نشرت وحدة "الاقتصادي الرئيسي" في وزارة المالية تقريرًا خاصًا تناول الأبعاد الاقتصادية للجريمة المنظمة في المجتمع العربي وانعكاساتها على الاقتصاد الإسرائيلي، بعنوان: "الأثمان الاقتصادية للجريمة في المجتمع العربي في إسرائيل". ويستعرض التقرير الكلفة الاقتصادية لهذه الظاهرة، في ظل اتساع رقعة الجريمة المنظمة في البلدات العربية.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ويؤكد التقرير أنّ هذه الظاهرة لا تقتصر على تداعياتها الأمنية والاجتماعية، بل تمتدّ لتشمل تكاليف اقتصادية غير مباشرة وخفية، غالبًا ما لا تنعكس في المؤشرات الرسمية، بالرغم من تأثيرها العميق على مستوى النشاط الاقتصادي وآفاق التنمية.
ويقدّر التقرير التكلفة الاقتصادية للجريمة المنظمة في المجتمع العربي على الاقتصاد الإسرائيلي، وفق تقديرات محافظة، بما لا يقل عن 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، أي ما يعادل نحو 10 مليارات شيكل سنويًا. ويشكّل هذا المبلغ حوالي 4% من الناتج الاقتصادي للمجتمع العربي. كما يشير التقرير إلى أنّ حجم الخسائر قد يصل إلى نحو 19 مليار شيكل عند احتساب التأثيرات غير المباشرة، أي ما يعادل قرابة 7% من الناتج الاقتصادي للمجتمع العربي.
واستنادًا إلى معطيات تقرير وزارة المالية، يتبيّن أنّ مساهمة الاقتصاد العربي في الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل تبلغ نحو 11%، في حين يشكّل المواطنون العرب حوالي 21.5% من السكان، وفق بيانات دائرة الإحصاء المركزية (بما يشمل القدس الشرقية والجولان المحتل). وبناءً على ذلك، يُقدَّر إجمالي الناتج المحلي للمجتمع العربي بنحو 230 مليار شيكل سنويًا. ويُعدّ هذا التقدير لافتًا، إذ يمثّل أول معطى صادر عن وزارة المالية يشير إلى حجم مساهمة المواطنين العرب في الناتج المحلي، حتى وإن ورد ذلك بصورة غير مباشرة.
دوافع الجريمة المنظمة... ليس كما تدّعي الحكومة
يستند تقرير وزارة المالية إلى أدبيات أكاديمية عالمية واسعة، تُبرز تأثير الجريمة المنظمة في الأداء الاقتصادي. وتشير هذه الدراسات إلى وجود علاقة وثيقة بين مستويات الجريمة ومجموعة من المؤشرات الاقتصادية، فقد أظهرت الأبحاث أنّ ارتفاع معدلات الجريمة ينعكس سلبًا على النشاط التجاري، والأداء الاقتصادي في المناطق التي تشهد مستويات مرتفعة من العنف.
فعلى سبيل المثال، يقلّل انتشار الجريمة من جاذبية المناطق للاستثمار، ويحدّ من تأسيس المشاريع الجديدة، ويقيّد فرص العمل، ما يفضي إلى انخفاض الأجور، وفي بعض الحالات إلى تعميق الفجوات الجغرافية في الدخل. كما تشير الأدبيات إلى أنّ الجريمة ترفع تكاليف التشغيل على الشركات، وتحدّ من الاستثمارات الخاصة، وتُضعف العائد الاقتصادي المتوقع، الأمر الذي ينعكس سلبًا على وتيرة النمو الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد.
وفي المقابل، تتناول دراسات أكاديمية أخرى العلاقة من زاوية معاكسة، أي تأثير الأوضاع الاقتصادية في مستويات الجريمة. ومن أبرز المقاربات في هذا السياق، كما يورد تقرير وزارة المالية، ما يُعرف بـ"المقاربة الاقتصادية للجريمة"، التي تفترض أنّ الفرد قد يلجأ إلى النشاط الإجرامي عندما لا تكون البدائل القانونية مجدية اقتصاديًا بما يكفي.
وبناءً على ذلك، تشير دراسات إلى وجود علاقة وثيقة بين أوضاع سوق العمل ومستويات الجريمة. فقد أظهرت الأبحاث وجود علاقة إيجابية بين معدلات البطالة ومستويات الجريمة، ولا سيّما الجرائم المرتبطة بالممتلكات. وخلال فترات الأزمات الاقتصادية، ومع تقلّص فرص العمل، تميل معدلات الجريمة إلى الارتفاع. ويُفسَّر ذلك بأنّ محدودية الفرص الاقتصادية ترفع العائد المتوقع من النشاط الإجرامي، ما يعزّز الحافز على الانخراط فيه.
كما تُشير الدراسات إلى وجود علاقة وثيقة بين عدم المساواة في الدخل ومستويات الجريمة، إذ تؤدي الفجوات الاقتصادية الواسعة إلى توليد ضغوط اجتماعية وتفاوت في الفرص، ما يزيد من احتمالات الانخراط في النشاط الإجرامي. وبناءً على ذلك، يُرجَّح أن يشكّل هذا العامل أحد المحركات الأساسية لارتفاع معدلات الجريمة في المجتمع العربي في إسرائيل.
وتعزّز الحالة الاقتصادية والمعطيات في المجتمع العربي أهمية هذه المقاربات ونتائجها. غير أنّ اللافت في هذا السياق هو أنّ الحكومة الإسرائيلية، نفسها التي أصدرت هذا التقرير، تتجاهل إلى حدّ كبير هذه العوامل عند تناولها لظاهرة الجريمة. فالمقاربات الرسمية لمواجهتها تتركّز غالبًا على البعد الأمني والشرطي، من خلال الدعوة إلى تعزيز الحضور الشرطي وافتتاح مزيد من مراكز الشرطة في البلدات العربية، إلى جانب طرح تفسيرات تُرجع الظاهرة إلى “عوامل ثقافية” داخل المجتمع العربي، كما يروّج لذلك بعض الوزراء وقيادات في الشرطة.
وفي المقابل، يُظهر هذا النهج إغفالًا لتجارب دولية ولنتائج أبحاث أكاديمية تؤكّد الدور الحاسم للعوامل الاقتصادية، بما في ذلك السياسات الحكومية ذاتها، ومستويات عدم المساواة، وسياسات إعاقة تنمية الاقتصاد العربي. وتعزّز هذا الواقع العديد من التقارير الحكومية ودراسات لمراكز الأبحاث.
اقتصاد يهودي واقتصاد عربي
يشير تقرير صادر عن مصلحة التشغيل الإسرائيلية، نُشر في نيسان/ أبريل 2022، إلى أنّ إسرائيل تبدو وكأنّها منقسمة إلى "اقتصادَين" يتميّزان بفوارق حادّة في مستويات الناتج للفرد. فقد بلغ الناتج للفرد لدى اليهود غير الحريديم آنذاك نحو 50 ألف دولار سنويًا، وهو ما يقارب ثلاثة أضعاف مستواه في كلٍّ من المجتمعين العربي والحريدي.
وبحسب التقرير، بلغ متوسط الناتج للفرد في إسرائيل آنذاك نحو 38,300 دولار سنويًا، أي ما يعادل 88% من متوسط الدول المتقدمة (الذي بلغ 43,400 دولار). غير أنّ التقرير يوضح أنّه عند تفكيك هذه المعطيات وفق المجموعات السكانية الرئيسية، اليهود غير الحريديم، اليهود الحريديم، والعرب، يتبيّن أنّ الاقتصاد الإسرائيلي يعمل فعليًا كاقتصادَين منفصلَين.
فقد بلغ الناتج للفرد لدى اليهود غير الحريديم نحو 48,900 دولار سنويًا، وهو أعلى بنحو 13% من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وفي المقابل، بلغ الناتج للفرد الواحد لدى المواطنين العرب نحو 17,600 دولار سنويًا، ولدى الحريديم حوالي 15,200 دولار فقط. أي أنّ الناتج للفرد لدى اليهود غير الحريديم أعلى بحوالي 2.8 مرة مقارنة بالعرب.
أزمة ديون عميقة
وتتجلّى الفجوات البنيوية أيضًا في ملف ديون المواطنين. فوفقًا لمعطيات سلطة التنفيذ والجباية للأعوام 2022–2025، تظهر فروقات واضحة في نسب المدينين الخاضعين لإجراءات التنفيذ القضائي بين العرب واليهود، حيث يُمثَّل المجتمع العربي بنسبة تفوق حصته من إجمالي السكان. وتشير بيانات السلطة إلى، أنّ نسبة المدينين بين المواطنين العرب أعلى بكثير من نسبتهم من مجمل السكان. كما تُظهر المعطيات أنّ قائمة الـ25 سلطة محلية ذات أعلى نسب مدينين تضمّ في معظمها بلدات عربية، دون حضور يُذكر لبلدات يهودية ضمن هذه القائمة.
وتُظهر دراسة صادرة عن مركز "أدفا" بعنوان "دين بلا نهاية"، نُشرت عام 2024 واستندت إلى معطيات المسح الاجتماعي لدائرة الإحصاء المركزية، أنّ نسبة المواطنين العرب من إجمالي أصحاب الديون خلال الفترة 2018–2022 بلغت نحو 37%، بالرغم من أنّ نسبتهم من مجمل السكان حوالي 21%.
كما تُظهر نتائج مسح طويل الأمد لدائرة الإحصاء المركزية، أنّ نسبة الأسر التي أفادت بأنّها غارقة في الديون كانت أعلى بأكثر من الضعف في المجتمع العربي مقارنة بالمجتمع اليهودي، خلال معظم العقد الذي بدأ عام 2012. وعلاوة على ذلك، تكشف البيانات أنّ الديون لدى الأسر العربية تتّسم بقدر أكبر من الاستمرارية والتجذّر؛ إذ إنّ من بين الأسر التي أبلغت عن ديون في عام 2012، بقيت بعد نحو عقد من الزمن (2021–2022) نحو 19.5% من الأسر اليهودية، مقابل حوالي 35% من الأسر العربية ما تزال غارقة في الديون.
معدلات الفقر
وتتجلّى الفجوات أيضًا في معدّلات الفقر بين المجتمعَين العربي واليهودي. فقد بلغت نسبة الفقر بين الأسر في المجتمع العربي، وفقًا لمعطيات مؤسّسة التأمين الوطني، نحو 38% من الأفراد في عام 2024، مقارنة بحوالي 15% في المجتمع اليهودي، ما يعكس اتساع الفجوة في مستويات المعيشة والدخل بين المجموعتين.
منالية الحصول على الخدمات المصرفية
ويُظهر تقرير خاص لبنك إسرائيل صدر عام 2022 حول استخدام المواطنين العرب للجهاز المصرفي، أنّ نسبة السكان في البلدات العربية الذين يمتلكون حسابًا جاريًا، مقارنة بإجمالي السكان البالغين (من سن 16 عامًا فأكثر)، هي أدنى مقارنة ببقية فئات المجتمع. كما تُقدَّر نسبة من لا يتعاملون مع البنوك في هذه البلدات بنحو 27%، حيث يلجأ بعضهم إلى بنك البريد بدلًا من البنوك التجارية، ما يعكس فجوة في الوصول إلى الخدمات المالية النظامية.
ووفقًا لتقرير بنك إسرائيل، أفاد نحو 86% من المواطنين في المجتمع اليهودي بأنّهم يستخدمون بطاقات الائتمان، مقابل 63% فقط في المجتمع العربي، ما يعكس فجوة واضحة في أنماط استخدام الخدمات المالية بين المجموعتين.
تواطؤ المؤسّسة
وتوضّح التقارير الحكومية وتقارير مراكز الأبحاث المشار إليها في هذا المقال عُمق الدونية الاقتصادية للمجتمع العربي، واتساع الفجوات بين المواطنين العرب واليهود. وتشير هذه المعطيات مجتمعة، وفق ما يورده تقرير وزارة المالية حول الكلفة الاقتصادية للجريمة المنظمة في المجتمع العربي، إلى الدور الحاسم للعوامل الاقتصادية في إنتاج وتغذية ظاهرة الجريمة والعنف في البلدات العربية. غير أنّ الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين التشخيص والسياسات المعتمدة، إذ إنّ الخطط الحكومية لمكافحة الجريمة لا تكتفي بتجاهل هذه المحدّدات، بل إنّ التوجّهات الاقتصادية القائمة تُسهم في تعميق هشاشة المجتمع العربي وتقييد فرص تنميته.
وفي هذا السياق، لا تجد هذه الاستنتاجات ترجمة فعلية في السياسات العامة، إذ تبقى إلى حدّ كبير خارج دائرة المعالجة الجدّية. وحتى البرامج والخطط الحكومية المعلنة لتطوير الاقتصاد العربي تتعامل مع هذه الظاهرة بصورة جزئية، من دون معالجة كافية للعوامل البنيوية التي تقف في أساسها.
وفي حين يُفترض أن تنطلق معالجة آفة الجريمة من هذه الجذور البنيوية، يبرز تناقض واضح بين ما تكشفه المعطيات الرسمية وما يُطبَّق فعليًا على أرض الواقع. وفي هذا السياق، يسلّط تقرير وزارة المالية الضوء، ولو بصورة غير مباشرة، على فجوة بنيوية في السياسات العامة، إذ يُترك البعد الاقتصادي المُنتِج للجريمة خارج إطار المعالجة الكافية، رغم مركزيّته في تفسير تنامي الظاهرة في البلدات العربية.
اقرأ/ي أيضًا | الفقر في المجتمع العربي: الأعلى... رغم التحسّن المشروط