الفلسفة السياسيّة في إسرائيل التي كانت وراء إتاحة العمل السياسيّ وخوض الانتخابات للراب العنصريّ، مئير كهانا ـ صناعة اليمين الأميركيّ ـ في حينه (الثمانينات من القرن الفائت)، كانت تقول بضرورة احتواء "المتطرّفين" ومنحهم حقّ المشاركة كي لا ينتقلوا إلى العمل السرّيّ. أمّا الشقّ الثاني من هذه الفلسفة، فكان أن هامشًا متطرّفًا كهذا لا يستطيع أن يرسم صورة إسرائيل في العالم. هذا على الرغم من أن التدقيق في خطابه، في حينه، سيؤدّي بنا إلى أنّه كان يقتبس زعماء الصهيونيّة العالميّة، لا سيّما أولئك الذين أسّسوا الدولة وأداروا العمليّات العسكريّة ضد الشعب الفلسطينيّ في وطنه. كان كهانا ناشطًا في سياق نجحت فيه عمليّات التستّر وتعدّد الأقنعة التي اختارها المؤسّسون والذين ورثوهم لحجب وجه دولتهم. ومنها أنهم ضحايا النازيّة، وأنهم جاءوا إلى أرض بلا شعب، وأن العرب هم الذين رفضوا قرار التقسيم، وأن إسرائيل هي داود الذي يواجه جوليات، وأنهم الجيش الأكثر نزاهة وأخلاقيّة، والديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط، وممثّلة الغرب في المشرق و"فيللا في الغابة"، وممثّلة حقوق الإنسان وكرامته وقُدسيّة حياته، وما إلى ذلك من أقنعة.
أمّا بن غفير ينشط في سياق بلا أقنعة. في سياق توحّش وشرّ مُطلق، حدّ الإبادة وسواها من جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانيّة. وما فعله مع المخطوفين من نشطاء أسطول كسر الحصار على غزّة، لم يكن جديدًا على إسرائيل الرسميّة منذ كانت. ونحن، كفلسطينيين هنا أو هناك، نعرف ما نقول. أمّا التنديد الإسرائيليّ أو الأميركيّ الخجول بما فعله، فينبغي ألّا يحرف نظرنا عن الوجه الحقيقيّ لإسرائيل. وبن غفير وسواه هم الوجه الحقيقيّ لإسرائيل التي لا تزال تقتلع وتهدم وتقتل وتسجن وتذلّ كلّ يوم وكلّ ساعة منذ قامت، أمام الكاميرات أو في غفلة منها.
صحيح أن من الإسرائيليين مَن يُريد أن يُقنع نفسه ويُقنعنا، على مدار عقود، بأن إسرائيل هي أقنعتها المذكورة، وأن بن غفير خطأ سيتمّ تصحيحه، بيد أن تتبّع السياسات قبل إقامة الدولة وبعدها يُفضي بنا إلى اكتشاف التطابق بين ما يمثّله بن غفير وبين الوقائع على الأرض. فما الفرق بين إذلال نشطاء الأسطول وبين إذلال أجيال من العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل، قبل الاحتلال، بحكم عسكريّ وأمر حالات الطوارئ؟ وما الفرق بين أداء بن غفير وبين أداء جهاز الشاباك على مدار عقود في ملاحقة نشطاء سياسيين وإرهابهم؟ أمّا الاحتلال فقد زوّدنا نحن بألف إثبات وإثبات، في كلّ يوم، على أن الوجه الحقيقيّ لإسرائيل هو السعي إلى الإذلال والتحكّم بمصائر الناس وأماكنهم وأوقاتهم وكراماتهم وحيواتهم. لم يكن هناك قانون إعدام، وهذا صحيح، لكن كانت هناك يد حرّة على الزناد، وسجون ومعتقلات وزنازين وتعذيب وانتقام وعقوبات وتنكيل، إلى آخر القائمة ممّا أنتجته اللغة العبريّة في ربوعنا.
وجه إسرائيل الحقيقيّ، تحت كلّ الأقنعة، مرسوم بنظريّة عنصريّة تفترض تفوّقًا عرقيًّا يهوديًّا. مرسوم بقوّة وعسف ممارسات كولونياليّة صريحة أو خفيّة. مرسوم بموجب حالة طوارئ وسلسلة من الحروب لتصفية فلسطين وقضيّتها. مرسوم بقوانين وأنظمة قمع وسلب واقتلاع وتهجير وهدم، وسلسلة أخرى من الأفعال التي تنطوي على عنف تجاه الفلسطينيين لأنّهم فلسطينيون. أمّا الجديد فيما حصل خلال الأيّام الماضية، فهو أن هذا العنف وهذه الغطرسة وهذه الاعتداءات، التي كانت ولا تزال من نصيب الفلسطينيين منذ ما قبل النكبة، تمّ توجيهها هذه المرّة في قرصنة سفن أسطول كسر الحصار وإذلال النشطاء، وهم أناس من قوميّات ودول مختلفة. بمعنى أن الوجه الحقيقيّ للتجربة الإسرائيليّة ارتسم واضحًا على أجساد نشطاء ونشيطات من كلّ العالم، بما فيه الغرب الذي لبست إسرائيل قناعَه وادّعت أنّها منه!
لقد اكتشف هذا الغرب وجه إسرائيل الحقيقيّ مرّات كثيرة من قبل. لكنّه لم يردّ، لأسبابه، وفي مركزها شعوره بالمسؤوليّة عن المحرقة وضرورة تعويض ضحاياها عنها. بيد أن حقيقة ارتكاب إسرائيل الرسميّة لجريمة الإبادة في غزّة هي نُقطة فاصلة أسقطت ما تبقّى من أقنعة تستعملها إسرائيل الرسميّة لإخفاء وجهها الحقيقيّ. عندما ترتكب دولة قامت على الضحيّة وادّعاء تمثيل ضحايا المحرقة فعلَ إبادة، فإن الأقنعة كلّها تسقط دفعة واحدة وبشكل مدوٍّ ليظهر الوجه كما هو. وهو وجه قبيح يشكّل بن غفير إحدى تقاسيمه وخطوطه. فإذا أخذنا هذا الوجه في مقطع عرضيّ في الجغرافيا وفي المؤسّسات والسياسات والأفعال على الأرض، سنجد أنّه أقبح ألف مرّة ممّا استطاع شريط بن غفير أن يكشفه. ولأنّ الأمور على هذا النحو، القُبح في صميم التجربة، ولأنّنا على وجه انتخابات، سنشهد المزيد من تقاسيم هذا الوجه الذي لم تعد هناك أقنعة تستره.