يمكن لنظرة سريعة على تاريخ العمل البرلماني المشترك بين الأحزاب العربية أن تؤدي بنا إلى الاستنتاج التالي بسهولة: ما يُطرح بوصفه "قائمة تقنية" هو الأسلوب المهيمن على القوائم المشتركة المُشكلة منذ عقد من الزمن، لكنه الآن سيصبح مكتوبًا ومُتّفقًا عليه على نحو مُسبق، أي مُلزم.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ففي الجوهر، لا جديد في "القائمة التقنية"، فماذا يعني أن توصي أحزاب على بني غانتس (مجرم الحرب) وترفض أخرى ذلك؟ (ربما كانت التوصية الرباعيّة هي الاستثناء الوحيد، إذ ألزم قرار المشتركة السياسي قرار مركّباتها). وماذا يعني أن تقرر الحركة العربيّة للتغيير تفكيك المشتركة حتّى "يقرر الشعب"؟ وماذا تعني كامل التجاوزات السياسية المؤسفة التي وقّع عليها النائب أيمن عودة خلال رئاسته للقائمة المشتركة؟ وماذا يعني أن تتفكك القائمة المشتركة وأن يُعاد تركيبها للمرة المئة؟ في التحليل الأخير، لم تكن القائمة المشتركة في ممارستها العمليّة أكثر من ذلك: قائمة تقنيّة.
وقد قدّمت الجبهة الديموقراطيّة للسلام والمساواة هذه الصيغة في المراحل الأولى لتشكيل أول قائمة مشتركة، باعتبار أن القائمة التي نعمل عليها هي تحالف انتخابي يتشارك فيه أعضاؤه ذات القائمة البرلمانيّة، بوصفهم قوى مناهضة للفاشيّة ويُجمِعون على إسقاط حكم اليمين في إسرائيل، دون رؤية سياسيّة موحّدة. أي، عمليًا، قائمة تقنية ولا شيء غير ذلك. التجمّع الوطني الديموقراطي هو الحزب الوحيد الذي لا يتماهى مع القائمة التقنيّة كفكرة، وهو يقبلها، بهذا المعنى، لكونها تشكّل أولًا وقبل أي شيء آليّة نوعيّة في رفع نسبة التصويت وبالتالي إقصاء الأحزاب الصهيونية من قرانا ومدننا العربيّة.
وبشكل عام، تمسّكت الأحزاب في ظل المشتركة ببرامجها السياسية وأصرّت على تمايزاتها، ولا يمكن لأحد أن يقرأ أو يذكّرنا بملامح وسمات عمليّات جماعيّة جادّة قام بها أعضاء القائمة المشتركة بوصفهم كذلك، ربّما باستثناءات بسيطة.
على المستوى السياسي، ثمّة اختلاف في التعريف، إذ ثمّة فريق يتمسّك حتّى اليوم بذاته بوصفها يسارًا إسرائيليًا، في مقابل آخر يرى ذاته جزءًا من الامتداد التاريخي للحركة الوطنيّة الفلسطينية، فيما ثمّة فريق ثالث لا يرى في ذاته هذا ولا ذلك، بل مقاولًا ومفاوض ميزانيات، وليذهب اليسار والحركة الوطنيّة إلى الجحيم.
لست هنا في صدد عرض تاريخ تشكيل القائمة المشتركة ووجهات نظر الأحزاب، لكنّ السؤال الأساس الذي يجب أن نجيب عنه بسيط للغاية: ماذا يعني قائمة تقنية تجمع بين المركّبات المذكورة أعلاه؟
إن القائمة التقنية هي عمليًا القضاء على عقد سياسي سابق كانَ هشًا ومتواضعًا، ينزف منذ سنوات بكل تأكيد. بدأ جرح هذا العقد مع التوصية على بيني غانتس. يجب أن نتذّكر ذلك، لا من باب المزاودات الحزبيّة، لكن من باب المسؤوليّة السياسية والأخلاقيّة، لكون هذه الممارسات والتغاضي عنها وعدم مراجعتها جماعيًا والاستفادة منها هو ما أوصلنا إلى ما نحن فيه. إن الإصرار العنيد على صحّة المواقف السابقة كارثة سياسية، لا يمكن في ظلّها التعاقد من جديد على مبادئ سياسية للعمل الحزبي العربي، وهي المهمّة الأولى التي يجب أن يضطلع بها مَن يستعد لذلك، في ظل القائمة التقنيّة وما بعد انتهاء غرضها. يجب أن نعترف أن ما كان قائمًا قد تفكك، وبالتالي فإن إعادة بنائه ضمن أفق المستقبل مهمّة سياسية أساسيّة.
وتعمّق الجرح أكثر مع مد منصور عباس حدود هذا المنطق إلى مداه الأقصى: لماذا نكتفي بالتوصية؟ لنذهب بالمسألة إلى نهايتها، أي لنطالب بالدخول إلى الحكومة، ولنطالب أيضًا بخدمة مدنيّة تمر عبر وزارة الأمن والحرب. ما الضير في ذلك طالما أننا نود أن نكون إسرائيليين؟ وطالما أننا نود أن ندخل في "لعبة" المعسكرات الإسرائيليّة؟
الآن، فإن الغرض من "القائمة التقنيّة"، كما تود القائمة العربية الموحّدة تسويقها، هو ببساطة شديدة أن يقوم رئيسها منصور عباس بالجلوس مع نفتالي بينيت "في دبابة في رفح"، وهذا شرط مُصرّح به من قِبَل المرشّح الأبرز في المعسكر المناوئ لنتنياهو من أجل التفاوض على الدخول إلى الحكومة؛ أن تقوم الموحدة بالجلوس في الدبابة في رفح، دون محاسبة. وقد دعا منصور عباس قبل بضعة أسابيع إلى "هدنة مناكفات". إدانة ممارسته السياسية هذه أصبحت مناكفة.
في هذا السياق، يجب أن نستدرك أمرًا أساسيًا: يمكننا أن نعدد الأسباب العمليّة وراء "عدم دخولنا إلى الحكومة" وهي موجودة، ومن المهم العمل بناءً عليها. إن جزءًا جوهريًا في علاقة الحركة الوطنيّة بأهلها هو إقناعهم بالحجة والبرهان، وليس مجرّد الوعظ والكبرياء الوطني المنفوخ. لكن ثمّة أيضًا اللغة المبدئيّة والخطاب القيمي والوطني، الذي يفيد ببساطة شديدة بكون الفلسطيني لا يدخل إلى حكومة إسرائيل. لماذا؟ لأن منطلقاته وأخلاقه وقيمه تمنعه من ذلك. يجب أن لا ندع الناس تنسى ولو للحظة أن للكرامة الوطنيّة معنى في هذا العالم، وأن للمعنى هذا فاعليّة أساسيّة في بناء مجتمعنا وتنظيمه. أي أن لكرامتنا الوطنيّة أهميّة عمليّة ولا يتمسّك بها أحد من أجل "دغدغة مشاعره الوطنيّة"، إن تحجيم الخطاب القيميّ خطأ إستراتيجي، رغم ما يتضمّنه الخطاب "التقني/ العملي" من أهميّة. أقصد أن المسألة الأساسيّة هي استدراك المُنطلقات والغايات والمبادئ التي دفعت بهذا المشروع قبل ٣ عقود، ليعيد صياغة المعجم السياسي للفلسطينيين في إسرائيل، وبالتالي، إعادة صياغة هذه المبادئ ضمن أفق المرحلة الراهنة.
بالعودة إلى موضوعنا، ولأن جلوسه في الدبابة في رفح لا يمكن أن يمر مرور الكرام، لا على "اليسار" ولا على الحركة الوطنيّة، فإن القبول بالقائمة التقنية يجري بهذا الصيغة: إرجاء النقاش السياسي الحقيقي وعدم وضع إستراتيجية عمل مشتركة للأحزاب العربية. (بالمناسبة، الجلوس في دبابة في رفح يعني الموافقة على إبادة غزّة، حيث كانت رفح "المحطّة الأخيرة" في الإبادة). الإشكاليّة هنا هي أن عدم مرور الجلوس في الدبابة في رفح مرورَ الكرام سيتضاءل حتى يصل إلى بيانات استنكار، حيث تجرّد القائمة التقنية باقي الأحزاب من أي أداة ردع، بل إنها تحديدًا هذا: كل طرف سيفعل ما يريده دون أن يملك أحد أن يحاسبه.
في الحقيقة، فإن هذه الإشكاليّة الأبرز حتّى الآن، رغم إيجابيّات «التقنيّة التعددية». الأخيرة ممثلة في كون المشتركة أصبحت قاعدة لا يمكن القفز عنها في العمل البرلماني، والثانية أنها فعلًا ستمنع سفّاحي الأسرى من تشكيل الحكومة، وهذا أمر بالغ الأهميّة، فضلًا عن خلق أزمة سياسية داخل إسرائيل بكون أي من المعسكرات لن يقدر على تشكيل حكومة في ظل رفع الحضور العربي في الكنيست. لكنّ الإشكاليّة الكامنة تتعلّق بمنح منصور عباس قدرة على حرف النقاش في كل مرة، من نقاش مبدئي يجب أن يُفرض عليه، إلى نقاش "لا تتدخلوا بنا"؛ "لقد قلنا من البداية إنها قائمة تقنية"؛ "هذه مناكفات" الخ.
حتّى المرشح الأضعف من نفتالي بينيت في استطلاعات الرأي، غادي آيزنكوت، يصرّح بكون التجنيد والصهيونيّة شرطان أساسيان من أجل القبول بالمتدينين والعرب في الحكومة. الخطورة في هذا السياق ليس فقط في الخدمة المدنيّة التي تحدّث عنها منصور عباس، بل أيضًا بكونها تمهيدًا لمنطق أوسع وأكثر خطورة، بوصفه الثمن الذي يجب على عباس أن يدفعه من أجل مزيد ومزيد من الميزانيّات. هكذا، وذبح القربان، أي العمل السياسي المشترك، سيستمر، وسيقدَّم إلى بينيت الذي سيطلب المزيد دون شك.
من الواضح أن القائمة التقنيّة هي الحل الأنسب في ظل إصرار الأحزاب الأخرى على مواقفها، رغم الإشكاليّات التي تتضمّنها. لكنّ الارتدادات التي يحملها هذا المنطق، الذي يستغني عن الاتفاق على حد أدنى من المبادئ السياسية (وهو في الواقع أمر مستحيل إثر الموقف من الدخول في الحكومة و/أو دعمها)، بل يرسّخ التنسيق الإستراتيجي بين الأحزاب في الجانب الانتخابي والعملي؛ إن ارتدادات هذا المنطق قد تتوسّع في المدى المنظور وتصبح أكثر خطورة في البعيد، وقد تجرّ معها امتحانات أكثر جديّة وصعوبة. أقصد، تمامًا كما جرّ تشكيل القائمة المشتركة وتضخّم عدد المقاعد العربية إلى سؤال التوصية على مرشّح الحكومة، وهو سؤال كانت الأحزاب "الصغيرة" يمكنها أن تتحاشاه دون محاسبة جماهيريّة، أما مع 15 مقعدًا لم يعد بإمكانها ذلك، فإن طرح القائمة التقنيّة إذا ما ترسّخ فإنه سيخلق أسئلته وامتحاناته، الأشد خطورة بكل تأكيد، وطرح الخدمة المدنيّة هذا هو مجرّد بداية. بهذا المعنى، وفي السطر الأخير، فإن المنعطف الانتخابي القادم، الانتخابات وما بعدها، يضع على المحك الخطاب الوطنيّ والقيميّ، وليس أقل من ذلك.