25/05/2026 - 13:48

كي لا تُغرينا أحاديث "التقنيّة"

في المبدأ، أطرح فكرة القائمة الوحدويّة موسّعة وليست ضيّقة، كما يتمّ الحديث عنها في العادة. موسّعة بمعنى قادرة على تمثيل قطاعات أوسع وإقناع الممتنعين بجدوى الاقتراع، وقادرة على تحقيق أربعة أهداف دفعة واحدة...

كي لا تُغرينا أحاديث

منصور عبّاس (أرشيفية - Getty)

من المؤسف أن الحديث الانتخابي أفلت من دائرة التركيز على إرادة شعبنا إلى ما يخدم منصور عبّاس ورهطه وبعض المموّلين للانتخابات في الأوساط الليبراليّة اليهوديّة هنا وفي أميركا. كنّا بصدد الحديث عن قائمة وحدويّة ـ كي لا نقول مشتركة ـ وإذ بنا بصدد قائمة تقنيّة، وهي "حبيبة" ضالّة عبّاس ورهطه. و"التقنيّة" كيان لا يخدم المواطنين الفلسطينيّين، بل يأتي على حساب مصالحهم، وسأعتبرها تطوّعًا في قبول تصوّرات اليمين الليبراليّ وخدمة له، وتنازلًا عن فرصة لتحقيق اقتدار فلسطينيّ مأمول.

أشرت، قبل أشهر، إلى التدخّلات التي يقوم بها اليمين الليبراليّ لمنع تشكيل قائمة فلسطينيّة وحدويّة. ولذلك، فهو يُغدق التمويل هنا ويمنعه هناك. أمّا فرضيّته فهي أن قائمة كهذه ستستطيع الحصول على مقاعد على حسابه أيضًا، وليس على حساب اليمين الفاشيّ فقط، وهو ما تُشير إليه الاستطلاعات المتتالية في الأشهر الأخيرة. بمعنى أنّها ستمنعه من تشكيل حكومة، ولو تفوّق على اليمين الفاشيّ. الأمر الآخر في الفرضيّة أن قائمة عربيّة وحدويّة مرفوعة الهامة ستؤدّي إلى اصطفاف اليمين الفاشيّ وتكتّله، بحيث يتقلّص الفارق في النتائج بين يمين حاكم ويمين مناهض له. كما أن القائمة "التقنيّة" ستُتيح لمنصور عبّاس، حبيبهم وحبيب إعلامهم، أن ينفصل عن جماعته ويدعم حكومة برئاستهم بدون أيّ كُلفة، وبدون قيد أو شرط. وهو ما سيُريحهم مقابل مجتمع إسرائيليّ يمينيّ حدّ الفاشيّة، ويُخفّف من غلواء الهجوم الفاشيّ عليهم.

بالمقابل، يشدّ منصور عبّاس إلى أمريْن اثنين، مصوّبًا نحو هدف واحد ووحيد، وهو أن يكون جزءًا من ائتلاف بأيّ ثمن. فالذي جعله يتوسّل إلى المستوطن دروكمان منحه حقّ الوجود هنا، يجعله مستعدًّا لكلّ شيء. وقد أثبت أنّه مُبدع في هذا، كأن يتنكّر للعلاقة بين الحركة الإسلاميّة و"الموحّدة". وكان قبلها قد تنكّر لانتمائه لشعبه وأمّته.

لقد رأيت العديد من إعلاميي اليمين الليبراليّ يشحذون أقلامهم ويدبّجون المقدّمات لهذه الأفكار. والفرضيّة من ورائها هي أن يُلغي الفلسطينيون في إسرائيل وجودهم ومواردهم السياسيّة ومعناهم كي يستعيد اليمين الليبراليّ السلطة من اليمين الفاشيّ. أن يقدّموا أنفسهم أضحية على مذبح أناس أيّدوا الإبادة والحربين على لبنان وإيران. أمّا على المستوى السياسيّ العمليّ، فلا أحد يضمن لشعبنا أن تتغيّر السياسات وتنتهي الحروب والإبادة في حال صعد بنيت ورهطه.

في المبدأ، أطرح فكرة القائمة الوحدويّة موسّعة وليست ضيّقة، كما يتمّ الحديث عنها في العادة. موسّعة بمعنى قادرة على تمثيل قطاعات أوسع وإقناع الممتنعين بجدوى الاقتراع، وقادرة على تحقيق أربعة أهداف دفعة واحدة. في الأوّل ـ الامتثال لإرادة شعبنا برؤية قيادة موحّدة وإرادة سياسيّة في زمن الإبادة والاقتلاع والتنكيل ونزع الشرعيّة والإنسانيّة عنه. فالحاجة هنا إلى تمثيل مُقاوِم يحفظ الهويّة والرواية والوجود أهمّ من الحضور في الكنيست. فالناس بحاجة إلى قيادة قويّة موحّدة تلتفّ حولها. قيادة تؤكّد على استعادة التعاضد والتضامن والصمود. وهذا أهمّ ما في القائمة الوحدويّة. في الثاني ـ المشاركة في الانتخابات هي فعل سياسيّ قليل الكُلفة وعظيم الأثر.

اعتراض اليمين الفاشيّ أو إزاحته عن سدّة الحكم هدف مُعتبر، ويُمكن لشعبنا أن يُسهم فيه، لأنّه كلّما كان عدد مقاعد القائمة الوحدويّة أكبر، كان عدد مقاعد معسكر الفاشيّة أقلّ. لكن يبقى الهدف الأوّل أهمّ. في الثالث ـ في هذه المرحلة من وهن "المركز الفلسطينيّ" والوكيل السياسيّ الفلسطينيّ عمومًا، من المهمّ تعزيز التمثيل الفلسطينيّ هنا في علاقات المجتمع بنفسه، ومهمّ بشكل أكبر في علاقته بالقاهر وبالشرط السياسيّ وبالعالم، لا سيّما الممثّليّات الأجنبيّة والمحافل الدوليّة. لا أحد يستطيع إغفال تمثيل واسع لأقلّيّة هي جزء من شعب. في الرابع ـ إرادة سياسيّة موحّدة وكتلة برلمانيّة كبيرة عاملان هامّان في توكيد وجودنا وحضورنا في حال أُقيمت حكومة وحدة يمينيّة بين أحزاب حاكمة وأحزاب معارضة. هنا أيضًا، قائمة وحدويّة تعبّر عن إرادة سياسيّة لشعب ورواية تتجاوز حديث الميزانيّات والزحف، تفعل فعل الحماية المعنويّة للناس في ظروف من التوحّش.

استكمالًا للصورة، أشير من جديد إلى الاحتمالات الانتخابيّة الأوسع لقائمة وحدويّة في حال انطلقت من فرضيّة أنّ الانتخابات ليست قدرًا، ولا هي مقولات يكرّرها رفيف دروكر أو مناصرو بنيت، بل الحملات الانتخابيّة علم ومنهجيّات تُدار بالعلم والفعل الإراديّ، أي من خلال تحديد أهداف انتخابيّة ووضع خطط لتحقيقها. وممّا قد يحقّق ذلك التفكير في بناء القائمة بشكل خلّاق وتنظيمها، بما يتعدّى عدد المقاعد وحساباتها.