تعرضت التظاهرة ضد الجريمة في الجديدة المكر، التي كانت قد أقرت السبت قبل السابق، لانتقادات كثيرة أكثرها جلد للذات، وهذا الجلد يتفاقم كلما كان الضحايا في منطقة شعورية وعاطفية حساسة مثل الطفلة ليلى جهجاه من عرعرة، إضافة إلى ضحايا كثيرين لا ناقة لهم ولا بعير في الجريمة.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
قد يكون جلد الذات المفرط في كثير من الأحيان تعبيرًا عن حجم خيبة الأمل، ولكنه في الوقت ذاته يؤكد على أن الأمل كبير.
فعندما تتحول أخبار القتل إلى مشهد مألوف في نشرات الأخبار، يخيّل للبعض أن مجتمعنا قد تفكك، وأنه لم يعد قادرًا على الاستمرار كمجتمع متماسك أو كشعب يمتلك مناعة داخلية. لكن هذا الاستنتاج، على الرغم من استناده إلى وقائع مؤلمة ومقلقة، لا يعكس الصورة كاملة.
لا شك أن مجتمعنا يواجه أزمة عميقة وتحديات خطيرة؛ فالجريمة المنظمة باتت تهدد حياة الناس وأمنهم، ولا تستثني منهم أحدًا، وأصبحت المجالس المحلية والبلديات ومنتخبو الجمهور عرضة للابتزاز والضغوط، وهذا ما ينعكس على واقع العمل البلدي المتعثّر، والمشاريع التي لا تنتهي، وأخرى تشل حركة الناس.
وما كان لهذه الظاهرة أن تبلغ هذا المستوى لو قامت السلطات بواجبها كما ينبغي.
يزيد من هذا الشعور السلوك الاستفزازي لما يسمى وزير الأمن القومي، الذي يكثر من جولاته الاستعراضية في القرى والمدن العربية، لكسب المزيد من التأييد لدى الأوساط الأكثر تطرفًا في المجتمع الإسرائيلي من خلال إظهار بطولاته وغزواته، رغم أنه تلقى بهدلة وإهانات في بعضها كما حدث في طوبا الزنجرية قبل أيام، عندما استقبل بهتافات "انقلع من هنا".
يأتي هذا مكملا لسياسة خنق البلدات العربية، داخل مساحات محدودة جدا من الأرض، لتتحول إلى واقع من الاكتظاظ والاختناق وغياب فرص التطور الطبيعي.
يمتد هذا الهجوم على شعبنا إلى محاولات ربط الحقوق الأساسية بما يسمى الخدمة المدنية أو العسكرية، بل إن جهات تُقدَّم على أنها جزء من المعارضة تتبنى هي الأخرى خطابًا يهدد بحرمان من لا يؤدي هذه الخدمة من حقوقه الأساسية، وحتى من المواطنة. هذا يعني عمليًا استمرار محاصرة مجتمعنا وإغراقه بالمشكلات والأزمات والانقسامات، لتحقيق هدف أساسي وهو إحباط الشباب وإضعاف إرادتهم الجماعية. ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة كما يراها البعض؛ فهنالك جوانب أخرى يجب رؤيتها، فالخير كثير في مجتمعنا، وفيه من عناصر القوة والحيوية أكثر مما يظن كثيرون.
المجرمون، رغم ما يملكونه من سلاح ونفوذ، لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة جدًا من أبناء مجتمعنا. تساهل سلطة القانون معهم منحهم قوة أكبر من حجمهم الحقيقي. بعض هؤلاء من الفتيان ليسوا سوى أدوات يجري استغلالها، فيما يدرك آخرون من قادة هذه العصابات تمامًا طبيعة الدور الذي يؤدّونه، والأسباب التي تجعل الجهات الرسمية تتعامل معهم بهذا القدر من التساهل.
أما الغالبية الساحقة من أبناء شعبنا، فهي على النقيض تمامًا. ففي كل بلدة وقرية مبادرات خيرية لا تُحصى، وأعمال تطوعية تُنجز بعيدًا عن الأضواء، ومشاريع لدعم المحتاجين، وكفالات للأيتام، ولجان إصلاح، ونوادٍ للقراءة، ومكتبات عامة، ونشاطات ثقافية وتربوية ومبادرات اجتماعية تستحق كل التقدير. وعندما تحل مصيبة أو أزمة لدى أحدهم، يهب الناس لمساندة بعضهم بعضًا بصورة تلقائية تعكس عمق قيم التضامن والتكافل المتجذرة في مجتمعنا، والتي يجب أن لا ننتقص من أهمّيتها.
المطلوب ليس المزيد من جلد الذات، بل المزيد من الوعي بطبيعة المرحلة والتحديات التي نواجهها.
نحن بحاجة إلى أن يدرك الناس، والشباب بصورة خاصة، حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم والدور الذي يمكنهم القيام به في مواجهة ما يخطط لهم في أدراج الظلام.
المجتمعات لا تُقاس بما يفعله بعض المجرمين أو المنحرفين، بل بما تمتلكه من طاقات الخير والإبداع والقدرة على الصمود والتجدّد.
كل الشعوب التي وقعت تحت سيطرة أجنبية مرّت بمرحلة مشابهة، وأكثر من هذا. هنالك شعوب انقسمت على نفسها، وجنّد الاستعمار والاحتلال الأجنبي جيوشًا من أبنائها هي نفسها لقمعها، أو لنشر الخراب والتحلل فيها من داخلها.
شعبنا، رغم كل ما يتعرض له من أزمات وضغوط واستهداف، ما زال يمتلك الكثير من الخير والعطاء والتكافل والقِيم النبيلة ولو كره المجرمون.
الأزمات، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تهزم مجتمعًا يؤمن أبناؤه بعضهم ببعض، ويتمسّكون بقيمهم الأصيلة، ويرفضون الاستسلام. الثقة بمجتمعنا ليست تجاهلًا للمشكلات، بل هي شرط أساسي لمواجهتها والانتصار عليها.