02/06/2026 - 11:02

نكبة الدروز: التفتيت الاستعماري وإعادة تشكيل الجماعة الفلسطينية

إعادة فتح النقاش حول تجربة الفلسطينيين الدروز لا تأتي على حساب الإبادة في غزة أو القضايا الفلسطينية الملحة الأخرى، بل تشكل جزءًا من محاولة أوسع لفهم النكبة المستمرة بكل تجلياتها.

نكبة الدروز: التفتيت الاستعماري وإعادة تشكيل الجماعة الفلسطينية

دروز يتظاهرون ضد قانون القومية في تل أبيب، 2018 (Getty Images)

قد يتساءل البعض: لماذا نطرح اليوم قضية الدروز، وفي "شهر النكبة" تحديدًا؟ ولماذا ننشغل بما يمكن تسميته "نكبة الدروز" في وقت يعيش فيه شعبنا واحدة من أكثر مراحله مأساوية، في ظل الإبادة المستمرة في غزة، والتجويع، والدمار، والقتل اليومي؟ يبدو السؤال مشروعًا للوهلة الأولى، بل قد يبدو أن هناك قضايا أكثر إلحاحًا تفرض نفسها على جدول أعمالنا الوطنية.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

لكن ربما تكمن أهمية هذا النقاش تحديدًا في اللحظة التي نعيشها اليوم. فالإبادة التي يشهدها قطاع غزة لا يمكن فهمها بمعزل عن تاريخ طويل من المشروع الكولونيالي الاستيطاني القائم على التفكيك والعزل وإعادة الهندسة الاجتماعية. فمنذ النكبة، لم يقتصر المشروع الاستعماري على الاستيلاء على الأرض أو تهجير السكان، بل عمل أيضًا على إعادة تشكيل الفلسطينيين أنفسهم بتقسيمهم إلى جماعات منفصلة ومواقع قانونية وسياسية متباينة: لاجئين، ومواطنين، ومقدسيين، وغزيين، وبدو، ودروز. ومن هنا، فإن العودة إلى قضية الدروز ليست انشغالًا بقضية هامشية أو مؤجلة، بل محاولة لفهم أحد الأبعاد الأقل نقاشًا في النكبة الفلسطينية المستمرة: كيف يحاول المشروع الكولونيالي الاستيطاني تشكيل المجتمع الفلسطيني وتفتيته من الداخل؟ وكيف ما زلنا نعيش آثار ذلك التفتيت حتى اليوم؟

غالبًا ما تُفهم النكبة بوصفها حدثًا من التهجير والاقتلاع. لكن النكبة كانت أيضًا مشروعًا لإعادة تنظيم المجتمع الفلسطيني نفسه. فالمشروع الكولونيالي الاستيطاني لم يُنتج لاجئين فحسب، بل أنتج كذلك مواطنين، ومقدسيين، وغزيين، وسكان الضفة الغربية، ودروزًا، بوصفها مواقع سياسية وقانونية مختلفة داخل نظام حكم واحد. ولم تكن هذه التصنيفات مجرد أوصاف إدارية، بل كانت جزءًا من عملية أوسع يمكن تسميتها بـ"التفتيت الاستعماري"، أي إعادة تشكيل الجماعة الأصلانية بتقسيمها إلى جماعات منفصلة بما يحدّ من قدرتها على التشكّل كجماعة سياسية موحّدة. "التفتيت الاستعماري" لا يعني فقط إنتاج جماعات منفصلة، بل إعادة تنظيم العلاقة بينها بحيث يصبح كل جزء من المجتمع الأصلاني يتعامل مع الدولة من موقع مختلف، ويطوّر أفقًا سياسيًا مختلفًا، الأمر الذي يحول دون تشكل جماعة سياسية موحدة قادرة على تحدي النظام الاستعماري.

من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى قضية الفلسطينيين الدروز بوصفها قضية منفصلة عن النكبة الفلسطينية، بل باعتبارها إحدى تجلياتها المركزية. فحالة الدروز تكشف كيف عمل المشروع الصهيوني ليس فقط على السيطرة على الأرض، بل أيضًا على إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني من الداخل.

لقد كانت السياسات الإسرائيلية تجاه الدروز منذ عام 1948 جزءًا من هذا المشروع. فالتجنيد الإجباري، وإعادة تنظيم المؤسسات التعليمية والدينية، وإنتاج هوية "درزية إسرائيلية" منفصلة عن محيطها الفلسطيني والعربي، لم تكن مجرد سياسات دمج أو احتواء كما قُدمت رسميًا، بل كانت آليات لإعادة تشكيل العلاقة بين الدروز وبقية الفلسطينيين.

ومن هنا، فإن طرح قضية الفلسطينيين الدروز اليوم لا يأتي على حساب غزة أو القضايا الفلسطينية الملحّة الأخرى، بل بوصفه جزءًا من محاولة أوسع لفهم النكبة الفلسطينية المستمرة بكل تجلياتها وتحولاتها المختلفة، بما في ذلك التهميش التاريخي لقضية الدروز ضمن السردية العامة للنكبة. فالنکبة لم تكن حدثًا عابرًا انتهى عام 1948، بل عملية استعمارية متواصلة هدفت، وما تزال، إلى إعادة تنظيم الفلسطينيين وتفكيكهم إلى جماعات منفصلة، وإعادة تشكيل علاقة بعضهم ببعض، وبأرضهم، وذاكرتهم، وهوياتهم السياسية والاجتماعية. وفي هذا السياق، فإن التفكير الجماعي في مكانة الفلسطينيين الدروز وتجربتهم ليس مسألة هامشية أو مؤجلة، بل جزء أساسي من مواجهة البنى الاستعمارية التي قامت على التفتيت والعزل وإضعاف إمكانيات الفعل الفلسطيني الجماعي.

ولذلك، ربما يكون من واجبنا الأخلاقي والسياسي، حتى في أكثر اللحظات قسوة، ألا نؤجل الأسئلة الصعبة المتعلقة بداخلنا الفلسطيني، وألا نستمر في التعامل مع بعض القضايا كأنها هامشية أو مؤجلة إلى "وقت أفضل" قد لا يأتي أبدًا. فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا فقط قضية مواجهة مع الاستعمار، بل أيضًا قضية محافظتنا على قدرتنا، كشعب، على إعادة بناء أنفسنا رغم كل ما تعرضنا له من تفكيك وعزل وتمزيق.

من هنا تأتي هذه المقالة، التي نحاول من خلالها أن نفتتح نقاشًا جماعيًا طال تأجيله، وربما طال الصمت حوله، رغم أنه يمسّ واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في تجربتنا الفلسطينية المعاصرة: قضية الفلسطينيين الدروز، أو ما يمكن أن نسميه أيضًا "نكبة الدروز" داخل النكبة الفلسطينية المستمرة.

هذه لحظة فلسطينية ولبنانية وإيرانية وسورية وإقليمية شديدة الاضطراب؛ لحظة تتكثف فيها الانقسامات، وسياسات التفكيك، وتتعمق فيها الأسئلة حول الهوية والانتماء والمصير الجماعي. وربما لهذا السبب تحديدًا فقد حان الوقت لكي نعيد فتح هذا الملف بصورة جماعية، لا باعتباره "شأنًا درزيًا داخليًا"، بل باعتباره سؤالًا فلسطينيًا عامًا يتعلق بطبيعة المشروع الكولونيالي الاستيطاني الذي نواجهه جميعًا، وبالطريقة التي أعاد من خلالها تشكيل علاقتنا بأنفسنا وعلاقة بعضنا ببعض.

لكنّ أهمية حالة الدروز لا تكمن فقط في فهم سياسات الدولة، بل أيضًا في فهم حدود هذه السياسات. فعلى الرغم من عقود طويلة من محاولات الفصل وإعادة الهندسة الاجتماعية، لم تختفِ الروابط الفلسطينية، ولم تنجح الدولة في إنتاج قطيعة كاملة بين الدروز وبقية الفلسطينيين. كما أن قانون القومية في العام 2018 كشف بصورة فجة حدود الاندماج الذي وعدت به الدولة. فقد أظهر أن الامتيازات الممنوحة لبعض الجماعات لا تلغي البنية الأساسية للنظام القائم على التفوق العرقي اليهودي، وأن المساواة الموعودة كانت دائمًا مشروطة ومحدودة.

إن قراءة هذه التجربة لا يمكن أن تقتصر على نقد السياسات الإسرائيلية وحدها، فالمجتمع الفلسطيني نفسه لم ينجح دائمًا في بناء خطاب قادر على استيعاب تعقيدات التجربة الدرزية. وكثيرًا ما جرى التعامل مع الدروز بوصفهم كتلة متجانسة، أو اختزال قضيتهم في مسألة التجنيد أو الولاء السياسي، دون الالتفات بصورة كافية إلى البنى الاستعمارية التي ساهمت في إنتاج هذا الواقع.

لقد كانت قضية الدروز مطروحةً دائمًا من قبل قيادات سياسية وفكرية فلسطينية، ومن قبل ناشطين وناشطات حملوا هذا الهمّ لعقود طويلة. لكن ثمة حاجة اليوم إلى توسيع هذا النقاش، وإخراجه من حدود المعالجات الجزئية أو الدفاعية إلى فضاء أوسع من التفكير الجماعي: كيف نفهم تجربة الفلسطينيين الدروز ضمن تاريخ النكبة الفلسطينية؟ وكيف نفهم سياسات الأسرلة، والتجنيد الإجباري، والعزل الطائفي بوصفها جزءًا من مشروع استعماري هدفه تفكيك الشعب الفلسطيني إلى جماعات منفصلة ومتنافسة؟ وكيف يمكن، بعد كل هذه العقود، أن نعيد التفكير في علاقتنا الجماعية بصورة نقدية وإنسانية ومسؤولة؟

في كثير من الأحيان، تحوّل النقاش إلى تبادل للاتهامات بدل أن يكون محاولة لفهم الكيفية التي أعاد بها الاستعمار تشكيل العلاقة بين الفلسطينيين أنفسهم. ولذلك فإن أحد التحديات المطروحة اليوم يتمثل في الانتقال من خطاب التذنيب إلى خطاب المسؤولية الجماعية؛ مِن سؤال "من أخطأ؟" إلى سؤال "كيف أُنتج هذا الواقع؟ وكيف يمكن إعادة بناء العلاقة؟"

إن التفكير في "نكبة الدروز" لا يعني التعامل مع الدروز كحالة استثنائية أو منفصلة عن بقية الفلسطينيين. على العكس من ذلك، فهو يفتح نافذة لفهم أحد الأبعاد الأساسية للنكبة الفلسطينية المستمرة، هو: تفكيك الجماعة الفلسطينية وإعادة تشكيلها بتقسيمها إلى جماعات منفصلة يسهل التحكم بها وإدارتها، فالتفتيت لم يكن نتيجة جانبية للمشروع الاستعماري، بل كان يشكل أحد شروط استمراره.

ولهذا فإن إعادة فتح النقاش حول تجربة الفلسطينيين الدروز لا تأتي على حساب الإبادة في غزة أو القضايا الفلسطينية الملحة الأخرى، بل تشكل جزءًا من محاولة أوسع لفهم النكبة المستمرة بكل تجلياتها. فكما عمل المشروع الكولونيالي الاستيطاني على السيطرة على الأرض، فقد عمل أيضًا على إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني نفسه، وإعادة تعريف علاقات الفلسطينيين ببعضهم البعض.

إن السؤال الذي تطرحه قضية الدروز اليوم ليس سؤال الدروز وحدهم، بل سؤال الفلسطينيين جميعًا: كيف يمكن لشعب تعرض لكل هذا القدر من التفكيك والعزل وإعادة التصنيف أن يعيد بناء نفسه بوصفه جماعة سياسية وأخلاقية جامعة؟ وكيف يمكن مواجهة الإرث الطويل للتفتيت الاستعماري دون إنكار التعقيدات والجراح والتناقضات التي راكمتها العقود الماضية؟

ماذا يمكن أن نفعل عمليًا؟ وما هو دور قيادتنا ومؤسساتنا السياسية والثقافية والدينية والمدنية؟ وكيف نبني فضاءات فلسطينية جامعة للفلسطينيين الدروز؟ وكيف نفكك الصور النمطية المتبادلة؟ وكيف نعيد طرح قضية الدروز كجزء من النكبة الفلسطينية المستمرة، لا كقضية هامشية أو منفصلة عنها؟

وربما الأهم من كل ذلك، أن نصغي أيضًا إلى السؤال المعاكس: ماذا يتوقع الفلسطينيون الدروز من باقي مكونات الشعب الفلسطيني؟ وكيف يمكن أن نعمل معًا بصورة بناءة، تتجاوز الحواجز النفسية والسياسية التي راكمتها العقود الماضية؟

قد لا توجد إجابات جاهزة على هذه الأسئلة. لكنّ تجاهلها لم يعد ممكنًا. لأن النكبة لم تكن حدثًا انتهى عام 1948، بل عملية مستمرة ما زالت تعيد تشكيل حياتنا وعلاقاتنا حتى اليوم. ولأن الشعوب التي لا تواجه التشققات التي خلّفها الاستعمار في داخلها، يصعب عليها أن تبني مستقبلًا مشتركًا.