لم يكن مفاجئًا الإعلان عن تحالف نفتالي بينيت ويائير لبيد في حزب "معًا"؛ فالسيولة الحزبية في إسرائيل ليست خروجًا على طبيعة النظام السياسي، وإنما إحدى سماته الثابتة. يقوم هذا النظام على حزبية متنوعة وائتلافات متبدلة، وقدرة عالية على إعادة تركيب المعسكرات قبل الانتخابات وبعدها. لذلك، لا تكمن أهمية الإعلان في ذاته، وإنما في ما يكشفه عن اتجاهات السياسة الإسرائيلية مع اقتراب انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وعن الطريقة التي ينبغي للفلسطينيين أن يقرأوا بها هذه التحولات.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
يعود بينيت إلى المشهد وهو يحمل إرث تجربته السابقة مع لبيد عام 2020. تلك التجربة أوصلته إلى رئاسة الحكومة، لكنها كلفته حزب "يمينا"، وأفقدته جزءًا مهمًا من قاعدته اليمينية، ودفعته في النهاية إلى مغادرة الحياة السياسية لفترة. لذلك، لا يظهر خطابه الجديد كاستئناف بسيط لمساره السابق، وإنما كمحاولة لإعادة بناء موقعه بعد مراجعة الدروس التي أنتجتها تلك التجربة. فهو يريد أن يقول للجمهور الإسرائيلي إنه قادر على منافسة بنيامين نتنياهو من دون أن يغادر المعسكر اليميني، أو يعيد إنتاج الائتلاف السابق بشروطه ذاتها.
ويرتكز خطاب نفتالي بينيت على جملة من المرتكزات الأساسية: أولًا على تأكيد الهوية اليمينية، إذ يدرك بينيت أن أي بديل حقيقي لنتنياهو لا يستطيع أن يتشكل من خارج اليمين. فقد أصبح اليمين، بمختلف تفرعاته، مركز الثقل في السياسة الإسرائيلية ولم تعد المنافسة الأساسية تدور بين يمين ويسار وإنما داخل المعسكر اليميني نفسه. من هنا، يحرص بينيت على تقديم نفسه باعتباره يمينيًا كاملًا لا شريكًا عابرًا في كتلة مناوئة لنتنياهو. وبهذه الصيغة، يحاول أن يفصل بين هدف إسقاط نتنياهو، وأي تحول أيديولوجي أوسع في بنية الحكم.
ويرتكز ثانيًا على الصهيونية بوصفها إطارًا سياسيًا حاكمًا، لا يستخدم بينيت الصهيونية كشعار انتخابي فقط، وإنما كالتزام بمشروع توسعي إحلالي يقوم على تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتعزيز الطابع اليهودي للدولة وحماية التفوق اليهودي داخل المجال الممتد بين البحر والنهر. لذلك، فإن حديثه عن اتحاد صهيوني لا يعني بناء مساحة مدنية مشتركة، وإنما إعادة إنتاج اصطفاف يهودي واسع حول المشروع الإسرائيلي نفسه. وفي هذا المعنى، تتحول الصهيونية إلى معيار للشرعية السياسية، وإلى حد فاصل بين من يملك حق التأثير في الحكم ومن يبقى خارجه.
ويرتكز ثالثًا على رفض الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة، هذا الموقف لا يأتي كتفصيل انتخابي عابر وإنما كدرس مباشر من تجربته السابقة. فقد شكلت الشراكة البرلمانية مع القائمة العربية الموحدة نقطة استهداف مركزية من خصومه داخل اليمين، وجرى استخدامها لتصويره كمن كسر أحد المحظورات السياسية في إسرائيل. لذلك، يغلق بينيت هذا الباب مسبقًا ويرسل رسالة واضحة إلى قاعدته المحتملة: أي حكومة يقودها أو يشارك في بنائها ستبقى داخل حدود الإجماع اليهودي الصهيوني.
وبالرغم من ذلك، لا ينبغي المبالغة في تقدير لحظة بينيت الحالية. فالنجومية السياسية في إسرائيل غالبًا ما تكون مؤقتة، واستطلاعات الرأي تتبدل بسرعة تبعًا للحرب والأمن والاقتصاد وصورة القيادة. كما أن الحروب لم تنتهِ والجبهات لا تزال مفتوحة، والمجتمع الإسرائيلي لم يصل بعد إلى إنجاز سياسي أو نفسي بعد السابع من أكتوبر. لذلك، قد يتحول صعود بينيت إلى موجة عابرة إذا تغير المزاج العام، أو إذا فرضت الجبهة العسكرية وقائع جديدة، أو إذا نجح نتنياهو في إعادة ترتيب معسكره.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين في الداخل، تكمن المسألة الأهم في عدم التفكير بأدوات ما قبل السابع من أكتوبر 2023. فقد تغيرت إسرائيل بصورة عميقة؛ تعاظم الخطاب الأمني وازدادت مركزية الإجماع اليهودي في تحديد حدود السياسة. لذلك، لا يكفي التعامل مع التحالفات الجديدة كفرص تكتيكية، أو انتظار شخصية إسرائيلية تستطيع فتح نافذة ضيقة داخل النظام، المطلوب قراءة أبرد وأكثر واقعية لطبيعة المرحلة.
وفي ظل هذه الوقائع، تحتاج الأحزاب العربية إلى برنامج عمل واضح ضمن رؤية سياسية جامعة لا تكتفي بردود الفعل، ولا بالحسابات الانتخابية الموسمية. المطلوب مظلة سياسية واحدة تحدد الأولويات وتحمي الوجود الفلسطيني، وتربط بين المواطنة والهوية والحقوق الجماعية، ومواجهة سياسات الإقصاء ومحاربة الجريمة. هذه المظلة يجب أن تمنح الجمهور الفلسطيني معنى سياسيًا للمشاركة، وأن تعيد بناء الثقة بينه وبين أحزابه على أساس برنامج واضح وقابل للفهم.
أما من يختار المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، فعليه أن يدفع نحو قائمة مشتركة واحدة من دون مراهنة على بينيت أو لبيد أو أي شخصية إسرائيلية أخرى. فالتحولات داخل الأحزاب الصهيونية لا تؤثر اليوم في صورة المشهد بشكل جذري. بالتالي، فإن القوة الفلسطينية لا تُبنى من انتظار متغير خارجي، وإنما من تنظيم الصوت الفلسطيني حول برنامج واضح وقائمة موحدة، ورؤية تعرف أن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر لم تعد تسمح بتشتت سياسي مريح، أو بحسابات ضيقة.