29/05/2026 - 11:19

السياسة العربيّة من الانتظار إلى الاقتدار

هناك حاجة إلى قراءة استراتيجيّة أوسع وإلى فعل استراتيجيّ أوسع من الفعل الحزبيّ. في هذه الحالة يصير الشعب هو إطار التفكير والقراءة والفعل وليس الحزب.

السياسة العربيّة من الانتظار إلى الاقتدار

لقاء سابق بين قادة الأحزاب الأربعة لتشكيل القائمة المشتركة (أرشيف عرب 48)

الانتخابات - أيّ انتخابات - هي مناسبة مُثلى للحديث عن السياسة وفيها. في هذا الإطار تأتي مادتي هذه لمناسبة الانتخابات بيد أنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد منها كحدث وزمن وقضايا. وفرضيّتي أن الفعل السياسيّ بحاجة إلى مراجعة دائمة كي يحفظ حيويّته وجدواه. وقد سرّني أن تقوم الأطر السياسيّة الفاعلة وإلى جانبها جماعات المجتمع المدني بهذه المراجعات. ومادتي هنا تندرج في هذا الإطار خاصة وأنني أتابع معظم ما يتمّ في هذا الباب. لن أناقش هنا أطروحات هذه الأطر ولا أداءها بل سأقصر حديثي على ما أعتبره تموضعًا من جديد في السياق. وهو تموضع يوجب القيام بعدّة انتقالات "من" "إلى" كشرط لتثمير القدرات وتحويل السياسة إلى مورد فاعل أكثر مما هو مهدور. ولغرض التيسير أورد الأفكار متسلسلة وعلى شكل فقرات مستقلّة تأتي كلّ فقرة على حركة انتقال واحدة.

- من "استهلاك" السياسة إلى "إنتاجها"؛ هذا يعني الخروج من أسر سياسة ردّ الفعل على الشرط القائم ومعطياته والسعي إلى التأثير فيه عبر فعل محسوب. صحيح أن مبنى القوة القائم هو على ما هو، ومع هذا يُمكن تحدّيه بفعل سياسيّ محسوب. ردّ الفعل يعني أن ننشغل بما يصنعه الآخر على مؤسّساته و"سياساته" ونحصر كلّ فعلنا في هذا الموضع والتنازل عن فكرة المبادرة. فالتصرّف الانتخابيّ على أساس توقّعات الآخرين و"استطلاعاتهم" و"مصالحهم" هو شكل جليّ للاستهلاك وكذلك القبول الضمنيّ بنتائج سياسات التفرقة والتفتيت. أمّا "الإنتاج" فهو هو الفعل الذي يغيّر المعادلة. قائمة وحدويّة هنا هي أضعف الإيمان.

- من "التأثير من الداخل" إلى التأثير الحقيقيّ؛ هناك وهم زرعته المؤسّسة عبر عقود عن إمكانية التأثير من الداخل (أوهام منصور عبّاس) ويجسّد إنتاجها للمفاهيم السياسيّة واستهلاكنا لها. يكفي أن أشير إلى إمكانيّة شطب "موحّدة" منصور عباس أو شطب كل الأحزاب العربيّة كي تسقط هذه الفكرة وما يرتبط فيها من وهم. التأثير الحقيقي في حالة شعب البلاد، في حالة استعماريّة، هي التأكيد على هويّته وروايته وشكل انتظامه وإيمانه بعدالة قضيّته، لا بأوهام المُستعمِر. الذي يتحدّث عن "التأثير من الداخل" في ظلّ الإبادة والاقتلاع، إمّا أنه أعمى أو هو مخادع.

- من "التكتيكيّ" إلى "الاستراتيجي"؛ لا يُمكننا في ظلّ الإبادة والاقتلاع والتطهير العرقيّ والحروب المستمرّة مواصلة الاكتفاء بأيديولوجيّات حزبيّة منفردة، ولا بالركون إلى "قُدرات" الحزب والإطار الواحد في ردّ الأذى و"دفع المضار" - هناك حاجة إلى قراءة استراتيجيّة أوسع وإلى فعل استراتيجيّ أوسع من الفعل الحزبيّ. في هذه الحالة يصير الشعب هو إطار التفكير والقراءة والفعل وليس الحزب.

- من الإرادات الحزبيّة إلى الإرادة الجامعة؛ الحزب "وكيل" مهمّ في السياسة، وغالبًا ما يكون له مقولة ورؤى. سيكون هذا طبيعيّ أن تشترك أحزاب ورؤى مختلفة في بناء الاجتماع وإغنائه. أمّا في شرط الإبادة والعيش على زمن مُستقطع وفي ظلّ خطر وجوديّ، فعلينا أن نُدرك أن التعدّدية المُستحبّة في ظروف "الوساع" تصير ترفًا وهروبًا من إلحاح إنتاج الإرادة الجامعة على أساس التفرّغ بالكامل لمواجهة الخطر من خلال تمكين الجماعة بهويتها وروايتها وتضامنها الداخليّ وتنظيمها. الإرادة الجامعة قد تبدأ بقائمة وحدويّة لغرض الانتخابات، ويتمّ تطويرها وتعميقها وتثبيتها كمدخل لحالة انتظام استراتيجية لمواجهة حالة "انتهاء السياسة" وبداية شيء آخر.

- من التمويل في سوق السياسة إلى التمويل الذاتيّ؛ وهو انتقال ضروريّ كي تأخذ السياسة عندنا شكلها المستقلّ والمُنتج. أقول هذا وأعرف بالتفاصيل جهد أوساط التمويل في فرض قائمتيْن عربيّتيْن بدل قائمة وحدويّة. لست ساذجًا كي أفترض وجود سياسة من دون مال وتمويل. وأقترح النموذج الممداني - إذا صحّ التعبير - الذي اعتمد على تمويل بمبالغ محدودة من عدد كبير من الناس والمناصرين. وهو ما يجرّبه حاليًا حزبان في بريطانيا، حزب الخُضر وحزب كوربن الجديد. سيمنحنا هذا عنفوانًا أكبر وقدرة واسعة على التصرّف السياسيّ. سأشير هنا إلى تجربة خاضها الحزب الشيوعي بقيادة إميل حبيبي في بداية الثمانينيّات حينما أطلق حملة مالية ناجحة لتمويل شراء مطبعة "الاتحاد" (نصف مليون دولار)، عشيّة إصدار "الاتحاد" صحيفة يوميّة.

- من "الانتظار" إلى "الاقتدار"؛ وهذا يعني عدم الركون إلى القدر أو إلى "قوى خارجيّة" أو إلى "حلّ القضيّة" كي يحدث هنا انفراج ما في الوضع. وهذا يعني عدم المراهنة على نفتالي بينيت ولبيد أو غولان واحتمالات فوزهم في الانتخابات كي تحصل المعجزة. فالإبادة والسياسات المشتقّة منها لا تترك لهم أيّ مفرّ سوى أن يكونوا فلسطينيّين. والفاشية الإسرائيليّة الفاعلة الآن بقوّة لا تقبل منهم أيّ "تشاؤل"، فإمّا الخضوع أو الرحيل، إمّا الحضور أو الغياب. الاقتدار في هذه الحالة هي الحضور والصمود وفي أساسه تأكيد الهويّة والرواية والحقّ. وهذا ممكن بعمل سياسيّ مدروس وجماعيّ.