25/05/2026 - 10:58

معسكر المعارضة يستعد للانتخابات دون طرح مشاريع سياسية بديلة

لم يطرح حزب "يش عتيد" ولا أحزاب المعارضة عمومًا، مشروعًا سياسيًا مغايرًا عن طرح حزب الليكود في القضايا الجوهرية، لا سيّما في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية والاحتلال، بل تبنّى إلى حدّ كبير مواقف الإجماع الإسرائيلي التي تبلورت بعد الانتفاضة الثانية

معسكر المعارضة يستعد للانتخابات دون طرح مشاريع سياسية بديلة

نفتالي بينت ويائير لبيد في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي (Getty Images)

تشهد الأسابيع الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة استعدادات الأحزاب الإسرائيلية للانتخابات المقبلة، خاصة في ظل احتمال تقديم موعدها إلى شهر أيلول/ سبتمبر بدلًا من نهاية تشرين الأول/ أكتوبر. ويبرز هذا الحراك خاصة داخل معسكر المعارضة، الذي يسعى إلى إعادة ترتيب صفوفه وتنظيم أوراقه الداخلية.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وفي هذا السياق، تبرز محاولة واضحة لحسم هوية الحزب الأكبر داخل هذا المعسكر، وبالتالي تحديد مرشحه لرئاسة الحكومة في مواجهة بنيامين نتنياهو. فقد أُعلن عن تحالف انتخابي بين رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينت ورئيس المعارضة الحالي يائير لبيد، ضمن إطار حزب "بياحاد"، بهدف أن يصبح الحزب الجديد القوة الأكبر في معسكر المعارضة، وأن يكون بينت مرشحه لرئاسة الحكومة. وفي المقابل، يسعى غادي آيزنكوت أيضًا إلى بناء تحالفات انتخابية أو إقامة تعاون مع أفيغدور ليبرمان، بهدف تعزيز موقع حزبه "يشار" في الانتخابات المقبلة، ورفع فرصه في المنافسة على رئاسة الحكومة.

إقرار بفشل أحزاب الوسط في استبدال حكم اليمين

عكست خطوة يائير لبيد ونفتالي بينت خوض الانتخابات بقائمة مشتركة برئاسة بينت، إلى جانب محاولات غادي آيزنكوت التقارب مع اليمين، إقرارًا ضمنيًا من أحزاب المعارضة بأن فرص منافسة بنيامين نتنياهو وهزيمته تبقى محدودة، ما لم يُطرح مرشح ينتمي إلى التيار اليميني.

فحزب "يش عتيد"، الذي يُعدّ أكبر أحزاب المعارضة في الكنيست الذي أُسّس عام 2012 على خلفية حركة الاحتجاجات الاقتصادية–الاجتماعية، لم ينجح منذ دخوله الكنيست عام 2013 في تقديم بديل سياسي حقيقي أو في تشكيل تهديد فعلي لاستمرار حكم اليمين وقيادة نتنياهو.

وكذلك، لم يتمكّن حزب "همحنيه همملختي" برئاسة بيني غانتس، وقبله حزب "كحول لافان"، من بلورة بديل جدي لحكم نتنياهو. ويبدو أن المسار السياسي لغانتس يقترب من نهايته، في ظل تفكك حزب "همحنيه همملختي" في الأسابيع الأخيرة، وتوقّعات استطلاعات الرأي بعدم تجاوز الحزب نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة.

المرة الوحيدة التي نجح فيها لبيد وبينت في إبعاد بنيامين نتنياهو عن رئاسة الحكومة جاءت عقب انتخابات عام 2021، عندما تشكّلت حكومة ائتلافية عُرفت بحكومة التغيير، قامت على اتفاق تناوب على رئاسة الحكومة مع نفتالي بينيت، رئيس حزب "يمينا". وقد أمكن تشكيل هذه الحكومة بفضل انضمام حزب عربي، هو الموحّدة، الذي حصل على أربعة مقاعد، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ إسرائيل من حيث المشاركة في ائتلاف حكومي، وأسهم ذلك في تأمين أغلبية برلمانية بلغت 62 مقعدًا.

ولم يطرح حزب "يش عتيد" ولا أحزاب المعارضة عمومًا، مشروعًا سياسيًا مغايرًا عن طرح حزب الليكود في القضايا الجوهرية، لا سيّما في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية والاحتلال، بل تبنّى إلى حدّ كبير مواقف الإجماع الإسرائيلي التي تبلورت بعد الانتفاضة الثانية، بما في ذلك رفض إقامة دولة فلسطينية، ومعارضة الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 أو تفكيك المستوطنات، إلى جانب دعم بقاء القدس الموحّدة عاصمة لإسرائيل، ورفض حق العودة.

وقد حدّد حزب "يش عتيد" العلماني رؤيته لهوية الدولة منذ عام 2013، مؤكدًا أنه "يؤمن بأن إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية بروح تصور أنبياء إسرائيل، وبحقه في العيش في دولة ذات أغلبية يهودية ضمن حدود آمنة وقابلة للدفاع". وأضاف الحزب أن "من واجب دولة إسرائيل أن تكون مركزًا للشعب اليهودي، وأن ترعى شؤون كل يهودي يتعرض للاضطهاد بسبب يهوديته في أي مكان في العالم".

ومع ذلك، يتمثّل الفارق الأساسي بينه وبين "الليكود" في مواقفه من قضايا داخلية محددة، أبرزها دعوته إلى تجنيد طلاب المعاهد الدينية للخدمة العسكرية، وطرحه موقفًا نقديًا من نفوذ الأحزاب الحريدية، ورفضه لما يعتبره "ابتزازًا ماليًا" عبر الاستمرار في تخصيص ميزانيات كبيرة للمجتمع الحريدي.

استبدال حكم اليمين بحكم يميني آخر

دخل نفتالي بينت الكنيست لأول مرة في انتخابات عام 2013، حين ترأس حزب "هبايت هيهودي" اليميني، وطرح منذ ذلك الحين برنامجًا سياسيًا يندرج، إلى حدّ بعيد، ضمن توجهات أحزاب اليمين الديني. فعلى سبيل المثال، نصّ برنامج الحزب آنذاك على أن دولة إسرائيل هي "دولة الشعب اليهودي وفق الوعد الإلهي"، وأنها "دولة يهودية ذات نظام ديمقراطي". كما أكّد الحزب أنه سيعمل على تعزيز وترسيخ الطابع اليهودي للدولة، ومواجهة أي محاولات لإعادة تعريفها أو تحويلها إلى "دولة لجميع مواطنيها".

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، رفض بينيت إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية كحلّ للصراع، واعتبر أن الحلول السياسية المطروحة، سواء عبر "حل الدولتين" أو من خلال ضم الضفة الغربية وسكانها، غير عملية وقد تشكّل تهديدًا لمستقبل إسرائيل. ووفقًا لبرنامج الحزب، فإن "المساحة بين النهر والبحر هي موطن لدولة إسرائيل فقط". وانطلاقًا من هذا التصور، طرح بينت ما وصفه بخطة "التهدئة" عام 2012، التي تشمل ضمّ مناطق (ج) إلى إسرائيل، ومنح الفلسطينيين في المناطق ذات الكثافة السكانية شكلًا من أشكال الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية، دون إقامة دولة مستقلة. كما أولى الحزب أهمية كبيرة لدعم وتوسيع الاستيطان في مختلف أنحاء ما يُسمّى "أرض إسرائيل".

تحالفات جديدة بلا مشاريع سياسية

لا يقدّم التحالف الجديد بين بينت ولبيد برنامجًا سياسيًا يُشكّل بديلًا حقيقيًا لمشروع "الليكود" واليمين الحاكم، بل يكتفي بطرح رزمة من البنود الإجرائية–التقنية بوصفها برنامجًا انتخابيًا. ومن بين هذه البنود: التعهّد بعدم تشكيل حكومة مع بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير؛ إقامة ائتلاف يستند إلى أحزاب صهيونية فقط؛ اعتماد نظام "السباعيات" في توزيع المقاعد بين الحزبين، بحيث يحصل بينت على أربعة مقاعد مقابل ثلاثة للبيد في كل مجموعة؛ الالتزام بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر؛ وتحديد مدة ولاية رئيس الحكومة.

كذلك يقدم غادي آيزنكوت في البرنامج السياسي لحزب "يشار" بنودًا سياسية تعبر عن الإجماع الإسرائيلي ولا تعرض أي بديل جوهري لطرح حزب "الليكود". فمن بين أهداف الحزب، كما تَرِد في موقع مسجّل الأحزاب: ضمان وجود دولة إسرائيل كبيت قومي للشعب اليهودي مع الحفاظ على طابعها كدولة يهودية وديمقراطية بروح وثيقة الاستقلال؛ تعزيز الأمن القومي وترسيخ مكانة إسرائيل كدولة قوية ذات مكانة إقليمية، تسعى إلى إبرام اتفاقيات سلام وتعاون مع جميع دول المنطقة استنادا الى قوة عسكرية واقتصادية؛ ترسيخ التعليم الرسمي ومنحه الأولوية كأساس لعمليات عميقة تهدف إلى ترميم ورأب التصدع في المجتمع؛ تعزيز الجيش الإسرائيلي وضمان أن يخدم كل مواطن ومواطنة في الدولة خدمة عسكرية أو وطنية وفق ما يُحدَّد وبموجب أطر تُقرّ في قانون "خدمة للجميع"؛ سنّ دستور يقوم على دمج مبادئ وثيقة الاستقلال والقوانين الأساسية القائمة، وإضافة قانون أساس للتشريع ينظّم منظومة الضوابط والتوازنات بين سلطات الحكم بحيث تكون الكنيست صاحبة السيادة، وتكون الحكومة قادرة على الحكم والتنفيذ، فيما تكون السلطة القضائية قوية ومستقلة؛ تنمية مناطق الأطراف وتقليص الفجوات الاجتماعية بما يضمن لجميع الإسرائيليين تكافؤ الفرص، والمساواة في الحقوق والواجبات، وتمكينهم من تحقيق طاقاتهم الكامنة.

يوضح تحالف بينت–لبيد وكذلك برنامج آيزنكوت أن معسكر المعارضة، الذي يضم أطرافًا من اليمين التقليدي ووسط–يمين إلى جانب ما تبقى من حزب اليسار الصهيوني، بات مقتنعًا أن استبدال حكم "الليكود" وبنيامين نتنياهو لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حزب ومرشح لرئاسة الحكومة ينتميان أصلًا إلى التيار اليميني. وتأتي هذه القناعة في سياق التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي منذ العام 2009 مع عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم، ولا سيّما في أعقاب أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث اتجهت غالبية المجتمع نحو تبنّي مواقف اليمين واليمين المتطرف، خصوصًا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومسألة الاحتلال.

تشير استطلاعات الرأي التي نُشرت في القنوات الإسرائيلية الثلاث نهاية الأسبوع الماضي إلى أن تحالف بينت–لبيد، الذي يخوض الانتخابات تحت اسم "بياحد" (معًا)، يحصد حاليًا ما بين 26 و27 مقعدًا، وهو عدد أقل من مجموع ما كان يحققه كل حزب على حدة حتى الآن. وفي المقابل، لا تزال أحزاب المعارضة مجتمعة تحصل على نحو 56–58 مقعدًا في مختلف الاستطلاعات، ما يعني أنها غير قادرة على تشكيل ائتلاف حكومي بمفردها، من دون دعم حزب عربي واحد على الأقل، أو انتقال أحد أحزاب معسكر الائتلاف الحاكم الحالي إلى دعم المعارضة بعد الانتخابات.

وبذلك، يمكن القول إن تحالف بينت-لبيد وخطوات آيزنكوت تحمل دلالات متعددة على طبيعة المشهد السياسي الإسرائيلي، وعلى وضع معسكر المعارضة على وجه الخصوص. خاصة سعي أحزاب المعارضة إعادة ترتيب الصفوف، ورفع المعنويات داخل هذا المعسكر، ومحاولة للحدّ من التشرذم الداخلي، ومحاولة إبراز شخصية مركزية واحدة لقيادة معسكر المعارضة لتكون منافسة لنتنياهو، فإما أن ينجح بينت بفرض قيادته على معسكر المعارضة، وإما أن تستمر المنافسة الداخلية بينه وبين آيزنكوت.

غير أن خطوات أحزاب المعارضة لم تُفضِ، حتى الآن، إلى إحداث تغيير جوهري في موازين القوى بين معسكر الائتلاف الحاكم ومعسكر المعارضة، إذ لا تُظهر استطلاعات الرأي الحالية حسمًا واضحًا لصالح معسكر المعارضة.

والسؤال المطروح حاليًا في إسرائيل هو ما إذا كان التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، في حال حدوثه، ووقف الحرب على لبنان، سيؤثران في معطيات استطلاعات الرأي العام، وما إذا كانت الحرب التي سعى بنيامين نتنياهو إلى توظيفها لحسم المعركة الانتخابية قد تحوّلت إلى عبء سياسي يهدد مستقبله في الانتخابات المقبلة.