24/05/2026 - 13:07

النسخة الوقحة من الفاشية

خطورة بن غفير لا تكمن فقط في ما يفعله، بل في نبرة الزهو والفخار التي ترافق أفعاله. فهو لا يتحدث كوزير يحتاط الأمر أمام القانون أو الرأي العام، بل يشعر أن جمهوره يريده على هذه الصورة من الوحشية المعلنة...

النسخة الوقحة من الفاشية

ناشطو الأسطول مكبلي الأيدي في ميناء أسدود (شاشة)

لم يعد إيتمار بن غفير مجرد وزير يميني متطرف في حكومة إسرائيلية متطرّفة، بل تحول إلى ظاهرة سياسية تكشف طبيعة المرحلة كلها. فهو لا يكتفي بممارسة العنف المعنوي والجسدي ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين ومناصري القضية الفلسطينية من أسطول الصمود العالمي وغيرهم، بل يبدو وهو يتلذذ بعروضه السادية أمام الكاميرات، فالإذلال بذاته أصبح مادة للاستعراض السياسي والشعبوي الذي يدر عليه أصواتًا وشعبية.

كل استطلاعات الرأي تمنحه قوة ثابتة تدور حول العشرة مقاعد، وأعتقد أنها سوف تزداد مع اقتراب الانتخابات والاستقطابات والمزايدات التي ترافقها، وتحوّل السياسة إلى شعبوية أكثر، وإلى الإعجاب بمن يسبب أذى أكبر للفلسطينيين، ومن يذلهم أكثر، ومن يتحدى انتقادات المجتمع الدولي أكثر، ومن يتحدى القوى "اليسارية" أو "المعتدلة" في داخل إسرائيل، ومن يسيء للمواطنين العرب أكثر.

تحويل الإذلال إلى ممارسات علنية استعراضية لا يهدف فقط إلى معاقبة "العدو"، بل هو رسالة إلى المجتمع كله: "نحن نفعل ما نشاء، ولا أحد يستطيع ردعنا". رسالة بن غفير للعالم كله، ولأوروبا بشكل خاص، أنه يفعل ما يشاء، وأن إسرائيل فوق القوانين الدولية، وهي رسالة تقول للفلسطينيين إن الفزعات الدولية لن تفيدكم بشيء، ولستم بحاجة إلى تسريب أفلام وصور عن التعذيب والإذلال، فها نحن ننشرها على الملأ من غير تردد. وليس عليكم سوى الاستسلام والرضوخ التام، والاعتراف بعجزكم وهزيمتكم.

خطورة بن غفير لا تكمن فقط في ما يفعله، بل في نبرة الزهو والفخار التي ترافق أفعاله. فهو لا يتحدث كوزير يحتاط الأمر أمام القانون أو الرأي العام، بل يشعر أن جمهوره يريده على هذه الصورة من الوحشية المعلنة، وهذا يمنحه شعبية أكثر من غيره، كذلك فهو يشعر بأنه قائد تاريخي لليهود، وما يقوم به سيضعه على رأس عظماء شعبه، فهو في منافسة مع نتنياهو، من يتصدر القيادة التاريخية.

هذه الهمجية تترجم إلى رصيد انتخابي، ويصبح التنكيل بالأسرى، وخصوصًا الأسرى المعروفين الذين يحظون بشعبية كبيرة، مثل مروان البرغوثي والدكتور حسام صفية وغيرهما، وسيلة لحصد الشعبية. إضافة إلى التباهي بتخفيض الملابس للأسرى والطعام والعلاج الطبي والمياه الصالحة للشرب.

المسؤولون والشركاء معه في الحكومة نفسها لا ينزعجون من جوهر ما يقوم به، بل من كشفه بالصوت والصورة لما يفعله. فهم يشعرون بأن هذا يمنحه شعبية في الداخل على حساب شعبيتهم هم، وعلى حساب الصورة التي يحاولون تسويقها في العالم.

المشكلة بالنسبة إليهم ليست الهمجية بذاتها، بل ردود الفعل السلبية في العالم الناتجة عن تصوير الفعل ونشره. طبعًا هذا جزء ضئيل جدًا مما يجري خلف الجدران. فما يُنشر هو دقيقة أو دقيقتان من الهمجية، ولكن الحقيقة أن هذه تمارس على مدار الساعة وبصور شتى تصل حتى إلى الاعتداءات الجنسية.

بالأمس تظاهر بضع مئات من النشطاء في المكر - جديدة ضد جرائم القتل والعنف. تواجدت الشرطة هناك فقط لمنع المتظاهرين من إغلاق الشارع، ولعرقلة وصولهم إلى موقع المظاهرة. ولكن الحقيقة أن المشاركة كانت هزيلة جدًا، وكأنّ الجمهور يعلن بهذا أنه يائس من إمكانية الفعل تجاه الجريمة المنظمة التي تجتاح المجتمع العربي.

من البديهي أن انتظار حماية حقيقية من شرطة يرى وزيرها في العرب عدوًا داخليًا هو هباء! فمن يتعامل مع أسير أو مناضل لأجل الحرية ومتضامن باعتباره مادة للإهانة والتشفي لن يكون حريصًا فعلًا على حياة المواطنين العرب حين يواجهون الجريمة المنظمة؟
تتعامل السلطات مع الجريمة في المجتمع العربي باعتبارها ملفًا يمكن التعايش معه، طالما أنها تستنزف مجتمعًا غير مرغوب فيه سياسيًا وديمغرافيًا، إضافة إلى أنها تحقق جانبًا مُهمًّا من السياسة العريضة التي تخطط لها السلطات تجاه العرب، فالجريمة تخدم السياسة الرسمية العنصرية بأيدي أبناء المجتمع العربي نفسه، وهذا يسهل عليها تنفيذ مخططاتها المظلمة تجاههم.

لا نتوقع من الحكومة، مهما كان مستوى عنصريتها، أن تجهر بسعادتها وارتياحها لازدياد انتشار الجريمة بين العرب، بل العكس، سوف تعبّر دائمًا عن رفضها للجريمة وسوف تزعم أنها تحاربها، وعلى العرب التعاون معها كي تنجح، وفي الحقيقة أنها نجحت في تحويل الجريمة إلى أداة قوية لتنفيذ سياساتها واستراتيجيتها، فالجريمة تدفع الأجيال الشابة إلى اليأس، وتصبح فكرة الهجرة متداولة بشكل أوسع بين ظهرانيهم، وإلى تعميق النظرة الذاتية السلبية تجاه الذات، والخجل من الانتماء، وتحويل جلد الذات إلى نهج مُحبط لتنظيم أنفسهم ولطموحاتهم.

في النهاية نتساءل: ما العمل؟ وهل يمكن أن نفعل شيئًا؟ نعم، نستطيع الكثير. وأولًا وقبل كل شيء، هو أن نذوّت ونستوعب جيّدًا أن ما يحدث هو قناة من قنوات السياسة الفاشية الرسمية الموجهة ضد شعبنا كله، ولا يمكن مواجهة العنف بمعزل عن مواجهة الفاشية نفسها، أو بعزل السياسة العامة عن الحياة اليومية لجماهيرنا.