تزداد في إسرائيل، باطِّراد، الأصوات التي تتوقّع أنّ اليوم التالي للحرب على إيران، سينطلق فيه تبادل المسؤولية عن النتائج التي آلت إليها، نظراً إلى أنّ إسرائيل يبدو أنّها ستنأى عن تحقيق نصر مطلق، وربّما توجّه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أصابعَ الاتهام إلى إسرائيل، وهو ما يعمّق الانقسام، إذ تتحوّل فيه دولة الاحتلال من ذخر إستراتيجي تربطه بالولايات المتحدة علاقةُ هُويّة عاطفية عميقة، إلى عبء تتناقص فائدته، والأنكى أنّ هذا يؤثّر سلباً في عملية صُنع القرار في واشنطن.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وبرأي أحد كبار الضبّاط السابقين في شعبة الاستخبارات العسكرية، آفي كالو، على الرغم من أنّ من المبكّر في هذه المرحلة تلخيص التداعيات الإستراتيجية للحرب، يمكن تحديد نتيجة سلبية ذات آثار كبيرة، وهي تكوّن الانطباع المتراكم أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، شجّع الرئيس ترامب على دخول الحرب، وهو ما يُتوقّع أن يفاقم الضرر الذي يلحق بمكانة إسرائيل في الولايات المتحدة في توقيتٍ بالغ الحساسية، وتحديداً خلال عام انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وقبيل استئناف النقاشات بشأن تمديد المساعدات الأمنية عقداً إضافياً.
واستنتج هذا الضابط أنّ القيادة الإسرائيلية كانت، في ظروف طبيعية، ستأخذ في الحسبان التأثير المحتمل في العلاقات بين الدولتَين عاملاً في قرار الخروج إلى حربٍ معقّدة وخطِرة كهذه، وبالتأكيد كاعتبار مركزي في تحديد مدّة الحرب وإدارتها، وتبدو إشكاليةً أصلاً. وفي حالة نتنياهو المحاصر برأيه بمزيج من الملاحقات القانونية والبقاء السياسي بوصفه عاملاً حاسماً، لا يمكن، ولا يُتوقّع منه، إظهار أيّ مسؤولية سياسية تجاه العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة التي تعتبر أثمن أصول إسرائيل الأمنية منذ أكثر من ستّة عقود.
وتُستعاد، في تحليلات إسرائيلية أخرى، سابقةُ أنّ نتنياهو كان من بين أبرز الأصوات الإسرائيلية التي دعمت التوجّه الأميركي إلى غزو العراق عام 2003، بل ساهم في ترويجه سياسياً وإعلامياً. في تلك الفترة، لم يكن في رئاسة الحكومة، (عاد إليها في 2009)، لكن كان له دور نشط في الخطاب المؤيّد للحرب، إذ أدلى بشهادة أمام الكونغرس الأميركي عام 2002، أكّد فيها أنّ إسقاط نظام صدّام حسين سيؤدّي إلى نتائج إيجابية هائلة في "الشرق الأوسط"، وربط بين هذا النظام وبرامج أسلحة الدمار الشامل في المنطقة التي عدّها تهديداً عالمياً. وفي قراءة بعضهم، كان هذا من الحجج الأساسية للإدارة الأميركية بقيادة جورج دبليو بوش، كما تقاطعت مواقف نتنياهو مع توجّهات تيّار المحافظين الجدد في واشنطن.
وتهدف هذه الاستعادة، على الصعيد الإسرائيلي، كما يُستشَفُّ من أغلب التحليلات التي توقّفت عند هذه الجزئية، إلى تخطئة تقديرات نتنياهو في ذلك الوقت في ما يتعلّق بقدرات نظام صدّام حسين، فلم يُعثر على أسلحة دمار شامل، وكذلك في ما يتعلّق بالتداعيات التي نجمت عن الحرب التي وقف في صلبها تقوية إيران إقليمياً.
ويشير بعضهم إلى أنّ نتنياهو كرّر المنطق نفسه في ما يخصّ التحذير من إيران، ما يثير الشكوك بشأن دقّة تقديراته الإستراتيجية، وما يظهر، في الوقت عينه، أنّه يحاول أن يدفع الولايات المتحدة نحو خيارات عسكرية عالية المخاطر، مع ميل واضح إلى تضخيم التهديدات لتحقيق أهداف سياسية.
وبغضّ النظر عمّا إذا كان شنّ الولايات المتحدة الحرب على إيران بمثابة انخراط في ما دعا نتنياهو إليه، فإنّ أصواتاً إسرائيلية ترى أنّ مجرّد دفع هذا الأخير واشنطن نحو الحرب هو بمثابة تدخّل غير محسوب العواقب في القرار الأميركي.
وهو تدخّل من الحتمي أن يضرّ بصدقية إسرائيل؛ لأنّ الحرب في العراق ما زالت جرحاً نازفاً في التاريخ العسكري الأميركي، ولرسوخ اسم نتنياهو في الذاكرة الجماعية للحزب الديمقراطي، نتيجة هذه السابقة، باعتباره مَن دفع نحو حرب غير ضرورية في "الشرق الأوسط"، كما هي الحال الآن.
اقرأ/ي أيضًا | في تحولات مكانة إسرائيل بأميركا