21/05/2026 - 17:05

تعريف العدو.. كيف ينظر بن غفير إلى العالم؟

"تكشف حادثة بن غفير عن لحظة أوسع في السياسة الإسرائيلية، يتسع فيها تعريف العدو ليشمل كل من يعارض إسرائيل أو يطالب بمحاسبتها أو يمنح الفلسطينيين مساحة في الرأي العام العالمي".

تعريف العدو.. كيف ينظر بن غفير إلى العالم؟

وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير (Getty Images)

علم إسرائيل وجنود ملثمون وضحكات أمام الكاميرا، بهذه الصورة أراد إيتمار بن غفير أن يقدّم مشهد احتجاز نشطاء أجانب من "أسطول الصمود" في ميناء أسدود يوم 20 أيار 2026، بعدما بث تسجيلات لهم في أثناء وجودهم قيد الاحتجاز.

تغطية مواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

لم تبدُ المشاهد كإجراء أمني عادي، وإنما كاستعراض سياسي مقصود، استدعى إلى الذاكرة صور التعامل الإسرائيلي مع الأسرى الفلسطينيين، وأثار سريعًا موجة انتقادات داخل إسرائيل وخارجها. ومع اتساع الجدل، لم يعد النقاش محصورًا في تفاصيل الحادثة نفسها؛ فقد تحوّل إلى سؤال أوسع عن صورة إسرائيل في العالم، وعلاقتها بأوروبا، وطريقة تعاملها مع النشطاء والمتضامنين مع غزة.

لا تنبع أهمية الحادثة من بن غفير وحده، فهي تكشف قدرته على تكثيف اتجاه آخذ في الاتساع داخل اليمين الإسرائيلي. يظهر بن غفير هنا نموذجًا مكشوفًا لهذا التيار، فهو يمثّل رؤية قومية وعنصرية متطرفة، تنظر إلى العالم الخارجي من خلال معيار واحد تقريبًا: "من يدعم إسرائيل من دون مساءلة يقترب من دائرة الصديق، ومن ينتقدها أو يطالب بمحاسبتها يدخل تدريجيًا في دائرة الخصومة". ومن هنا يبرز السؤال الأعمق: كيف يعرّف اليمين الإسرائيلي أصدقاءه وخصومه؟ وكيف ينظر إلى المؤسسات الدولية، وحركات التضامن، والجامعات الغربية، والدول الحليفة، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر؟

لم تكن الحادثة مجرد اعتراض لسفن حاولت الوصول إلى غزة. فإسرائيل باتت تتعامل مع التضامن الدولي مع الفلسطينيين بوصفها جبهة من جبهات المواجهة، ومن يختر التضامن يدخل في دائرة العقاب والعنف الاستعماري. في هذه النظرة، لا يقف الناشط الأجنبي خارج الصراع ولا يظهر وسيطًا إنسانيًا أو صاحب موقف حقوقي، بل يتحول تدريجيًا إلى طرف يضغط على إسرائيل ويشكك في شرعية حربها، ويهدد الرواية التي تريد تثبيتها في الخارج. لذلك، لا تستهدف الرسالة المحتجزين وحدهم، بل تستهدف كل شبكات التضامن التي تتحرك في أوروبا والجامعات والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام.

لم يتشكل هذا التوسيع في تعريف العدو بعد السابع من أكتوبر من فراغ، فقد سبقه خطاب يميني طويل ضد مؤسسات دولية، مثل: منظمات حقوق الإنسان وحملات المقاطعة، والمحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة و"أونروا"، والجامعات ووسائل الإعلام الغربية. وجاءت الحرب على غزة لتدفع هذا الخطاب إلى مستوى أكثر حدّة، إذ صار العدو في نظر اليمين الحاكم كل جهة تضغط على إسرائيل، أو توثّق جرائمها، أو تطالب بمحاسبتها، أو تمنح الفلسطينيين مساحة أوسع في الرأي العام العالمي.

هنا يظهر نمط يمكن تسميته بـ "الانعزال الانتقائي"، فإسرائيل لا تريد قطع علاقتها بالعالم ولا تستطيع التخلي عن الغطاء الدبلوماسي الغربي، والتعاون التكنولوجي والأسواق المفتوحة والعلاقات الاقتصادية الواسعة. هي تريد علاقة باتجاه واحد، بمعنى دعم دون شروط وشراكة دون مساءلة وتحالفًا لا يتحول إلى قيد على قراراتها في غزة والضفة الغربية.

بالعودة إلى حادثة الأسطول، يخاطب بن غفير العالم الخارجي وكذلك جمهوره الداخلي قبل كل شيء. يدرك بن غفير أن جزءًا من قوة اليمين الإسرائيلي يقوم على تحويل إهانة الآخر إلى رسالة سياسية، وعلى تقديم العنف بوصفه دليلًا على الحزم والانتماء. لذلك لا تظهر الكاميرا عنصرًا جانبيًا في الحادثة، بل جزءًا من معناها. يريد بن غفير أن يرى الجمهور الإسرائيلي هؤلاء المتضامنين كخصوم مهزومين، وأن يفقد فعل التضامن مكانته الأخلاقية ويتحول إلى مادة للسخرية والعقاب.

وفق هذا المنطق، يتحدد الصديق والعدو عمليًا بقدر الدعم أو الضغط. كل طرف يقترب من دعم السياسات الإسرائيلية أو يتجنب مساءلتها يقترب من دائرة الحلفاء. وكل طرف يطالب بالمحاسبة أو يرفع كلفة الحرب أو يمنح الفلسطينيين مساحة أوسع في الرأي العام يقترب من دائرة الخصوم.

إلا أن الولايات المتحدة تخرج عن هذه المعادلة بحكم موقعها الإستراتيجي الخاص، فعندما تضغط على إسرائيل أو تختلف معها حول ملفات محددة يبقى الخلاف غالبًا داخل إطار علاقة يمكن وصفها مجازًا بين حليفين، ولا ينتقل إلى مستوى العداء.

هذا الفرز لم يظهر في الخطاب السياسي وحده؛ فقد سبقه مسار قانوني وسياسي داخلي حاول تقليص أثر الجهات القادرة على الضغط على القرار الإسرائيلي. فخلال السنوات الأخيرة، دفع اليمين الإسرائيلي باتجاه قوانين ومبادرات استهدفت المنظمات الممولة من الخارج، وحملات المقاطعة، وصلاحيات المحكمة العليا ودور المؤسسات الحقوقية، إلى جانب قوانين عززت الطابع القومي اليهودي للدولة.

تكشف هذه الحادثة أن صورة إسرائيل في الخارج صارت إحدى ساحات الصراع الأساسية بعد الحرب على غزة. ولم تعد المسألة محصورة في بيانات الحكومات أو مواقف الوزارات، لأن الجامعات والنقابات والبلديات وغيرها من المؤسسات باتت تملك قدرة حقيقية على إرباك الرواية الإسرائيلية، ورفع كلفة الحرب سياسيًا وأخلاقيًا. ولهذا تتعامل إسرائيل مع هذه المساحات بوصفها خطرًا، لأنها لا تهدد إسرائيل عسكريًا لكنها تهدد قدرتها على مواصلة مشروعها من دون مساءلة.

تفرض هذه القراءة على الفلسطينيين مراجعة طريقة التعامل مع أوروبا. فلا يجوز النظر إليها ككتلة واحدة؛ إذ هناك حكومات تتردد أو تميل إلى إسرائيل أو تخشى الصدام السياسي معها. وفي المقابل، توجد جامعات ونقابات وأحزاب وبلديات، ومنظمات حقوقية وحركات طلابية ورأي عام تتسع داخله مساحة التضامن مع الفلسطينيين. لذلك، لا يكفي أن يخاطب الفلسطينيون الحكومات وحدها؛ وإنما يجب أن يتوجه الخطاب الفلسطيني بوضوح إلى المجتمعات الأوروبية نفسها.

ختامًا، تكشف حادثة بن غفير عن لحظة أوسع في السياسة الإسرائيلية، يتسع فيها تعريف العدو ليشمل كل من يعارض إسرائيل أو يطالب بمحاسبتها أو يمنح الفلسطينيين مساحة في الرأي العام العالمي. ومع اتساع منطق الإبادة والمحو من غزة إلى الضفة الغربية، ومن استهداف البشر إلى استهداف الأرض والحقوق والصورة والرواية، تتسع عزلة إسرائيل الأخلاقية ويزداد خطاب اليمين عنفًا وانكشافًا.