تُشكّل قضية بدو النقب نموذجًا مركّبًا لتحليل التوتر البنيوي بين مفهوم المواطنة القانونية وممارسات الإقصاء الفعلي ضمن الدولة الحديثة، حيث تتجلى أنماط متواصلة من التهميش المكاني، والإقصاء التخطيطي، ونزع الملكية.
يمكن فهم هذه الفجوة باعتبارها تعبيرًا عن بنية قانونية وإدارية متراكمة، أعادت عبر الزمن تشكيل الحيّز البدوي بما يخدم اعتبارات ديموغرافية وسيادية؛ بدءًا من توصيات لجنة غولدبرغ، مرورًا بمخطط برافر وقرارات الحكومة المتعاقبة، وصولًا إلى تعديل ريفمان ومخططات السنوات الأخيرة، والتي عملت مجتمعة على إعادة تعريف العلاقة بين الأرض والهوية والمواطنة لدى بدو النقب.
تنطلق هذه السياسات المطبقة في النقب من مشروع منظم لإعادة توزيع الحيّز الجغرافي والسيطرة عليه، من خلال أدوات قانونية تبدو حيادية في ظاهرها، لكنها تحمل آثارًا تمييزية في التطبيق. وبالاستناد إلى تقارير حقوقية حديثة (2022 -2025) وأطر القانون الدولي، أتناول في هذا المقال هذه السياسات، وتحليل انعكاساتها على الحقوق الجماعية والفردية للبدو، وصولًا إلى طرح مقاربة بديلة قائمة على العدالة المكانية والمواطنة الكاملة.
أتناول قضية بدو النقب كحالة اختبار لجدلية المواطنة القانونية مقابل الممارسات التمييزية في إسرائيل. وبالاعتماد على تقارير حقوقية حديثة (2022 - 2025) وأطر القانون الدولي، تُظهر هذه القضية فجوة بنيوية بين حقوق البدو كمواطنين وبين واقعهم المتمثل في الهدم المنظم، وحرمانهم من الخدمات، والتخطيط الإقصائي، وذلك من خلال القوانين والتقارير الحكومية المتعاقبة.
من المواطنة القانونية إلى الإقصاء المنهجي
يشكّل بدو النقب إحدى أكثر القضايا تعقيدًا، حيث تتقاطع الهوية بالتاريخ، وتتصادم الحقوق الجماعية مع سياسات تخطيطية تُعيد إنتاج التهميش. ورغم أنهم مواطنون يحملون الجنسية الإسرائيلية منذ عام 1948، فإن واقعهم يعكس فجوة عميقة بين مبدأ المواطنة القانونية وممارسات الإقصاء الفعلية.
هذه الفجوة هي نتاج منظومة قانونية وسياسية متكاملة ومترابطة، تجسدت في سلسلة من القوانين والتقارير التي استهدفت، بشكل تصاعدي، حقوق البدو في الأرض والتمثيل والخدمات.
يمتد النقب على مساحة تقارب (12,000 كم²)، إلا أن سكانه البدو اليوم (نحو 350 ألف نسمة) يملكون فعليًا أقل من 3% من هذه المساحة التاريخية، وفق تقرير منظمة "عدالة" (2024).
وتتناول هذه الدراسة الأبعاد التاريخية والقانونية والإنسانية لهذه القضية، مع تركيز خاص على القوانين المتعاقبة التي شكّلت ملامح الصراع، وتقترح مسارًا قائمًا على الحقوق والمساءلة.
أولاً: التحول التاريخي - من مجتمع منتج إلى فضاء مُقيّد (1948 - 1966).
ما قبل 1948: كان البدو جزءًا من نظام عشائري متكامل اعتمد على الملكية العرفية للأراضي (المشاع والملكية القبلية)، الموثقة بسجلات عثمانية وبريطانية، وعلى الرعي والزراعة البعلية، إضافة إلى شبكة تجارة تمتد عبر سيناء والحجاز.
إن غياب التسجيل الرسمي لم يُضعف الملكية، بل عبّر عن نظام قانوني موازٍ معترف به محليًا.
1948 – 1966: تم تهجير نحو 85 - 90% من بدو النقب (من حوالي 90 - 110 آلاف نسمة إلى نحو 11 ألف نسمة). حُصِر البدو الباقون في "منطقة السياج" التي لا تتجاوز 10% من أراضيهم الأصلية (تقرير بتسيلم، 2023).
فُرض حكم عسكري قيّد الحركة والزراعة وإعادة البناء، مما أدى إلى تفكيك البنية الاقتصادية التقليدية وتحويل المجتمع إلى مصدر للبطالة. وقد وضعت هذه الفترة الأساس لسياسات لاحقة أكثر تنظيمًا وتوسعًا.
ثانيًا: القوانين المتعاقبة التي تستهدف المواطنين العرب - من غولدبرغ إلى ريفمان وشيكلي
تشكل القوانين والخطط التالية سلسلة مترابطة تهدف، تحت عنوان "حل القضية البدوية" من منظور إسرائيلي، إلى تقليص الوجود البدوي في النقب وتجميعه في جيوب سكانية محدودة، مقابل إخلاء مساحات شاسعة من أراضيه.
1. لجنة غولدبرغ (2000- 2008): البذرة الأولى للتوطين القسري:
شكلت الحكومة الإسرائيلية عام 2000 "لجنة غولدبرغ" برئاسة القاضي إلياهو غولدبرغ، وكُلّفت بمهمة تقديم توصيات "لتنظيم" ملف البدو في النقب.
عملت اللجنة في ظل إجماع سياسي على أن وجود القرى غير المعترف بها هو "مشكلة" يجب حلها. وجاء تقريرها ليؤسس لمبادئ السياسة اللاحقة، وأبرزها: تجميع البدو في بلدات مخططة، والاعتراف المحدود والانتقائي ببعض القرى مقابل "تسوية" تطوعية، وإنشاء هيئة تنفيذية خاصة لتنفيذ هذه السياسات.
وقد شكّلت توصيات اللجنة الأساس الذي بُني عليه لاحقًا مخطط برافر. وقدّرت اللجنة كلفة تنفيذ خطتها بما بين 1.7 و2.3 مليار دولار، وقوبلت الخطة برفض واسع من القيادات المحلية البدوية التي رأت فيها أداة لمصادرة الأراضي.
2. مخطط برافر (2003 - 2012): الإطار الهيكلي للإقصاء:
نُسب المخطط إلى رئيس هيئة التخطيط في حينه، رؤوفين برافر، ويُعد الخطة المركزية التي تحدد مستقبل النقب.
هدفه المعلن كان "تجميع" البدو في 11 بلدة جديدة إضافة إلى 7 قائمة، أي تقليص التجمعات من عشرات إلى 18 تجمعًا فقط، مقابل إخلاء نحو 80% من الأراضي التي تقوم عليها القرى غير المعترف بها وتحويلها إلى أراضي دولة.
اعتمد المخطط على مفهوم "الرغبة"، بحيث إن المواطن البدوي الذي ينتقل طوعًا إلى البلدة الجديدة يفقد حقه في المطالبة بأرضه الأصلية. وهكذا، تحولت قضية حقوقية إلى "خيار شخصي".
وقد تبنت الحكومة المخطط كسياسة رسمية، ما أدى إلى تصاعد عمليات الهدم.
3. قرار الحكومة 922 (2010): اختزال النزاع في قضية "تخطيط":
يُعد هذا القرار نقطة تحول في التعامل مع القضية. جاء تحت عنوان "تنفيذ قرارات الحكومة فيما يتعلق ببدو النقب"، لكنه جرّد النزاع من أبعاده التاريخية المرتبطة بالتهجير وحقوق الملكية، واختزله في "مخالفات بناء".
خصص القرار 1.2 مليار شيكل لبرامج اقتصادية وتعليمية، لكنه اشترط التعاون مع سياسات التجميع مقابل الاستفادة منها.
عمليًا، استُخدم كغطاء قانوني لتعزيز عمليات الهدم، وتعزيز دور لجنة التخطيط والبناء في النقب التي تتمتع بصلاحيات واسعة في إصدار أوامر الهدم دون الرجوع إلى السلطات المحلية.
4. قرار الحكومة 2397 (2017 - 2018): نافذة التهدئة المغلقة:
بعد سنوات من الضغط، أصدرت الحكومة قرارًا تضمن وعودًا بوقف الهدم لستة أشهر، والاعتراف بـ7 قرى جديدة، وتشكيل لجنة وزارية خاصة. إلا أن القرار ربط الاعتراف الرسمي بانتقال السكان إلى مساحات محدودة جدًا داخل أراضيهم الأصلية، وهو ما اعتبره قانونيون "اعترافًا لا يعترف".
وتوقف العمل بالقرار فعليًا بعد انتهاء المهلة، لتعود عمليات الهدم بوتيرة متصاعدة.
5. قانون ريفمان (2021 - 2022): إغلاق منظومة التقاضي:
نسبة إلى المحامي شاؤول ريفمان، يُعد هذا التعديل على قانون لجان التخطيط والبناء من أخطر القوانين التي مست حقوق المواطنين العرب عمومًا والبدو خصوصًا. إذ ألغى عمليًا الحواجز القانونية التي كانت تعيق هدم "المخالفات" القديمة، خصوصًا المباني المقامة قبل عام 1980 في النقب.
جوهر القانون يتمثل في إلزام المدعين (البدو المهددين بالهدم) بدفع رسوم وكفالات مالية مرتفعة "لتغطية نفقات الهدم المحتمل" كشرط لوقف مؤقت للهدم.
وفي مجتمع يعاني من الفقر البنيوي، أدى ذلك عمليًا إلى تقليص كبير في اللجوء إلى القضاء.
وقد أظهرت التقديرات انخفاض القدرة على وقف أوامر الهدم قضائيًا بنسبة تقارب 90%.
6. مخطط الوزير شيكلي (2023 - 2025): القشة التي قصمت ظهر البدو:
بعد تشكيل الحكومة الحالية، عُيّن يتسحاك فاسرلاوف (من حزب شيكلي) وزيرًا للبناء والإسكان، وأطلق "مخطط تسوية أوضاع البدو في النقب". هذا المخطط هو الأعنف والأوسع من سابقيه، ويتبنى بشكل واضح خطط غولدبرغ وبرافر، ولكن بصيغة "واقعية متشددة". أبرز بنوده:
الاعتراف بـ17 قرية فقط (بما في ذلك عدة قرى حديثة الاعتراف)، مقابل الهدم الكامل لحوالي 20 قرية أخرى.
توسيع مدينة رهط بشكل كبير لاستيعاب نحو 30,000 بدوي جديد من القرى المهددة بالهدم. ويُنظر إليه من قِبل القائمين على المخطط باعتباره "حلًا سكنيًا"، بينما تعتبره الأقلية العربية "تهجيرًا ضمنيًا".
ربط الاعتراف بمبدأ "التسوية الطوعية"، أي أن سكان القرى التي تعترف بها الدولة سيُمنحون أرضًا بديلة (أصغر مساحة) إذا تخلوا طوعًا عن أراضيهم الأصلية. أما الذين يرفضون، فسيواجهون هدم منازلهم على نفقتهم الخاصة وفق قانون ريفمان.
في حزيران/ يونيو 2025، أبلغت الحكومة الجهات الدولية بأنها ستبدأ بتنفيذ هذا المخطط على مراحل.
ثالثًا: الواقع الراهن - فجوات بنيوية بالأرقام (تقارير 2022 - 2025).
حجم السكان والتوزيع
عدد بدو النقب: نحو 350,000 نسمة.
حوالي 50% يعيشون في 35 - 40 قرية غير معترف بها (منظمة عدالة، 2025).
عدد سكان هذه القرى: أكثر من 100,000 نسمة، ويُصنف معظمهم كـ"نازحين داخليًا" داخل أراضيهم.
الحرمان من الخدمات الأساسية (تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، 2023)
الكهرباء: غائبة تمامًا عن نحو 80% من القرى غير المعترف بها.
المياه: تغطي الشبكات الرسمية أقل من 10% من القرى، ويعتمد السكان على الصهاريج بأسعار أعلى بـ5 - 7 أضعاف.
الصرف الصحي: غير موجود، ويتم التخلص من المياه العادمة في حفر مكشوفة، ما يشكل خطرًا صحيًا كبيرًا.
الطرق المعبدة: فقط 15% من القرى متصلة بطرق إسفلتية.
سياسات الهدم (2022 - 2024)
2022: هُدم 1,277 مبنى.
2023: هُدم 1,502 مبنى (بزيادة نسبتها 17.6%).
2024 (النصف الأول): أكثر من 750 أمر هدم، بينها نحو 300 منزل مأهول، لتصل العمليات إلى ما يقارب 4,000 عملية هدم.
2025: هدم ما يقارب 5,000 مبنى.
المصدر: منظمة "بمكوم" - رصد سياسات التخطيط.
رابعًا: القرى غير المعترف بها - معاناة يومية وشهادة إنسانية
تشكل القرى غير المعترف بها جوهر الأزمة، إذ تُعد في ظل منظومة القوانين المتعاقبة مناطق معرضة للهدم المستمر، حيث كل بناء مهدد بالإزالة، والمدارس مؤقتة، والوصول إلى الخدمات الطبية يتطلب ساعات طويلة.
نموذج الصمود: قرية العراقيب
هُدمت القرية أكثر من 244 مرة منذ عام 2010 (آخر هدم في كانون الأول/ ديسمبر 2025)، ومع ذلك يعيد أهلها بناءها في كل مرة.
شهادة (اسم مستعار: أم محمد، 42 عامًا، قرية غير معترف بها قرب عرعرة النقب): "بنينا بيتنا ثلاث مرات بالحجر والطين. في المرة الرابعة، وصلتنا رسالة من 'لجنة وادي النقب' (في إشارة إلى قانون ريفمان)، مفادها أنه إذا لجأنا إلى المحكمة فسندفع كفالة قدرها 50,000 شيكل. من أين لنا هذا المال؟ أولادي يسألون لماذا لا نملك حق البيت مثل أبناء ديمونة. المشكلة ليست الفقر فقط، بل أن القانون صُمّم ليُبعدنا عن القضاء."
تعكس هذه الشهادة كيف تتفاعل القوانين (مثل ريفمان) مع السياسات والتقارير (غولدبرغ وبرافر) في إنتاج حالة من الإحباط واليأس القانوني والاقتصادي.
خامسًا: الإطار القانوني - بين النص والتطبيق
آليات قانونية رئيسية:
قانون أملاك الغائبين (1950).
قانون الأراضي (1969) - صنّف مساحات واسعة من النقب كـ"أراضي دولة" دون مراعاة الملكية العشائرية.
قوانين التخطيط والبناء (مع تعديل ريفمان 2022) - تُستخدم لتجريم كل مبنى لا يندرج ضمن المخططات الهيكلية التي تستثني القرى البدوية أصلًا.
القانون الدولي المنتهك
الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ICERD) - المادة 3 (الفصل العنصري).
العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) – المادة 11 (الحق في السكن اللائق) والمادة 12 (الحق في الصحة).
اتفاقية حقوق الطفل (CRC) - المادتان 24 و28 (الحق في الصحة والتعليم).
المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة - فيما يتعلق بعمليات الهدم كعقاب جماعي.
سادسًا: نحو حل عادل - مقاربة قائمة على الحقوق
الحل لا يكمن في إدارة الفقر، بل في تفكيك هذه المنظومة القانونية المتصلة، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن البدوي.
1. الاعتراف المكاني الفوري وتفعيل القضاء
إصدار مرسوم حكومي بإلغاء العمل بقانون ريفمان في النقب.
تجميد جميع قرارات لجان التخطيط ذات الصلة (غولدبرغ وشيكلي).
وقف سياسة الهدم والشروع في حوار مباشر مع أصحاب القضية.
الاعتراف بجميع القرى غير المعترف بها ككيانات قانونية وربطها بالخدمات خلال 24 شهرًا.
2. العدالة التشريعية
تعديل قانون أملاك الغائبين والاعتراف بالملكية العرفية العشائرية.
إنشاء هيئة مستقلة للبت في مطالبات أراضي البدو.
3. مقاطعة سياسات التجميع
إلغاء "مخطط برافر" كمخطط مركزي. واستبداله بتخطيط تشاركي مع سكان القرى، يحترم التوزيع السكاني القائم بدل فرض تجميعات حضرية مكتظة.
وفي الختام، إن قضية بدو النقب هي منظومة قانونية وسياسية متكاملة تمتد من عام 1948 حتى اليوم. وقد صُمّمت كل حلقة في هذه المنظومة - من غولدبرغ، مرورًا ببرافر وريفمان، وصولًا إلى شيكلي - ليس لخدمة البدو، بل لـ"تجميعهم" و"إزالتهم" عن مرأى الدولة.
إن الاستقرار الحقيقي في النقب لن يتحقق إلا بتفكيك هذه المنظومة، وبالشروع في مسار جديد قائم على الاعتراف بالحقوق التاريخية، والمواطنة الكاملة المتساوية غير المنقوصة.
إن الحل العادل هو إطار قانوني وسياسي ممكن، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى صوت أكاديمي وشعبي وحقوقي لا يكل، قادر على كشف زيف هذه السياسات التي تتخفّى تحت شعارات "التطوير" و"التخطيط".
اقرأ/ي أيضًا | بحضور قادة جيشه ومخابراته: نتنياهو يعلن "الحرب" على النقب