ربما يكون الاستنتاج الأول المشتق من تقرير أطباء لحقوق الإنسان، عن إسكات وملاحقة الأطباء وغيرهم من العاملين الفلسطينيين في الجهاز الصحي الإسرائيلي، بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، رغم أنهم يشكلون ما يقارب 30% من العاملين فيه، هو أن تبديل الياقات الزرقاء بالياقات أو حتى الأثواب الطبية البيضاء لا يغير شيئًا من حقيقة التمييز البنيوي الواقع عليهم والمرتبط بالطبيعة الصهيونية لهذه الدولة وطابعها اليهودي.
التقرير الذي صدر بعد مضي سنتين ونصف على حرب الإبادة المتواصلة على غزة، لم يضف جديدًا على ما نعرفه وما لمسناه على جلودنا من ملاحقة وتعسف وخنق حريات، انتهت في كثير من الأحيان بلجان استماع وفصل من العمل وشكاوى في الشرطة طالت العديد من الأطباء والعاملين في المستشفيات وصناديق المرضى الإسرائيلية، أبرزهم د. عبد سمارة، مدير وحدة الإنعاش في قسم القلب التابع لمستشفى الشارون، على مجرد منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو رأي مناهض لحرب الإبادة على غزة ومتعاطف مع ضحاياها من الفلسطينيين، حتى لو كانوا زملاء لهم من أطباء وطواقم إسعاف ومستشفيات.
لكن حشد جميع هذه الوقائع والأحداث والملاحقات التي تعرض لها الأطباء والعاملون الفلسطينيون في هذا الجهاز الصحي الإسرائيلي، والذي كان يُعدّ بنظر البعض من اليهود والعرب نموذجًا للتعايش، إنما يشكل وثيقة إدانة دامغة للقائمين عليه من كبار الأطباء والمختصين بصحة الجمهور، ويكشف في الوقت ذاته عن الطبيعة العنصرية المبني عليها ما يفترض أن يكون أقدس أقداس العمل الإنساني.
تجنّد هذا الجهاز، بمستشفياته وأروقته وعياداته، في حالة الحرب والعسكرة التي عمّت المجتمع الإسرائيلي، بعد السابع من أكتوبر وخلال حرب الإبادة الطويلة على غزة، لم يقتصر على محاصرة الأطباء والعاملين العرب وتجريم حقهم في التعبير عن هويتهم الفلسطينية ومشاعرهم الإنسانية، المتمثلة برفض الحرب والتعاطف مع أهلهم في غزة فقط، بل تعدى ذلك إلى تجريم الصمت والحياد بتهمة إنكار السابع من أكتوبر، كما حدث مع الممرض العربي من سوروكا الذي تم إبعاده عن العمل لمجرد قوله إنه "لم يرَ عملية قطع رؤوس أطفال"، هذا ناهيك عن استدراج العاملين العرب تحت وطأة الضغط والتهديد للمشاركة في أعمال مساندة الجيش الإسرائيلي.
بالمقابل، أظهر الجهاز الصحي الإسرائيلي بكوادره وأطبائه اليهود حماسًا في تأييده حرب الإبادة على غزة ونزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين وتسويغ قتلهم، وتجنّد بمنظماته ومؤسساته في المعركة الإعلامية لتبرير قتل الأطفال وقصف المستشفيات والكوادر الطبية في غزة، ووصل الأمر حد توقيع عشرات الأطباء على عريضة تطالب بقصف مستشفى الشفاء الطبي في غزة، إضافة إلى رفض معالجة فلسطينيين من غزة في المستشفيات الإسرائيلية، والموافقة بالمقابل على معالجة معتقلين فلسطينيين وهم مربوطو الأيدي والأرجل ومعصوبو العينين، بشكل مخالف للأعراف الطبية.
التقرير، كما هو الواقع الذي صوّره، أظهر أن الزيادة العددية للعاملين العرب في قطاع ما، حتى لو كان في وظائف معتبرة مثل الطب، لن تُحدث تحولًا نوعيًا طالما بقي التمييز البنيوي قائمًا، وأن هؤلاء بالتالي، مثل سائر العمال العرب، يخضعون لمنظومة إدارية عنصرية، هي جزء من المنظومة الاستعمارية الشاملة، التي تقوم على أساس التفوق اليهودي مقابل دونية العرب ومصادرة حقوقهم في التعبير عن هويتهم الفلسطينية والإعراب عن التضامن مع شعبهم والتعاطف مع ضحاياه في غزة وغير غزة.
هذا إذا علمنا أن التمييز لا يقتصر على هذا الجانب فقط، بل يشمل الجانب المهني أيضًا، حيث تشير التقارير إلى أن التمييز البنيوي في الجهاز الطبي، الذي يبدأ من مرحلة التعليم، قد حرم 90% من الأطباء العرب من دراسة الطب في جامعات إسرائيل، وما زال يحرم خمسة آلاف طبيب عربي من الحصول على التخصص والعمل في نطاقه، مثلما يحرم المختصين من الحصول على حصتهم في الوظائف المهنية الكبيرة.
من هنا، فإن التباهي بأعداد الأطباء العرب أو ارتفاع نسبتهم في الجهاز الصحي الإسرائيلي يبقى إنجازًا فرديًا، لن يتحول إلى إنجاز جماهيري إلا بانتزاع حقوقهم في المساواة القومية والتعبير عن هويتهم الوطنية، التي من أبسطها شرعية التخاطب بلغتهم العربية والاعتراف بهم وبأوجاعهم التي هي جزء من ألم وأوجاع شعبنا في غزة والضفة وكل مكان.