31/05/2026 - 11:39

العدمية والمفارقة في التخطيط لـ"حظر" الإسلامية الجنوبية

ما يجري في جوهره يعكس مفارقة تراجيدية: حركة فلسطينية اختارت أن تكون جزءًا من لعبة القوة داخل النظام الاستعماري، وأن تنخرط في التنافس بين أجنحته الفاشية بحجة خدمة مجتمعها، انتهت إلى اكتشاف أن هذا النظام لا يقبل حتى شركاءه المؤقتين

العدمية والمفارقة في التخطيط لـ

منصور عباس (Getty)

من مفارقات المشهد الإسرائيلي، بل من أكثر تجلياته سريالية وفجاجة وعدمية، أن تعمل حكومة نتنياهو - سموتريتش - بن غفير، التي تمثل الوجه الأكثر صراحةً للمشروع الصهيوني في طوره الفاشي الراهن، على التخطيط لإخراج الحركة الإسلامية الجنوبية عن القانون.

لا يرجع هذا التخطيط إلى كون الحركة تتحدى يهودية الدولة، أو تتصدى لعدوان المستوطنين على المسجد الأقصى، أو تشكل خطرًا حقيقيًّا على البنية الاستعمارية الإسرائيلية؛ إذ لم تعد هذه القضايا جزءًا من أجندتها. بل يعود ببساطة إلى أنها اختارت التموضع في أحد المعسكرين السياسيين اليمينيين المتنافسين داخل المنظومة الصهيونية نفسها، وتحالفت مع الجناح اليميني الاستيطاني المعارض بقيادة اليميني المتطرف نفتالي بينيت، بدلًا من الائتلاف الحاكم.

إنها مفارقة تكشف طبيعة النظام الإسرائيلي ذاته؛ فالعقاب هنا لا يقع بسبب موقف وطني أو مقاوم، بل بسبب سوء التموضع داخل معركة إسرائيلية داخلية على السلطة؛ أي على مَن يدير، بكفاءة أعلى وكلفة سياسية أقل، منظومة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتمييز العنصري بحق الشعب الفلسطيني، ومن ينجح في تخفيف أثمانها الداخلية والخارجية.

شرعية مفقودة وتآكل أخلاقي

ومع ذلك، فإن هذه الملاحقة، على خطورتها وعبثيتها، لا تمنح الحركة الإسلامية الجنوبية تلقائيًّا شرعية وطنية افتقدتها، بفعل ممارسات قيادتها المتنفذة خلال السنوات الماضية. فالمسألة تتعلق بالمسار الذي اختارته الحركة طوعًا، والذي أفضى إلى تآكل مكانتها الوطنية والأخلاقية، ووضعها في مرمى التشكيك. لذلك، فإن التعامل مع هذه "الملاحقة" بوصفها شهادة شرف أو دليلًا على صوابية النهج، ينطوي على قدر كبير من التبسيط، بل ومن التضليل السياسي.

ويذكرنا هذا بنموذج التعامل الإسرائيلي مع سلطة رام الله؛ فحيث تظل نظرة الائتلاف الصهيوني الحاكم إليها نظرة عدم ارتياح، على الرغم من تمسكها العنيد بالتنسيق الأمني، ورغم النظرة الإيجابية لأجهزة أمن الاحتلال لدورها في الحفاظ على أمنه. ولم تصل هذه السلطة وحزبها الحاكم إلى هذا الوضع في لحظة فجائية، بل كان ذلك نتاج مسار تنازلي تدريجي طويل، تراخت في مقاومته قوى وطنية ونخب مثقفة منذ البداية، وهي اليوم، ومعها الشعب الفلسطيني، تدفع أثمانًا بالغة جراء ذلك.

إن ما يجري في جوهره يعكس مفارقة تراجيدية: حركة فلسطينية اختارت أن تكون جزءًا من لعبة القوة داخل النظام الاستعماري، وأن تنخرط في التنافس بين أجنحته الفاشية بحجة خدمة مجتمعها، انتهت إلى اكتشاف أن هذا النظام لا يقبل حتى شركاءه المؤقتين إلا ضمن شروط الإذعان الكامل، وأنه مستعد للتخلص منهم متى انتفت الحاجة إليهم أو غيّروا تموضعهم. ومع ذلك، لا تلوح في الأفق أي نية للمراجعة أو لحساب الذات من قبل قيادة هذه الحركة.

والأخطر من ذلك، أن هذا المسار لم يكن مجرد خيار تكتيكي عابر، بل عبّر عن تحوّل سياسي وفكري يتناقض بصورة صارخة ومشينة مع التجربة السياسية الفلسطينية داخل أراضي الـ48، ومع التراكم الوطني الذي بدأ يتبلور منذ سبعينيات القرن الماضي. فحينها نجح فلسطينيو الداخل، رغم القهر البنيوي وشروط المواطنة الاستعمارية، في بناء معادلة دقيقة توازن بين الانخراط المدني والتمسك بالهوية الوطنية الجماعية والانتماء للشعب الفلسطيني، على الرغم مما اعتور هذه التجربة من تناقضات وتعثرات.

رسائل العتاب وجذور الإخفاق

عشية انتخابات الكنيست عام 2022، بعثت إليّ إحدى الشخصيات المهمة المؤسسة للحركة الإسلامية رسالة داخلية حملت قدرًا كبيرًا من العتب، على خلفية مقال كتبتُه انتقدتُ فيه هذا النهج الانحرافي. وكنت قد قارنتُ في ذلك المقال بين تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي، الذي وقّع رئيس حكومته (سعد الدين العثماني) آنذاك اتفاقية التطبيع مع إسرائيل وتلقى على إثرها ضربة ساحقة في الانتخابات الوطنية، وبين الأداء السياسي للحركة الإسلامية الجنوبية داخل الخط الأخضر. وقد كنت أسمع مباشرة من قادة في الحركة الإسلامية الجنوبية، ربطتني سابقًا علاقات قوية بهم، تأثر الحركة بالمدرسة الفكرية لهذا الحزب المغربي، التي تميزت بالانفتاح الاجتماعي الإيجابي، ولكن ببراغماتية مبتذلة، متهافتة سياسيًّا وقوميًّا، تجلت في عقد تحالف مشين مع نظام الأبرتهايد الاستعماري.

بعد ردّ هادئ ومطوّل على رسالة العتاب، حاولتُ أن أوضح أن ما يثير القلق لا يقتصر على الضرر الذي قد يلحق بالحركة الإسلامية نفسها أو بمكانتها الشعبية، بل يتجاوز ذلك إلى انعكاساته الأوسع على موقع الفلسطينيين داخل إسرائيل: على هويتهم الجماعية، ووعيهم السياسي، ومنظومة الحقوق الوطنية التي جرى انتزاعها بصعوبة عبر عقود من النضال والصمود والتنظيم. وتلقيتُ آنذاك ردًّا هادئًا ومشجعًا نسبيًّا، تضمّن وعدًا من صاحب الرسالة ومعه مجموعة من المعارضين داخل الحركة، بمواصلة العمل لتصحيح المسار وإسقاط هذا النهج من الداخل.

لكن ما حدث لاحقًا كان معاكسًا تمامًا؛ فلم يقتصر الأمر على استمرار النهج نفسه، بل ازداد رسوخًا وتكرّس بصورة أكثر وضوحًا، كما بدا في مؤتمر الحركة الأخير قبل أشهر. ولا زلت أحتفظ بالرسالة، ولم أستخدمها في الانتخابات السابقة، ولن أستخدمها في أي انتخابات مقبلة، تجنبًا للإحراج، واحترامًا للصراحة التي انطوت عليها، وتعويلًا على إمكانية مساهمة هذه الشخصية وغيرها في مراجعة ممكنة في المدى القريب.

وقد تساءلت كثيرًا عن مواصلة الإيغال في هذا النهج: هل يعود إلى غياب ميزان قوى داخلي قادر على المواجهة أم إلى عجز تنظيمي وسياسي؟ أم إلى نوع من الاستسلام التدريجي لمنطق القيادة المتنفذة والتكيّف مع خياراتها، رغم ما تنطوي عليه من أضرار سياسية وأخلاقية ووطنية؟ لاحقًا، سمعت من قيادي آخر أكنّ له الاحترام، بادرت إلى لقائه، وهو أكثر وضوحًا وحزمًا في نقده للقيادة ولنهجها، أن هذا النهج لا يزال يحظى بالأغلبية داخل مؤسسات الحركة، الأمر الذي يفسر هذا الاستعصاء في إصلاح هذا الخلل البنيوي والأخلاقي.

وهم البراغماتية والتطبيع العربي

في الواقع، لم يكن هذا النهج الانحرافي مفاجئًا بالكامل؛ فقد حاولنا، نحن وغيرنا، تفسير الشروط العميقة التي مهدت له اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا. إذ لا تنشأ مثل هذه الانعطافات من فراغ، بل تتغذى من واقع مركّب: من الإحباط المتراكم، وضغوط الحياة اليومية، ومحدودية الأفق السياسي للقيادات، ومن نزعات براغماتية قصيرة النظر. هذه البراغماتية تتحول تدريجيًّا من مرونة مطلوبة وشرعية إلى وسيلة للتكيّف، ثم إلى انفصال كامل عن الرؤية الوطنية ذاتها. إن البراغماتية حين تنفصل عن البوصلة الوطنية، تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة داخل شروط الهيمنة، لا إلى سياسة قادرة على تغيير موازين القوى أو حماية الجماعة الوطنية. والأسوأ أنها تنتهي إلى إنتاج خطاب يبرر الاندماج المشروط في النظام القائم، بدلًا من مواجهته أو تحدّي أسسه العنصرية والاستعمارية.

بهذا المعنى، لا يبدو هذا النهج معزولًا عن سياق عربي أوسع اتخذ أشكالًا متعددة خلال العقود الماضية: من كامب ديفيد إلى وادي عربة، ومن أوسلو إلى موجة التطبيع الجديدة مع أنظمة الإمارات والمغرب والبحرين، التي لم تكتفِ بالتطبيع بل انتقلت إلى التحالف الأمني مع نظام الأبرتهايد الإبادي. وصحيح أن لكل تجربة سياقها الخاص، لكن ثمة قاسمًا مشتركًا بينها جميعًا: وهمُ الاعتقاد بأن التكيّف مع ميزان القوة الإسرائيلي - الأميركي، أو تقديم التنازلات السياسية، يمكن أن يضمن الاستقرار أو يفتح أبواب الشراكة العادلة، هكذا هو التبرير الرسمي، لكن الهدف الحقيقي هو الحفاظ على عروش حكامها.

لكن التجربة أثبتت، مرة بعد أخرى، ومن خلال ما تجلى خلال حرب الإبادة، أن إسرائيل لا تنظر إلى هذه العلاقات باعتبارها شراكة متكافئة، بل كأدوات لتعزيز تفوقها الإقليمي، وتطبيع نظام الهيمنة الذي تفرضه على الفلسطينيين، وتحويل المنطقة إلى فضاء أمني - اقتصادي يدور في فلكها، فيما يظل الشعب الفلسطيني، ومعه الشعوب العربية، يدفعون الثمن الأكبر من الأرض، والحقوق، والكرامة، والمستقبل.

معادلة البقاء والهوية في الداخل

ندرك تمامًا مدى تعقيد الواقع المركّب لفلسطينيي الـ48، وحدود إمكانياتهم وقدراتهم في مواجهة دولة قامت على أنقاض شعبهم، ونجحت عبر عقود طويلة في تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وفرض منظومة متكاملة من القمع والاحتواء والتفريق بوصفها أدوات دائمة للسيطرة وإدارة السكان الأصليين. كما ندرك أن المواطنة الإسرائيلية، بفعل الزمن وغياب أي تحوّل عربي أو إقليمي قادر على كسر بنية التفوق الإسرائيلي، تحولت إلى علاقة مركّبة ذات أبعاد معيشية وقانونية وسياسية يصعب تجاوزها أو التعامل معها بخفة شعاراتية.

ولهذا، فإن تجربة فلسطينيي الداخل لم تتشكّل باعتبارها نموذجًا مثاليًّا أو مكتملًا، بل بوصفها محاولة تاريخية معقّدة لاجتراح معادلة صعبة: كيف يمكن التوفيق، بالحد الأدنى الممكن من الخسائر، بين متطلبات البقاء الفيزيائي والعيش الكريم، وبين الحفاظ على الهوية الجماعية والالتزام بالقضية الوطنية والانتماء إلى الشعب الفلسطيني، وإبقاء الأفق مفتوحًا نحو مستقبل في وطن منزوع الكولونيالية المتوحشة لعموم شعبنا الفلسطيني؟

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبرز خطورة النهج الذي تمارسه الحركة الإسلامية الجنوبية اليوم؛ فالمسألة لا تتعلق بخلاف سياسي عابر أو باجتهاد مختلف في قراءة الواقع، بل باحتمال تقويض الأسس السياسية والمعنوية التي شيدتها التجربة الفلسطينية الخاصة داخل أراضي الـ48 على مدار عقود. وهو ما يفتح الباب، خصوصًا في ظل موجة التطرف والتغوّل الإسرائيلي غير المسبوقة، أمام المزيد من تجريف الوعي السياسي داخل قطاعات شعبية متزايدة، وأمام إعادة تعريف العلاقة مع الدولة الاستعمارية بمنطق التكيّف، لا بمنطق الصراع الديمقراطي التحرري.

أما الأمر الأكثر خطورة، فهو الإصرار الذي تبديه "الإسلامية الجنوبية" لانتزاع شرعية من القوى السياسية الأخرى، وعدم اكتفائها بالتنازل الذي قدمته هذه القوى بالقبول بها شريكًا في القائمة المشتركة. ويتساءل كثيرون من مؤيدي القوى السياسية الأخرى عن جدوى الخضوع لمحاولات الابتزاز التي تمارسها الإسلامية؛ لسان حالهم يقول: كيف يقبلون الشراكة معها وهي تصر على النهج ذاته؟ لأن التساهل مع هذا النهج وتبريره قد يؤدي إلى تفريغ الحركة الوطنية، على اختلاف تلاوينها الأيديولوجية داخل الخط الأخضر، من معناها ودورها في حماية الهوية والحضور السياسي التحرري؛ إذ قد يستفيق الجميع يومًا ما وقد استفحل هذا النهج وتجذر على حساب الحركة الوطنية وتوجهاتها، وما حصل بعد أوسلو دليل صارخ.

نحو فضاء وطني تحرري جديد

على كلٍّ، يبقى واضحًا أن هذا الجزء من شعبنا، كما بقية تجمعات الشعب الفلسطيني، يتوق إلى صيغة من الوحدة الوطنية الجامعة القادرة على الجمع بين متطلبات الحاضر والمستقبل، وبين الحاجة إلى الحماية اليومية وعدم التخلي عن الأفق التاريخي. ومن هنا يمكن فهم الحنين الشعبي المتكرر إلى تجربة القائمة المشتركة، لا بوصفها إنجازًا مكتملًا أو خاليًا من العيوب، بل باعتبارها تعبيرًا عن حاجة الناس إلى الشعور بالقوة الجماعية، وإلى وجود مظلة سياسية تمنحهم قدرًا من الحماية والتمثيل والكرامة.

ولهذا تجد القوى السياسية الوطنية نفسها، في كثير من الأحيان، تحت ضغط شعبي يدفعها نحو صيغ وحدوية حتى وإن لم تكن مقتنعة بها بالكامل، خصوصًا وأن الناس تشعر بخطر وجودي متمثل في القمع السياسي من فوق، ونشر الفوضى من تحت من خلال رعاية الإجرام المنظم الذي بات خطرًا وجوديًّا. لكن الإكراه السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتبييض الخيارات الخاطئة، أو منح شرعية مجانية لمسارات ثبت فشلها وخطورتها.

إن القوى المختلفة مع هذا النهج مطالبة اليوم بأكثر من مجرد النقد اللفظي أو تسجيل المواقف؛ فهي مطالبة، أولًا، بالكفّ عن المجاملات السياسية التي تمنح أصحاب هذا المسار شرعية لا يستحقونها. ومطالبة، ثانيًا، بالانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، عبر بناء فضاء وطني أوسع، وتشبيك العلاقة بين مختلف القوى الوطنية، بما فيها قوى المقاطعة، على قاعدة مشروع سياسي واضح ومتماسك.
ويتطلب ذلك إعادة الاعتبار إلى خطاب وطني تحرري، واضح ومتزن، يخاطب الناس بلغة مسؤولة لا شعاراتية، ويوازن بين تعقيدات الواقع وعدم الاستسلام له؛ خطاب يرفض العزلة السياسية من جهة، ويرفض الذوبان والتكيّف مع شروط الهيمنة من جهة أخرى. كما يتطلب توسيع القاعدة الشعبية والمثقفة الحاضنة لهذا التوجه، بحيث يتحول من مجرد موقف احتجاجي خجول ومتردد، إلى قوة مجتمعية قادرة على التأثير في الوعي العام، وفي اتجاهات العمل السياسي الفلسطيني داخل إسرائيل، والمشاركة في رسم تصوّر تحرري شامل للشعب الفلسطيني.

فالرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، لا يكمن في تحسين شروط الاندماج داخل واقع استعماري يزداد تطرفًا ووحشية، بل في حماية المعنى الوطني للوجود الفلسطيني نفسه، ومنع انزلاقه التدريجي نحو أشكال من التكيّف السياسي التي قد تبدو براغماتية في لحظتها، لكنها تُفضي على المدى البعيد إلى تآكل الهوية الجماعية، وتفكيك المجتمع، وإضعاف القدرة على الفعل السياسي الوطني.