، بعد خروج فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، إلى مقاومة لبنانية نجحت في دحر الاحتلال وإلحاق فشل عسكري بالجيش الإسرائيلي عام 2000. وظلت مقولة الأمين العام لحزب الله "أوهن من بيت العنكبوت" تلاحق قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين وتقضّ مضاجعهم، حتى صفّوا الحساب خلال الحرب الأخيرة من حزب الله ومن نصر الله ومن لبنان وبنت جبيل التي شكّلت عنوانًا لهذه المقولة.
لكن مثلما جاء العراق بعد خروج مصر، وجاءت الانتفاضة الأولى بعد خروج المنظمة من لبنان، ثم الانتفاضة الثانية التي امتدت في أيام انطلاقتها الأولى إلى ساحة الداخل وجعلت باراك يعتبر إغلاق شارع وادي عارة والتحام الكل الفلسطيني في الوطن مع الانتفاضة حربًا وجودية، أخذت إيران، المحور المناهض لإسرائيل، وملأت حماس والفصائل الإسلامية الفراغ الذي تركته فتح وفصائل منظمة التحرير في ساحة المواجهة، ليعود تجدّد هاجس "الخطر الوجودي" على أشدّه.
ومع أننا نميّز بين "خطر الوجود" وبين "شرعية الوجود"، ونرى في هذا الصدد أن إسرائيل تحارب على شرعية وجودها، وليس على وجودها المصان بالقوة العسكرية والترسانة النووية التي تمتلكها وبحاملات الطائرات الأميركية العملاقة التي حاصرت شواطئ المنطقة بعد السابع من أكتوبر لتحمي إسرائيل من بضعة آلاف من المقاتلين الفلسطينيين في غزة.
لكننا نرى أن الوجود الذي يفتقر إلى الشرعية والمحمي بالبوارج والطائرات الأميركية هو وجود هش مرهون بفترة صلاحية، يجري تمديدها كلما اقترب موعد انتهائها، ولا غرابة في أنه بعد انقشاع ما سُمّي إسرائيليًا بلعنة العقد الثامن المستندة إلى تجارب ما يُعرف بمملكتي إسرائيل الغابرتين اللتين لم تتجاوزا 80 عامًا من العمر، لا غرابة في أن يجري الحديث اليوم عن تاريخ جديد هو عام 2048، مبني على اعتقاد بأن إسرائيل لن تتجاوز 100 عام.
في هذا السياق، نرى أكثر من كاتب ومحلل سياسي إسرائيلي يتحدث عن تاريخ الصلاحية الجديد في سياقات مختلفة خارجية وداخلية. طبعًا، هناك جزء من الموضوع مرتبط بهوس إسرائيلي مردّه "عقدة المطاردة" التي يعاني منها اليهود وأن "العالم يكرهنا"، ولكن هناك جزءًا يرتبط بأن إسرائيل أصبحت فعلًا كيانًا مكروهًا في العالم، وليس في المنطقة فقط، بعد حرب الإبادة على غزة، وما أحدثته من انقلاب في الرأي العام العالمي، وهناك جزء آخر يرتبط بالأزمة الداخلية الإسرائيلية وما تحدثه من تحولات تمسّ الصميم الوجودي الذي بُنيت عليه هذه الدولة، والتي يرى البعض أنها تهدد بتقويضها من الداخل.
والغريب أن العلاقة عكسية بين دالة صعود إسرائيل وتعاظمها كقوة عسكرية واقتصادية تكنولوجية إقليمية وعلى مستوى العالم، وبين دالة تآكل شرعيتها الدولية وعزلتها على مستوى المنطقة والعالم، بمعنى أن الانتصارات العسكرية والنجاحات الاقتصادية لا تساهم في توطيد شرعية إسرائيل الإقليمية والعالمية، بل إن العكس هو الصحيح.
ويعود ذلك ليس فقط إلى حكم اليمين الديني الاستيطاني الذي يغيّر "الوجه الليبرالي الديمقراطي" للدولة فقط، ويفقدها أحد أهم أشكال تميزها عن دول المنطقة وحلقة الوصل المهمة مع الغرب، بل إلى أن هذا التعاظم العسكري والاقتصادي يثير مخاوف دول المنطقة، حتى تلك التي لا تعادي إسرائيل وترتبط بعلاقات تطبيع معها، من محاولات التوسع والهيمنة الإسرائيلية.
هذا ناهيك عن أن "انتصارات إسرائيل" العسكرية آنفة الذكر تحققت عبر ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وعمرانية، وإحداث دمار غير مسبوق في غزة وجنوب لبنان وحتى في إيران، ومن خلال انتهاك للقوانين والمواثيق الدولية تُرجم باحتلال أراضي الغير ومصادرة حقوقهم وتهجير ملايين الفلسطينيين واللبنانيين من بيوتهم، ومن ثم تدمير بيوتهم ومدارسهم وأماكن العبادة الخاصة بهم ومحو قراهم ومدنهم عن وجه الأرض.
كما أن تعاظم القوة الاقتصادية الإسرائيلية يرتبط بصناعة وتصدير وسائل القتل والقمع العسكرية وبرامج الرقابة والتجسس والسايبر، التي جُرّبت في مختبرات الاحتلال وانتعشت من خلال علاقات إسرائيل مع الأنظمة العسكرية والقمعية في العالم، وبضمنها أنظمة عربية، وهي بهذا المعنى لا تخدم سمعة إسرائيل وتعزيز شرعيتها في العالم، بل إن العكس هو الصحيح.
والحال كذلك، فإن عوامل ومقومات وجود إسرائيل، التي لا تشكل أساسات طبيعية ضاربة في أرض المنطقة أصلًا، بل إنها هي النبتة الغريبة في المنطقة، لم تسعَ إلى التلاؤم مع هذه التربة وبيئتها، بل رأت في هذا التمايز ميزة يجب تعزيزها و"فجوة حضارية" تسعى إلى استثمارها في الهيمنة على المنطقة، وهي بذلك كرّست صورتها كقوة استعمارية تعيش على "زمن معطى"، مثل سائر قوى الاستعمار التي مرت من هنا.