في أوروبا عشيّة الحرب العالميّة الثانية، وجدت المجتمعات نفسها أمام خطرين: تغوّل الفاشيّة واستطالة الحرب، وهو، على نحو ما، المناخ السائد في إسرائيل اليوم. في بعض الدول هناك، نجحت القوى السياسيّة في منع الفاشيّة، إلّا أنها لم تفلح في منع الحرب، وإن كانت شكّلت جبهات واسعة لمواجهتها. في يوغسلافيا، نجح المارشال تيتو، وفي بلغاريا جورج ديمتروف، في إقامة تحالف - جبهة - عريضة ضدّ الفاشيّة، وهو النموذج الذي جرى تدريسه في العلوم السياسيّة لردح غير قصير، وهي الجبهة التي اضطلعت بمقاومة النازية والموالين لها. وهو النموذج الذي يُمكننا أن نفكّر فيه الآن كفلسطينيين في إسرائيل يكرهون الحرب والفاشيّة معًا، ويُريدون إسقاط محدثيهما.
وعندما أقول "الفلسطينيين" أقصد أكثر الناس وعموم أهلنا أكثر ممّا أقصد منصور عبّاس مثلًا والقيادات الأخرى. وهو ما كشف عنه معهد ستاتنت في استطلاعه قبل أيّام، إذ اتّضح أن نحو 85% من مواطنينا يُريدون قائمة وحدويّة. وقد أكّدت نتائجه ما كانت استطلاعات سابقة قد بيّنته قبل ثلاثة أشهر، كما قال مدير المعهد يوسف مقلدة.
كنّا نتمنّى لو أن القيادات على المستوى نفسه من الإرادة والوضوح بإسقاط "محدثي الفاشية والحروب"! لو كانوا أقاموا "قوّة سياسيّة وحدويّة" منذ عقدين ونصف (بعد اغتيال رابين وذهاب الأمور في المسار الذي دخلت فيه) في مواجهة ما زرعه هؤلاء من خراب وقتل.
صحيح أنه لا يزال هناك وقت حتى الانتخابات، لكنه وقت قصير إذا أخذنا بالاعتبار أن الأمر يتعلق بترتيبات وحملة انتخابيّة ومضامين ورسائل وإقناع الناس بأن تخرج إلى الصناديق، بعد عقود من قمع المصوّتين الفلسطينيّين وشيطنتهم وتجريمهم لمجرّد خوضهم في السياسة أو التعبير عن الرأي.
عندما يتم الحديث مع القيادات جميعها ومع كل قائد على انفراد، سيتضح لنا اقتناعه بمطلب القائمة الوحدويّة. وعندما ننظر إلى الأداء الجماعي لكل إطار على حدة، سنكتشف أننا بعيدون جدًّا عن إنجاز كهذا. لا ندّعي أن الأمر بهذه السهولة، لكن لا نقبل بأنه مستحيل أو بهذا التعقيد. فإذا كان الهدف الواضح المجمع عليه إسقاط هذه الحكومة - وهو أمر سياسيّ ومصيريّ في الوقت نفسه - فإن ذلك يؤجل حسابات أخرى لجولة انتخابيّة تالية. وإذا كانت مصلحة الناس - شعبنا هنا أو هناك - هي المقياس، فإنه يجوز إرجاء اعتبارات سياسيّة مشروعة إلى مرحلة لاحقة، تؤجّل ولا تُلغى. وأي جولة انتخابيّة هي فعل سياسيّ قليل الكُلفة (بالنسبة إلى الأحزاب وعموم الناس)، ويُتيح فرصة ذهبيّة للتأثير ليس على السياسة في إسرائيل، بل على حاضر الناس في البلاد ومستقبلها. وإذا لم نُحسن، كجماعة، استثمارها، فلا أعرف ما هي الفرص والمناسبات الأخرى التي يُمكن استثمارها أو اجتراحها لتحقيق هذا الحجم من التأثير.
أعرف أن العقدة قائمة في توزيع المقاعد في القائمة الوحدويّة وفي تسمية رئيسها. في هذه الحالة، سيظل أمر إنجاز القائمة أو فشله مرهونًا بتوازنات الداخل، ولا يرقى إلى مستوى التاريخ وفهم المصائر عبر سياسات التموضع لهذا الحزب أو ذاك، لهذا الشخص أو ذاك. في حالة كهذه، سيظل الحراك في الداخل بين جهات ينبغي أن توجه طاقتها نحو الخارج - إسقاط الفاشية والحروب! وهو في نهاية الأمر هدف كل هذه الأحزاب في الأصل-ـ إلّا إذا أخطأت القراءة والفهم! ماذا لو حصلت "الموحّدة" على كل مطالبها في القائمة وبقيت حكومة الفاشيين هناك؟ ماذا لو تمّ للتجمّع ما يُريده واستمرّت الحرب؟ ويُمكنني أن أواصل الأسئلة عن "الجبهة" و"التغيير" إلى آخر هذه المادة، والقصد أن الأسئلة الكُبرى هي الأهم، وأن مصالح الشعب أهم من اعتبارات كل حزب على انفراد وكلها مجتمعة، في هذه المرحلة على الأقل.
هذه هي المفارق السياسيّة التي ينبغي فيها تغليب اعتبارات الجماعة وحاضرها ومصيرها على اعتبارات حزبيّة مشروعة وطبيعيّة في أوقات السعة والبحبوحة، بيد أنها تكون "قاتلة" في أوقات الحشر. وأضيف أن التفكير فيما ينتظر شعبنا في الساحل والجليل وما نراه في النقب ينبغي أن يدفع كل الأحزاب وكل النُخب دفعًا إلى قائمة وحدويّة تُحقّق أمرين اثنين كافيين كي تُقام كتلة كهذه، وهما: الأوّل؛ تمكين شعبنا وشد أزره بقيادة تمثّل إرادة جماعيّة ورواية في هذه المرحلة الحرجة وفي المدى المنظور. والثاني؛ سحب أكبر عدد من مقاعد البرلمان من كتلة اليمين الفاشيّ المهيمنة وحشدها ضد الحرب والفاشيّة، وتمكين القائمة الوحدويّة من المناورة السياسيّة لصدّ مشاريع يمينيّة واعتراضها من موقع قوّة واقتدار. وهو ما يمكّنها من تمثيل شعبنا بقوّة في ساحته الداخلية وأمام السياسة الإسرائيلية وأمام الخارج. يُشار هنا إلى أهمّية أن يكون لشعبنا هنا إرادة جامعة مُنتخبة في إطار مفهوم "السياسة" لدى أوروبا مثلًا.
المرحلة الراهنة لا تطيق هرطقات بائسة أو مراهنات، كما تفعل "الموحّدة" التي تعيش على وهم منصورها، بأنها في سبيلها إلى أن تصير "بيضة قبّان" أو تصدّر المشهد السياسيّ بين الفلسطينيين في إسرائيل. التمحور حول الأهداف الحزبيّة الآن يعني إهدار فرصة أن يكون الفلسطينيون في إسرائيل كتلة سياسيّة قويّة وذات تأثير دون أن تدخل ائتلافًا.
يجدر التذكير هنا بإمكانيّة أن تكون هذه المرّة هي المرّة الأخيرة التي يقترع فيها الفلسطينيون في إسرائيل؛ فالنيّة لدى اليمين الفاشي - وسواه - معقودة على إخراجهم من اللعبة بالتشريع أو في إطار تقييدات جديدة على حقّهم في الاقتراع، بمعنى أنها قد تكون الفُرصة الأخيرة لفعل شيء ما، فالمتتبّع لسياسات هذه الحكومة بعقل مفكّر وبارد سيخلص إلى أن ما أقوله هنا حقيقيّ وليس بهدف بثّ الخوف.