"ع الكعبة أذّن بلال... واحنا اشتقنا للكعبة". كانت هذه مطلع ردّة شعرية "فرعاوية" ردّدها شعّار الحداء في بلادنا، في أعراس المثلث والجليل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وربما هناك جيل بأكمله من أبناء مجتمعنا العربي اليوم، وشعبنا الفلسطيني عمومًا، لا يعرف بأن أهلنا الناجين من نكبة عام 1948 في الداخل قد انقطعوا عن أداء فريضة الحج مدة 30 عامًا وأكثر. وذلك الانقطاع مردّه إلى أحداث النكبة وقيام الدولة العبرية، بما ترتب عليهما من قطيعة جغرافية مع العالم العربي، الإسلامي منه المملكة العربية السعودية.
جيل كامل كان قد فارق الحياة في الأراضي المحتلة عام 1948، ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، محرومًا من أداء فريضة الحج، ولا تزال أضرحة قبورهم تشهد، وعلى شواهدها أسماؤهم منقوشة بلا كنية "الحاج".
كانت للنكبة قسوتها على فلسطينيي الداخل: تهجير ومهجّرون، فقدان ومفقودون، ورزوح تحت الحكم العسكري والرقابة الأمنية الإسرائيلية الشاملة ما بين 1948 و1966. لذا، لم تكن فريضة الحج أولوية في حياة أهلنا، إلى أن كان صوت تكبيرات عيد الأضحى يأتي عبر أثير الراديو ، ومعها تلبية الحجيج من على جبل عرفة، لتهيّج في نفوس الأهل في المثلث والجليل أسئلة الانقطاع والحرمان من زيارة البيت الحرام:
ع العميّم ع الدبكة
خلّي الركة ع الركة
ويّلي حرمنا مكة
وزيارة بيت الحرام...
أغنية شعبية ظلّ يردّدها القوّالون كلما ردّ أحدهم على يرغول الدبكة تحلّقًا في الأعراس، خصوصًا إذا ما تزامن موعد أداء فريضة الحج مع موسم الأعراس في الصيف، لتهدر ركة أرجل الدبيكة احتجاجًا على أرض ديارٍ لا حجّ لها ولا حجيج.
هناك أدب شعبي في فلسطين وعموم بلاد الشام، يمكننا اعتباره "أدب التشوّق" للحج وزيارة قبر النبي تاريخيًا، في طقسٍ كان يسمى "التحنين"، وهو تحنين من كان ينوي أداء فريضة الحج قبيل انطلاقه في رحلته على الجمل أو عبر البابور "القطار أو الباخرة". ويتضمن التحنين غناءً شعبيًا فيه حنين وتشوّق لزيارة قبر النبي وكعبته، كانت تؤديه النساء تحديدًا.
كان ذلك قبل النكبة، لكن النكبة، بقطعها صلة فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 بالحج وأداء الفريضة، ولّدت أدبًا شعبيًا لديهم يمكننا تسميته "أدب القطيعة أو الانقطاع عن أداء الفريضة". ولم يكن لهذا الأدب طقس خاص، مثلما كان للتحنين، إنما كان مبعثرًا في الأهازيج الشعبية، والقصائد الشعرية، والردّات الفرعاوية الجماعية في الأعراس والمناسبات العامة، كلما أتيحت أيام الحكم العسكري، ولاحقًا بعد رفع هذا الأخير في سبعينيات القرن العشرين.
كان أدب التحنين قبل النكبة نسائيًا في غنائه وأدائه، بينما كان أدب الانقطاع الذي نعنيه هنا ذكوريًا، عبّر عنه الرجال أكثر مما عبّرت عنه النساء: "أبواب المدينة سكّرت... مفتاحها ذكر النبي..."، كان يغني الرجال من أغاني الحوربة أو الرودحة أثناء مسيرهم بالعريس بعد حمّامه من بيت الإشبين "صديق العريس" إلى بيته لزفّه مع عروسه. وهذه الردّة عن "تسكير" مدينة النبي، المدينة المنورة، تعود إلى ما قبل النكبة في الجليل، وكانت تُردد غناءً حين كانت تحول الحروب أو الجوائح دون أداء فريضة الحج.
إلا أن غناءها بعد النكبة على ألسنة فلسطينيي الداخل صار يُحيل إلى سيرة انقطاعهم حصرًا عن أداء الفريضة، بعد أن "سكّرت لبلاد"، كما تعوّد أهلنا الباقون في البلاد القول بعاميتهم عن الانقطاع الجغرافي على أثر النكبة، وقد أُغلقت مدينة النبي، المدينة المنورة، بوجه المتشوّقين لزيارتها من فلاحي قرى المثلث والجليل.
كانت أول بعثة من حجاج أراضي الـ48، سُمح لها بأداء فريضة الحج، تعود إلى عام 1978. وقد سبقها بعام، أي سنة 1977، وفد رسمي تمثيلي من فلسطينيي الداخل، مكوّن من خمس شخصيات، معظمهم من قضاة المحكمة الشرعية في البلاد، ليكونوا أول من يؤدي فريضة الحج بعد انقطاع دام نحو ثلاثة عقود منذ النكبة.
ولعودة فلسطينيي الداخل إلى أداء فريضة الحج حكاية تداخلت فيها المساعي الدبلوماسية بالتحولات السياسية، وذلك بعد أن سمحت الحكومة الإسرائيلية لوفدٍ من فلسطينيي الداخل بزيارة إلى العاصمة الأردنية عمّان لتعزية ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال بوفاة زوجته الملكة علياء، في شباط/فبراير 1977. وكانت تلك الزيارة بالتنسيق مع دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، ومن بين الوفد المُعزّي إلى الأردن كان المؤرخ الفلسطيني خليل عثامنة، حيث توجّه الوفد في حينه بطلب وساطة الملك الأردني لدى ملك السعودية بأن يسمح هذا الأخير لفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 بأداء فريضة الحج، المحرومين منها منذ النكبة.
ولم تمانع الحكومة الإسرائيلية في حينه ذلك، بل على العكس تمامًا، شجّعت إسرائيل وسعت إلى الاستثمار في هذه الخطوة على المستويين السياسي والدبلوماسي، خصوصًا وأنها جاءت في ظل مباحثات كامب ديفيد مع مصر وقتها. ومن يعود إلى صحف تلك المرحلة العبرية، خصوصًا مثل صحيفة "دفار" وصحيفة "عل همشمار"،
سيجد احتفاءً إسرائيليًا بالسماح بعودة فلسطينيي الداخل لأداء فريضة الحج. وقد قبلت المملكة العربية السعودية، مرحّبةً، دخول فلسطينيي الداخل إلى أراضيها لأداء الفريضة، ولكن ليس بالجواز الإسرائيلي، إذ اشترطت السعودية أن يكون بجواز آخر عربي أو دولي. وبما أنه كان للأردن دور في الوساطة، اختير الجواز الأردني جوازًا مؤقتًا لدخول فلسطينيي الداخل به إلى الأراضي السعودية، خصوصًا وأن الأردن كان، وما يزال، الممر البري لرحلة الحج من البلاد عبر أراضيه إلى السعودية.
كان جسر ألنبي، من أريحا في الضفة الغربية إلى الأردن، المعبر الذي ظلّ يتوجه إليه حجاج فلسطينيو الداخل للعبور منه إلى الأردن ثم إلى السعودية، وذلك قبل اتفاقية وادي عربة سنة 1994، حيث أصبح جسر الشيخ حسين في بيسان هو المعبر الرسمي الخاص بفلسطينيي الداخل إلى الأردن، ومنه ما يزال يمر، إلى أيامنا، حجاج بيت الله الحرام.
"الله يسهّل ع الحجّاج... تيعودوا بالسلامة"، ردّة شعرية فرعاوية، كان الديرواية (أبو سعود وأبو غازي) من شعّار الحداية من قرية دير الأسد، رحمهما الله، أول من ردّدها في الأعراس لتردّ عليهم الناس في زفة العريس، وذلك حين كان يصادف عرس أحدهم مع مغادرة الحجاج البلاد إلى الحجاز. وكان للحج هالته في ثمانينيات القرن الماضي مع عودة أداء الفريضة لدى فلسطينيي الداخل، إلى حدّ كان يتجمهر فيه الناس في وداع الحجاج كما لو أنه عرس، وكما لو أن الحاج عريس.
كما كان استقبال الحجّاج والترحيب بعودتهم سالمين طقسًا لا يقل أهمية وكرنفالية عن طقس وداعهم: "يا هلا بحجاجنا ويا مية هلا... ويا هلا بحجّاج بيت الله الحرام..." وغيرها من ردّات شعر الحداء المغنّى في الأعراس الشعبية في المثلث والجليل، حين كانت تتزامن الأفراح مع عودة الحجّاج.
وتُعتبر أغاني أعراس الثمانينيات والتسعينيات، خصوصًا شعر الحداء الفرعاوي الذي يردده الحادي ليردّ المتحلقون خلفه من الناس، بمثابة أرشيف اجتماعي محكي غير مدوّن عن انقطاع الحج وعودته على مدار عقود النصف الثاني من القرن العشرين. وإذا ما عدنا إلى مظاهر وداع الحجاج ومراسيم استقبالهم، سنجد تفاصيلها محمولة بدلالات اجتماعية وسياسية متصلة بواقع فلسطينيي الداخل على أثر النكبة، بما يتجاوز البعد الديني للفريضة وأدائها.