24/05/2026 - 20:42

بين "القائمة التقنية" و"الوحدة السياسية"

كنا نرغب أن نكون متفقين حول رؤية ومنهجية وبرنامج سياسي وطني عام، وقدمنا ورقة بهذا الخصوص، ولكن للأسف هذا غير ممكن على أرض الواقع لأسباب تتعلق برفض بعض الأطراف بناء برنامج سياسي وطني ومشترك...

بين

المشتركة في حملة إعلانية سابقة (Getty)

أثار قبول التجمع الوطني الديمقراطي بمبدأ التقنية لإقامة القائمة العربية المشتركة، أسئلة وتساؤلات مشروعة بين أعضائه وأصدقائه، وخاصة حول العلاقة بين الموقف المبدئي والعمل الانتخابي، وحول ما إذا كان التعاون الانتخابي مع طرف نختلف معه سياسيًّا يعني بالضرورة منحه الشرعية أو تبني مواقفه.

هذه الأسئلة تستحق نقاشًا جديًّا، لكنها تستدعي أولًا التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من الشراكة السياسية: الوحدة السياسية، والتحالف السياسي، والقائمة التقنية الانتخابية.

فالوحدة السياسية تعني برنامجًا سياسيًّا موحدًا ورؤية متفقة مشتركة والتزامًا جماعيًّا بالقرارات. أما التحالف السياسي فيقوم على اتفاق طويل الأمد يستمر بعد الانتخابات حول أهداف أو سياسات معنية ومحددة رغم استمرار بعض الخلافات في مواضيع أخرى. بينما القائمة التقنية ليست هذا ولا ذاك؛ فهي إطار انتخابي محدد لفترة معينة، وهدفه الأساسي منع تشتت الأصوات ورفع التمثيل السياسي، دون أن يلغي استقلالية الأطراف وبرامجها أو يذيب خلافاتها. والخلط بين هذه المستويات المختلفة هو أصل كثير من سوء الفهم في النقاش الدائر اليوم.

فإذا كان مجرد العمل الانتخابي المشترك يعني تبني كل طرف لمواقف الطرف الآخر، فإن معظم التحالفات الانتخابية في العالم تصبح غير ممكنة أصلًا. والتجربة السياسية العالمية تقول العكس تمامًا.

في فرنسا، وبعد الصعود الكبير لليمين المتطرف، تشكلت عام 2024 "الجبهة الشعبية الجديدة NFB"، وضمت الاشتراكيين والشيوعيين والخضر وحزب فرنسا الأبية. هذه القوى تختلف في ملفات أساسية وتتبادل الانتقادات أحيانًا، لكنها توحدت انتخابيًّا لمنع صعود اليمين المتطرف، دون أن يعني ذلك ذوبانها في حزب واحد أو تخلي أي منها عن هويته السياسية، وقد نجحت فعلًا في مسعاها.

وفي جنوب أفريقيا، إبان الأبارتهايد، تشكل التحالف الثلاثي بين المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الشيوعي واتحاد النقابات، وبالتالي انضمت إلى التحالف عشرات المنظمات المختلفة تحت شعار إسقاط الأبارتهايد. وقد حافظ كل طرف على عضويته وبرنامجه وقيادته المستقلة، رغم وجود إطار مشترك يجمعهم حول أهداف عامة. بل إن الوثائق الرسمية للتحالف تؤكد صراحة أن كل شريك يحتفظ بدستوره وبرنامجه واستقلاليته التنظيمية. لا يمكن اعتبار وجود هذه الأطر المشتركة إلغاءً للخلافات أو منح صك براءة متبادلًا للأطراف المشاركة فيها.

من هنا، فإن الادعاء بأن وجود التجمع في قائمة انتخابية تقنية يعني تبني مسار الأطراف المشاركة أو منحها الشرعية، هو استنتاج خاطئ لا يترتب منطقيًّا.

كنا نرغب أن نكون متفقين حول رؤية ومنهجية وبرنامج سياسي وطني عام، وقدمنا ورقة بهذا الخصوص، ولكن للأسف هذا غير ممكن على أرض الواقع لأسباب تتعلق برفض بعض الأطراف بناء برنامج سياسي وطني ومشترك. وبالتالي، وبالمحصلة النهائية، فإن قبول التجمع بإقامة قائمة تقنية هو المقام المشترك الأدنى الممكن من أجل إنجاز قائمة تكنس اليمين الفاشي من الحكومة، وهو مطلب جماهيري واسع لا يمكن الانزياح عنه، وهذا لا يعني أبدًا تراجع التجمع عن نقده السياسي لمواقف الموحدة أو للجبهة في الملفات المختلفة.

ثم إن النقاش نفسه يجري أحيانًا وكأننا نعيش ظروفًا سياسية طبيعية. والحال أن المجتمع العربي يواجه اليوم موجات خطيرة من انتشار الإجرام وانتقاله إلى مستوى تهديد القيادات المنتخبة في السلطات المحلية، إضافة إلى تصعيد غير مسبوق في العنصرية والتحريض ومحاولات نزع الشرعية عن العمل السياسي العربي برمته. كل هذا مع استمرار حرب الإبادة والحصار التجويعي في غزة واستفحال إرهاب المستوطنين في الضفة. في مثل هذه الظروف الصعبة يصبح البحث عن أبسط طرق الوحدة الشعبية والسياسية نقاشًا مشروعًا بحد ذاته، خاصة أن إعلان سخنين من شهر كانون الثاني/يناير يعتبر التزامًا أخلاقيًّا أمام الناس بإقامة قائمة مشتركة.

ومن هذا الباب، فإن خطوة التجمع تعتبر خطوة منطقية ومطلوبة وتعبر عن طموحات مجتمعنا ولو كانت بالحد الأدنى، وحتى لو أرادت فئات أخرى وضع العراقيل أو التنصل من التزام إقامة المشتركة بحدها الأدنى كتقنية، فإن التجمع يكون قد قدم أقصى ما يمكنه، وقد أتم التزامه الأخلاقي الذي وقع في سخنين.

السؤال الحقيقي إذًا ليس: هل توجد خلافات بين مركبات القائمة؟ فالجميع يعرف أنها موجودة وشاسعة. بل السؤال هو: هل يمنع هذا الاختلاف أي تعاون انتخابي محدود، حتى عندما تكون هناك مصلحة وطنية عامة أو رغبة شعبية واسعة وجارفة في الوحدة بهدف إسقاط مشروع اليمين؟ من خلال خطوة التجمع، فإنه يضع المصلحة الوطنية العليا كبوصلة توجهه في اختياراته ضمن الممكن سياسيًّا، خاصة أن هذه الخطوة تحفظ للتجمع رؤيته وبرنامجه، ولا تعني بأي شكل من الأشكال قبول برامج الأطراف الأخرى.

يمكن أن يختلف الناس حول الجواب. لكن من المهم ألّا نخلط بين القائمة التقنية والوحدة السياسية، ولا بين العمل الانتخابي المشترك المحدود في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة، وعلينا الانتباه إلى عدم تحميل الأمور أكثر مما تستحق أو تستدعي.

لقد سعى التجمع إلى إقامة تحالف سياسي مبني على رؤية وبرنامج مشترك، وطرح ورقتين: الأولى عامة حول تفعيل العمل الجماعي خلال سنة 2025، نوقشت مع الأحزاب وسلطات محلية وحركات سياسية وطلاب ومؤسسات مجتمع مدني وآخرين، والثانية ورقة النقاط العشر، وهدفها بناء قائمة مشتركة على أساس سياسي مشترك. من هنا، فإن موافقة التجمع على التقنية نابعة من دراسة عميقة للواقع الموجود ومن عدم وجود تحرك حقيقي باتجاه الاتفاق على برنامج سياسي متفق بين الفرقاء.

من حق من يختلف مع قرار المكتب السياسي للتجمع أن يعارضه وأن يناقش جدواه السياسية، لكن ليس من حقه أن يختزل الفرق بين القائمة التقنية والوحدة السياسية، أو أن يصور خطوة تهدف إلى الحفاظ على التمثيل السياسي العربي وتلبية مطلب شعبي واسع بالوحدة وكأنها تخلٍّ عن المبادئ أو تنازل عنها. لقد اختار التجمع أن يبقى وفيًّا لمشروعه السياسي وبرنامجه الوطني، وأن يكون في الوقت ذاته جزءًا من بناء وحدة في حدها الأدنى العربي في مواجهة أخطر حكومة عرفتها البلاد. وهذه ليست مفارقة، بل جوهر السياسة المسؤولة من حيث التمسك بالمبادئ، والعمل ضمن الممكن لتحقيق المصلحة الوطنية العامة. السياسة ليست امتحانًا في النقاء الأيديولوجي، بل القدرة والمرونة والإبداع في التمييز والتعامل بين الثابت والمتغير، بين المبدأ والأداة، وبين الغاية والوسيلة.