20/05/2026 - 09:49

من "هاليلويا" إلى غزة: "يوروفيجن" لم يعد يكفي لتبييض صورة إسرائيل

لم تكن مشاركة إسرائيل في يوروفيجن يومًا مجرد حضور فني، إذ إنها منذ انضمامها إلى المسابقة عام 1973 وظّفت هذا الحدث أداةً للدبلوماسية الثقافية وكسب الشرعية الدولية...

من

حفل بديل بعنوان "متحدون من أجل فلسطين" احتجاجًا على مشاركة إسرائيل في "يوروفيجن" (Getty)

حلّت إسرائيل في المركز الثاني في مسابقة يوروفيجن، مسابقة الأغنية الأوروبية، لعام 2026، مُسجِّلةً بذلك النتيجة نفسها للعام الثاني على التوالي، وذلك رغم حملة المقاطعة والاحتجاجات الواسعة التي ترافق مشاركتها منذ اندلاع الحرب على غزة. وجاء المشارك الإسرائيلي نعوم بيتان قريبًا جدًا من لقب الفوز، قبل أن تحسمه المغنية البلغارية "دارا" في اللحظات الأخيرة من التصويت الجماهيري. ولم تكن الخسارة الأكبر لإسرائيل في عدم الفوز باللقب، بل في الرسالة التي حملها غياب خمس دول أوروبية رفضت المشاركة احتجاجًا على وجودها في المسابقة، هي: إسبانيا وأيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا وهولندا، إضافةً إلى تهديد بلجيكا ومطالبتها بمساءلة إسرائيل شرطًا لمشاركتها العام المقبل. ولم يخلُ الحدث الموسيقي الأبرز في أوروبا من صافرات الجمهور الحاضر في قاعة فيينا حين صعدت إسرائيل إلى المقدمة مؤقتًا خلال جلسة الإعلان عن النتائج.

استضافت النمسا هذا العام مسابقة أغنية يوروفيجن في العاصمة فيينا، وهو حدث يتابعه قرابة 163 مليون مشاهد عبر البث المباشر، ويتنافس فيه 35 بلدًا. ومثّل إسرائيل الفنان نعوم بيتان بأغنية "ميشيل" التي أدّاها بثلاث لغات: العبرية والفرنسية والإنجليزية.

ولم تقتصر الأزمة السياسية التي أثارتها مشاركة إسرائيل في يوروفيجن هذا العام على مقاطعة الدول الخمس، بل امتدت إلى الشارع الأوروبي. ففي فيينا، استضافت ساحة "ماريا تيريزيا" المركزية، مساء الجمعة 15 أيار/مايو، حفلًا موسيقيًا بديلًا تحت عنوان "احتجاج الأغنية — لا منصة للإبادة الجماعية"، نظّمته حركتا "التضامن مع فلسطين النمسا" و"لا موسيقى للإبادة"، وضمّ فنانين دوليين وناشطين حقوقيين. وعلى امتداد أسبوع المسابقة، لم تخلُ عروض الحفلات من هتافات "أوقفوا الإبادة" و"فلسطين حرة" من داخل القاعة، وهو ما رافق أداء بيتان منذ نصف النهائي الأول. وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق حملة مقاطعة ثقافية أوسع، وقّع عليها أكثر من 1100 فنان وعامل ثقافي في رسالة مفتوحة، من بينهم بريان إينو وبيتر غابرييل وروجر ووترز.

وليست هذه المرة الأولى التي تتسبب فيها إسرائيل بأزمة داخل المسابقة، إذ لا يمكن في هذا السياق إغفال الأزمة التي سبقت مشاركتها في نسخة 2024، المنعقدة في مالمو السويدية. فقد أرادت إسرائيل في البداية المشاركة بأغنية بعنوان "October Rain" تُغنّيها الفنانة إيدن غولان، وتتناول أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. غير أن اتحاد البث الأوروبي رفضها لانتهاكها قاعدة الحياد السياسي، وطالب بتعديل كلماتها، فأُعيدت الأغنية تحت عنوان جديد هو "Hurricane". ولم تقف موجة الرفض عند حدود الأزمة الرسمية؛ ففي كانون الثاني/يناير 2024، وقّع أكثر من 1400 فنان فنلندي رسالةً مفتوحة إلى اتحاد البث الأوروبي تطالب بانسحاب إسرائيل من المسابقة. ورفعت مجموعات فنية في أيسلندا والنرويج والدنمارك أصواتها مطالبةً بتعليق عضوية إسرائيل بسبب حربها على غزة.

ولا يمكن فهم هذا الإصرار الإسرائيلي بمعزل عن وظيفة المسابقة في الدعاية الإسرائيلية؛ إذ تستغل إسرائيل مسابقة الأغنية الأوروبية يوروفيجن كأي حدث عالمي لاستخدام القوة الناعمة، في محاولة منها لتلميع صورتها وكسب تأييد شعبي دولي، من خلال عكس صورة من الليبرالية والتنوع والانسجام مع القيم الأوروبية الليبرالية والتركيز على قضايا مثل حقوق المثليين والتعددية الثقافية، غير أن هذه القوة الناعمة لم تعد كافية أمام الدول الأوروبية وشعوبها التي ترى هذه الجرائم. وقد سجّلت إسرائيل تراجعًا ملحوظًا في "مؤشر القوة الناعمة العالمي 2025" الصادر عن مؤسسة "Brand Finance"، حيث هبطت إلى المركز 39 عالميًا بعد أن كانت في المركز 27 في العام السابق. ويعود هذا التدهور الحاد، وهو الأكبر بين الدول المشاركة، إلى انهيار مؤشر "السمعة" بنسبة 13% وتراجع جاذبيتها كدولة، نتيجة استمرار الحرب الذي طغى على صورتها كمركز للابتكار والتكنولوجيا، أو ما يُعرف بـ"Start-up Nation".

وهذا التوظيف ليس وليد اللحظة؛ فلم تكن مشاركة إسرائيل في يوروفيجن يومًا مجرد حضور فني، إذ إنها منذ انضمامها إلى المسابقة عام 1973 وظّفت هذا الحدث أداةً للدبلوماسية الثقافية وكسب الشرعية الدولية. فجاء فوزها عامَي 1978 و1979 في ظل أجواء التقارب مع مصر وانفراج كامب ديفيد، فيما حملت أغنية "هاليلويا" رسالة تقريب بين الهوية اليهودية والذاكرة الأوروبية المشتركة. وفي 1998، اختارت إسرائيل تقديم المغنية المتحوّلة جنسيًا دانا إنترناشيونال، لتُسوّق نفسها دولةً رائدة في حقوق المثليين وسط قارة لم تكن قد أنضجت هذا الخطاب علنًا بعد، وهو ما باتت الدراسات تصنّفه "غسيلًا ورديًّا". وتكررت المعادلة عام 2018 حين قدّمت نيتا برزيلاي أغنيتها النسوية "أنا لست لعبتك" في خضم حملة #MeToo، لتُوظّف المنصة الأوروبية لإيصال رسائل المساواة، بينما تواصل احتلالها وقمعها للمرأة الفلسطينية. وحين فتح هذا الفوز أمامها باب الاستضافة عام 2019، سعت إلى إقامة المسابقة في القدس توازيًا مع نقل السفارة الأميركية إليها، قبل أن تضطر تحت ضغط حركة المقاطعة إلى تحويلها نحو تل أبيب، مُعدِّلةً في الطريق تشريعًا داخليًا لتفادي فقدان أهليتها للاستضافة.

ويتجاوز هذا التوظيف البُعد الرمزي إلى تدخّل حكومي منظَّم ومموَّل، كما وثّقت صحيفة "نيويورك تايمز" في تحقيق استقصائي نشرته في 11 أيار/مايو 2026، مع افتتاح نسخة هذا العام من المسابقة، استنادًا إلى أكثر من 50 مقابلة ووثائق داخلية من اتحاد البث الأوروبي، إذ خلص التحقيق إلى أن الحكومة الإسرائيلية لم تتعامل مع يوروفيجن يومًا بوصفه منافسةً فنيةً عادية، بل أداة منظَّمة للقوة الناعمة وتلميع صورة إسرائيل الدولية. فمنذ عام 2018 على الأقل، بدأت إسرائيل ضخّ أموال حكومية في حملات التصويت والترويج لمشاركتها في المسابقة، وحين جاءت مسابقة مالمو عام 2024، بلغ الإنفاق أكثر من 800 ألف دولار، شمل إعلانات مدفوعة بعدة لغات أوروبية، مع تمويل مرتبط بمكتب الدبلوماسية العامة في مكتب رئيس الوزراء "الهسبراه"، وجزء منه مخصّص لـ"تعزيز التصويت". وفي بازل 2025، تجاوز الأمر الإعلانات الرقمية؛ إذ شجّعت الحملات على التصويت للمشاركة الإسرائيلية حتى 20 مرة، وهو الحد الأقصى المسموح به، فيما نشر نتنياهو شخصيًا على حساباته رسومًا تحثّ الجمهور على التصويت، وتولّت السفارات الإسرائيلية في عدة دول أوروبية الاتصال المباشر بمجموعات الشتات لحشد الأصوات. وتكرّر النمط هذا العام في فيينا، إذ شجّعت الحملات على التصويت لنعوم بيتان 10 مرات، وهو ما دفع اتحاد البث الأوروبي إلى توجيه إنذار رسمي إلى هيئة البث الإسرائيلية ومطالبتها بسحب المقاطع المخالفة. وقد رصد التحقيق أنماط تصويت مثيرة للشك، إذ حصلت المشاركة الإسرائيلية في بازل العام الماضي، يوفال رفائيل، على أصوات شعبية مرتفعة بشكل لافت في دول تُعدّ تاريخيًا من أشد المنتقدين للسياسات الإسرائيلية؛ ففي إسبانيا مثلًا، حيث تُظهر استطلاعات الرأي معارضة واسعة للحرب على غزة، حازت رفائيل التصويت الجماهيري بنحو 47 ألف صوت، ويرى التحقيق أن بضع مئات من المصوّتين المنسّقين، يدلي كلّ منهم بالحد الأقصى من الأصوات، كان يكفي نظريًا لقلب نتيجة التصويت الشعبي. وفي مواجهة هذه المعطيات، اكتفى اتحاد البث الأوروبي بوصف الحملة الإسرائيلية بالمبالغة ورفض التحقيق فيها بجدية، وألغى تصويتًا طارئًا كان مقررًا حول مشاركة إسرائيل، ومنع المحطات الأعضاء من الاطلاع على بيانات التصويت التفصيلية، بل ووجّه فريقه رسائل إلكترونية تُثبّط المحطات عن التحدث إلى الصحافيين. ومع أن التحقيق ذاته يقرّ بعدم وجود دليل على استخدام "بوتات" أو خرق صريح لقواعد المسابقة، فإنه يكشف بنيةً قابلةً للاستغلال: مسابقة يُصرّ منظموها على أنها بعيدة عن السياسة، فيما توظّفها حكومة إسرائيلية بأموال طائلة وجهاز دبلوماسي كامل لخدمة أجندة سياسية معلنة، تسعى من خلالها إلى شراء شعبية أوروبية لا تستطيع كسبها بمواقفها على أرض الواقع في خضم حرب الإبادة.

وفي قلب هذا المشهد مفارقة لا تخطئها العين؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى الظهور على منصة يوروفيجن بوصفها دولةً منفتحة تنتمي إلى منظومة القيم وتحترم حقوق الإنسان، تجد نفسها أمام حصار قانوني دولي غير مسبوق، حيث تُواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، بالتوازي مع مذكرات توقيف أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق قادتها بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهكذا تبدو الأغنية الواحدة على مسرح فيينا عاجزةً عن أن تحجب ما يضع شرعية تحركات إسرائيل ومكانتها بين الدول تحت مجهر المساءلة التاريخية.