04/05/2026 - 15:15

مَن المعنيّ باختزال الحرب؟

هناك مَن يُريد أن يصوّر الحرب باختزال شديد، لكن في الحرب كما في الحرب. ستُشعلها بتبجّح إلى أن تصل نيرانها إلى باب بيتك. ساعتها إمّا أن تصمت أو تضلّل وتكذب أو تختزل أزمتك في "شيء" ما...

مَن المعنيّ باختزال الحرب؟

رجل جالس أمام ركام بيته الذي دُمِّر بالقصف الإسرائيليّ، النبطيّة (Getty)

هناك ميل لدى معالجة وضع سياسيّ إلى اختزاله بشخص أو حدث أو ظاهرة ما. هكذا حصل للحرب العدوانيّة الإسرائيليّة - الأميركيّة على إيران ولبنان وسورية وفلسطين. في الحرب على إيران، يتمّ التركيز على مضيق هرمز وقيام إيران بإغلاقه، كأنّه خلاصة الحرب أو الورقة الوحيدة التي تملكها إيران في المواجهة.

وهذا، بطبيعة الحال، غير صحيح. كذلك حصل في الجبهة الشماليّة مع لبنان، حيث يتمّ اختصار مأزق الجيش الإسرائيليّ في المسيّرات المشغّلة بأسلاك بصريّة. وهذا، أيضًا، منافٍ للوقائع على الأرض. في كلتا الحالتين، لا يُمكن اختزال الحرب والعمليّات العسكريّة في ظاهرة حربيّة أو في إجراء حربيّ في هذا الجانب أو ذاك، ولا في اجتزاء واقعة واحدة والقول إنّها الحرب. فلكلّ حرب ألف وجه - خاصّة هذه - وألف دافع وغاية، وآلاف الضحايا التي تذهب سُدى على مذبح اعتبارات بائسة في أقلّ تقدير.

الحرب هنا وهناك تشمل ألف فعل وعمليّة في اليوم. هكذا طبيعة الحروب. صحيح أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين ما يصدر عن أطراف الحروب من بيانات سياسيّة وعسكريّة وبين ما يقع فعلًا، ومع هذا فإنّ الحرب الجارية في الإقليم لا تتوقّف، و"أسلحة" الأطراف المشاركة - المعتدية والمدافعة - متعدّدة لا حصر لها، وكذلك عمليّاتها. فقوّات حزب الله في لبنان صامدة بغير المسيّرات المذكورة، وإيران، أيضًا، ليست صامدة فقط بفضل سيطرتها على مضيق هرمز.

أقول هذا في السياق الإسرائيليّ، كي لا نُراهن على ما يقوله كبار المسؤولين في الجيش والحكومة من أنّ مشكلتهم تلك المسيّرات، وما إن يتمّ تحييدها حتى يصحّ الكون، وتستوي الحرب على الشكل الذي يخطّطون! والأمر نفسه في الجبهة الإيرانيّة: المشكلة هناك ليست في هرمز، بل في قائمة طويلة من المطالب تضعها إيران على الطاولة، وتسعى من خلالها إلى وقف الحرب، وإلى تحرير الأصول الإيرانيّة، ووضع حدّ لعقود من العقوبات، ودفع تعويضات عن الدمار الذي لحق ببنيتها التحتيّة.

في الحالتين، عادت التقارير الاستخباراتيّة إلى الواجهة لتشكّل أساسًا لمواقف متداولة، هي في غالبيتها تكرار لمواقف قيلت عشيّة العدوان الإسرائيليّ - الأميركيّ.

كثيرون من المحلّلين العابرين في كلام عابر يعتمدون مرّة أخرى سرديّة إسرائيليّة - أميركيّة عن "القدرات" وعن "الضربات" وعن "الأضرار" وعن ضعف الجبهة في لبنان وفي إيران، خاصّة في ضوء مواقف في الإمارات أو في الحكومة اللبنانيّة.

ويتّضح من تأمّل المشهد أنّ قوافل المحلّلين العرب، تحديدًا، أسرى السرديّة الإسرائيليّة - الأميركيّة، تحوّلت إلى مضحكة من كثرة ما فنّدت الوقائع تحليلاتهم أو تقديراتهم. ومع هذا لا يزالون هناك بوجوه وقحة إلى ممتقعة إلى خائبة، تلوك الكلام ذاته. فيما إيران تعزّز كلّ قدراتها الدبلوماسيّة والدفاعيّة، وتستعدّ لكلّ طارئ أكثر بكثير ممّا كانت عليه عشيّة العدوان.

يكفي أن ننظر إلى الدبلوماسيّة الإيرانيّة لنعرف بأيّ ثقة تُقدم على مواجهة العدوان وعلى التفاوض معًا. وكذلك قوّات حزب الله في جنوب لبنان؛ لا يبدو أنّها تراهن على المسيّرات الجديدة فقط، إذ إنّها تملك، إضافة إلى كلّ الأسلحة والوسائل القتاليّة، عقيدة قتاليّة لافتة تفاجئ جيش الاحتلال - والأعداء اللبنانيّين - كلّ يوم من جديد. بل يُمكننا أن نقول بكثير من الثقة إنّ مُحدثي الحرب يرفضون، إلى الآن، الاعتراف بفشلهم بكلّ المعايير، لا سيّما بالمعيار الدبلوماسيّ وفي الساحة الدوليّة.

من الخطأ أخذ الحرب الدائرة على جبهاتها اختزالًا أو إهمالًا، في ضوء وقائعها وما شهدته من بأس أبداه الجيش الإيرانيّ، ومن صمود أثبتته قوّات حزب الله، وفي ضوء ما يُمكن أن يتطوّر على الأرض في العراق واليمن وسورية - إذا استأنف المعتدون حربهم.

أمّا على الصعيد الاقتصاديّ، فمعظم العبء يقع على أميركا وحلفائها من دول الخليج، وعلى الاقتصاد في أوروبا وشرق آسيا. وهو الضغط الذي يشتغل ساعات إضافيّة داخل أميركا وداخل إسرائيل مع مرور كلّ يوم واتّضاح أنّها حرب بلا طائل أو حرب لا مخرج منها، وأنّ كلّ الخسائر فيها ستذهب سُدى.

هناك مَن يُريد أن يصوّر الحرب باختزال شديد، لكن في الحرب كما في الحرب. ستُشعلها بتبجّح إلى أن تصل نيرانها إلى باب بيتك. ساعتها إمّا أن تصمت أو تضلّل وتكذب أو تختزل أزمتك في "شيء" ما.