26/04/2026 - 14:43

أيديولوجيا الخوف والتخويف...

الخوف جزء من الطبيعة البشرية، فهل نسمح له بأن يقودنا، أم نحاول أن نفهمه؟ هل نجعله عدسة نرى بها العالم من خلاله، أم مجرد إشارة تحذير نتوقف عندها؟...

أيديولوجيا الخوف والتخويف...

توضيحية (Getty)

أول سؤال يُسأل عندما يلتقي عربيان في هذه البلاد: "كيف العنف عندكم؟ هل توجد جرائم قتل لديكم؟ سمعت قبل أيام أنه كانت عندكم جريمة قتل. هل عندكم أكثر من عندنا؟". هذه التساؤلات ليست لدى البالغين فقط، بل قد تُفاجأ بطفل يسألك مثل هذا السؤال: هل عندكم جرائم قتل مثلما هي عندنا؟

حالة القلق باتت سائدة بين الناس، ولم يعد ضحايا العنف محصورين في فئة من المجتمع اختارت هذا الطريق، بل صار الضحايا من كل شرائح المجتمع، وفي أحيان كثيرة من أناس ليست لهم علاقة بالموضوع، ومجرّد عابري سبيل أو واقفين على شرفات بيوتهم.

عالج فلاسفة كثيرون قضية الخوف كحجر أساس في فهم السياسة. فلا تقوم الدولة لأن البشر عقلانيون فحسب، بل لأنّهم خائفون. الخوف من الفوضى، الخوف من عدو خارجي مشترك. هكذا يَقبل الناس بالتنازل عن جزء كبير من حريّاتهم وطموحاتهم مقابل حماية السلطة لهم. الدولة، بهذا المعنى، ليست عقدًا عقلانيًا فقط، بل اتفاقًا ضد الخوف. هكذا مثلًا نجد أبناء الأقليات بصورة عامة يتقرّبون من السُّلطة القوية خشية بطشها، وكورقة رابحة لمواجهة الأكثرية.

المواطن الذي يشعر بحماية الدولة له ينظر إليها بإيجابية حتى لو حرمته من حقوق كثيرة، ولكن ما يبدأ كحماية يتحوّل إلى أداة. في كتاب "الأمير" يطرح ميكافيللي السؤال الشهير: هل من الأفضل أن يُحَبَّ الحاكم أم أن يُخاف؟ الإجابة هي أن الخوف أكثر ثباتًا. الحب يتبدّل، أما الخوف فيبقى، ويمكن له أن يكون أداة ضبط فعّالة للسياسة.

الأنظمة الشمولية لا تكتفي بأن يخاف الناس من السلطة، بل تجعلهم يخافون من بعضهم بعضًا. وحين يفقد الفرد الثقة بمن حوله، حتى بأبناء أسرته، ينهار المجتمع من الداخل، وتصبح السيطرة عليه أسهل. وهذا ما يجري في مجتمعنا حاليًا: تفكيك المجتمع لتسهيل السيطرة عليه والحد من طموحاته وتقزيمها، من طلب المساواة التامة إلى طلب الحماية.

الخوف لا يحتاج دائمًا إلى عنف ظاهر. يكفي أن يشعر الإنسان بأنه مراقَب حتى يبدأ بمراقبة نفسه. الخوف يصبح داخليًا، لا يُرى، لكنه يعمل بلا توقف. هكذا ممكن أن تلاحظ أن الجماهير تهب لمهاجمة أي منتقد للنظام الذي يقمعهم هم أنفسهم. لأنّهم يدركون أنهم مراقبون، وقد يُسألون عن "لايك" وضعوه على منشور يهاجم السلطة. وتتحول قضية تافهة إلى امتحان ولاء للسلطة أو معارضتها.

منذ أكثر من عقدين لم تخلُ خطابات نتنياهو من خطر إيران النووي، إضافة إلى احتمالات التصعيد و"تعدّد الجبهات"، بحيث صاغ السياسة على مبدأ الخوف المستمر والخطر المحدق، وتأجيل كل ما عدا ذلك.

في لبنان، يأخذ الخوف شكلًا داخليًا متبادلًا، كل طائفة تمتلك سردية خطرها، وتدّعي أنها مستهدفة، فيُدار التوازن بقلق مشترك أكثر مما يُدار بثقة.

في إسرائيل، انتقل الخطاب الذي كان يُظهر العرب كمواطنين يحصلون على حقوقهم كاملة، وفي المقابل عليهم تقديم الواجبات للدولة، بما في ذلك الخدمة الوطنية، إلى خطاب يُصوّرهم كطابور خامس وخطر على مجرد وجود الدولة، بل وأكبر من أي مخاطر خارجية.

حتى أصبح الحديث المتداول أن المحطة القادمة بعد قطاع غزة والضفة وحزب الله في لبنان وإيران، يأتي دور العرب الفلسطينيين في إسرائيل.

مع تصاعد الجريمة المنظمة، لا يحتاج الخوف إلى خطاب كي ينتشر، يكفي أن يشعر الناس بأن حياتهم مهددة، وأن الاستجابة الرسمية لما يجري شبه معدومة، بهدف دفع العرب إلى توسّل السلطة لحمايتهم، أو البحث عن بديل للسلطة المركزية، وهو اللجوء إلى العصبيات العشائرية بهدف الحماية.

الأمر الذي يعني تهيئة أرضية خصبة لصراعات أهلية بغياب سلطة مركزية. حين يصبح الأمن الشخصي هو الهمّ الأول، تتقلص المساحة المتاحة للتفكير في الحقوق والتمثيل والمساواة وغيرها، فالإنسان مستعد للتنازل عن الكثير مقابل الشعور بالأمان، بغض النظر عمّا إذا كان هذا الواقع نتيجة سياسة مقصودة أم إخفاق مزمن.

الخوف جزء من الطبيعة البشرية، فهل نسمح له بأن يقودنا، أم نحاول أن نفهمه؟ هل نجعله عدسة نرى بها العالم من خلاله، أم مجرد إشارة تحذير نتوقف عندها؟

الخطر ليس في أن نخاف، بل في أن يتحوّل الخوف إلى بوصلة لتصرفاتنا وأفكارنا ومواقفنا من قضايانا الأساسية الكبيرة.