عن ماضٍ لا يمضي: عودة إلى كتاب "الخطاب السياسي المبتور"

ثلاثة عقود مرت على تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي، الحزب الذي قام الدكتور بشارة وآخرون من رفاقه على تأسيسه ردًا ورأبًا للمبتور من الخطاب السياسي في الداخل، والذي كلما اعتقدنا أننا تجاوزناه وجدناه أمامنا في انتظارنا...

عن ماضٍ لا يمضي: عودة إلى كتاب

مسيرة العودة الـ27 في هوشة والكساير 2024، (أرشيفيّة - عرب 48)

"كل قضية يجب أن تُخسر لكي تثبت جدارتها"
- سلافوي جيجك

***

جرت مياه كثيرة منذ أن كتب الدكتور عزمي بشارة مقالته الشهيرة "الخطاب السياسي المبتور"، غير أنّ في عودة إلى صفحات المقالة اليوم، ومعها سلسلة مقالات متتابعة مترابطة، مجموعة في كتاب يحمل عنوان المقالة إياها، سنجد أن الدكتور بشارة كان يجيب على أسئلة قادمة من المستقبل بقدر ما أنّها كانت متصلة بمرحلة كتابة مقالته في تسعينيات القرن الماضي.

قراءة في "السياسي" لدى أقلية عربية بترتها الصهيونية من شعبها وفضائها الحضاري العربي - الإسلامي في نكبة عام 48 قسرًا، بما عناه ذلك البتر من قطعةٍ وقطيعةٍ على مستوى الجغرافيا والاجتماع والمعاش. لتُخضع الصهيونية الأقلية الباقية بعدها لـ"مواطنة إسرائيلية" مبتورة بدورها أيضًا، بما تعنيه من نقصٍ في المواطنة غير المكتملة في ظل يهودية الدولة العبرية. ما ولّد خطابًا سياسيًا، برأي بشارة، مبتورًا من مسؤوليته السياسية، وقد شكلته سيرورة امتدت على مدار النصف الثاني من القرن العشرين.

غلاف الطبعة الجديدة

حسنًا، ما الذي تغير اليوم؟ تغير الكثير، إلى الحد الذي ما زال يلح علينا استدعاء مقالة بشارة ومقولاته فيها عن المبتور كجزء من "فقه اللحظة" لراهننا السياسي اليوم. إلا أننا اليوم أكثر تعبًا وأقل أملًا مما كنّا عليه في تسعينيات القرن العشرين، حيث كنا أقل تنبهًا وأكثر توثبًا، لأن فطرتنا كانت أسلم سياسيًا مما صارت عليه في أيامنا بالتأكيد. ليس وعينا السياسي ما يُشوَّش فينا اليوم في الداخل، إنما فطرتنا السياسية من تشوشت فينا. يداوم الوعي على اقتراح معرفة تنتج رأيًا صحيحًا، بينما تثابر الفطرة على وفاءٍ يُنتج موقفًا حقيقيًا. وها نحن أكثر وعيًا بواقعنا وأقل وفاءً لوقائعه.ثلاثة عقود مرت على تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي، الحزب الذي قام الدكتور بشارة وآخرون من رفاقه على تأسيسه ردًا ورأبًا للمبتور من الخطاب السياسي في الداخل، والذي كلما اعتقدنا أننا تجاوزناه وجدناه أمامنا في انتظارنا. "هوية قومية، ومواطنة كاملة"، أذكر جيدًا هذه الثنائية شعارًا مطبوعًا على قمصاننا في معسكرات التجمع الطلابية أواخر التسعينيات. كان الشعار بشقيه بمثابة عكازين وقف عليهما خطاب التجمع الوطني وبرنامجه السياسيان، اللذان نظّر لهما بشارة في مقالات كتابه "الخطاب السياسي المبتور".

ولما اُعتبر اتفاق أوسلو سنة 1993 لحظة فارقة في زمن القضية الفلسطينية، لطالما اعترفت فيه منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل مقابل اعتراف هذه الأخيرة بالمنظمة ممثلًا للشعب الفلسطيني، غيّب طرفا الاتفاق الداخل الفلسطيني منه، مما ولّد مناخًا حاول شرعنة أسرلة العرب في الداخل سياسيًا في حينه. خصوصًا وأن أحزابًا سياسية عربية كانت ممثلة في الكنيست، قد شكلت كتلة مانعة لائتلاف حكومة يتسحاك رابين، ودعمت هذا الأخير في خطوته نحو أوسلو وقتها. لتبدو المسألة الوطنية - القومية كما لو أنّها حُسمت، لطالما اعتبرت هذه الأحزاب القضية الفلسطينية بمعناها القومي شأنًا سياسيًا يخص فلسطينيي الضفة الغربية وغزة والشتات أصلًا.

وذلك بموازاة قوى وطنية أخرى في الداخل ظلت تدير ظهرها لسؤال المواطنة الإسرائيلية المتصلة بعرب الداخل، في ارتباط تلك القوى بالحركة الوطنية الفلسطينية وجدانيًا وليس تنظيمًا إلا ما ندر، كما يؤكد د. بشارة، وقد جعلها اتفاق أوسلو في موقفٍ لا تُحسد عليه بعد اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل. لتجد قوى الحركة الوطنية في الداخل نفسها أمام واقعٍ لا مفر من مواجهته، بعد أن ثابرت على استنكاره إلى حد إنكاره، بتعبير د. بشارة، هو "المواطنة الإسرائيلية".

وعليه، جاء الشق الأول من الشعار "هوية قومية" ردًا على محاولة استبعاد القومي بترحيله للضفة والقطاع، وقبل الترحيل تحديًا لمحاولة الصهيونية نزع الصفة العربية عن العرب في الداخل والتنكر لهم كأقلية قومية بوصمهم "غير اليهود" وتصنيفهم كأقليات دينية. فيما انبثق الشق الثاني من الشعار "مواطنة كاملة" من ضرورة الاستدارة والاشتباك وجهًا لوجه مع واقع المواطنة الإسرائيلية. وذلك في محاولة أراد منها صاحب كتاب "الخطاب السياسي المبتور" قطع الطريق على مشروع الأسرلة من جانب، وشد الحركة الوطنية نحو مواجهة واقع المواطنة الإسرائيلية من جانب آخر، وذلك بما يعيد صياغة سؤال "المساواة" بشروطنا نحن أهل الأرض لا بشروط مُحتليها.

كان الحزب الشيوعي أول من أسس لمطلب المساواة في الداخل، إلى حد صار فيه الأب الروحي للمطلب، بحسب ما يقول بشارة. غير أن إجماع العرب في الداخل على المفردة إلى يومهم هذا، لا يعني إجماعهم على مفهومها. وحتى الحزب الشيوعي، لم يطرح المساواة في حينه إلا بوصفها نقيضًا للتمييز، بلا تعريف ولا تأسيس للفكرة، وهذا ما لا يفي بالغرض بالنسبة للدكتور بشارة. لأن اختزال المساواة على أنها نقيض للتمييز، في حالة المجتمع العربي في إسرائيل، يعني الاندماج على طريق الأسرلة، بما تعنيه هذه الأخيرة من تهميش وتشويه.

بالتالي، أعاد د. بشارة تعريف المساواة مشترطًا تحققها بـ"دولة المواطنين"، وهذا ما لا يمكن في ظل "يهودية الدولة". مما يجعل خطاب المساواة مشروطًا بمسار نضالي ضد الصهيونية كبنية كولونيالية مؤسسة ليهودية الدولة التي تريد للعرب أن يكونوا نصف مواطنين ونصف فلسطينيين، أي "عرب إسرائيل".

يرفض صاحب "الخطاب السياسي المبتور" أسرلة فلسطينيي الداخل، فالأسرلة لا تجعلهم إسرائيليين لأن إسرائيل ليست دولة الإسرائيليين، إنما دولة اليهود هي في تعريفها وبنيتها كذلك. ولأن أسرلة العرب في إسرائيل تعني نبذهم الأبدي إلى هامش الدولة اليهودية، وفي ذلك تشوه حضاري وقومي وخُلقي كذلك. من هنا، ليست الأسرلة خيارًا أمام العرب في الداخل.

لا يقسو صاحب "الخطاب السياسي المبتور" على الناس، إنما على النخب وخطابها كانت قسوته في كتابه. ففي تأصيله لمسار الأسرلة ومظاهرها في الداخل، يؤكد بشارة أن تماهي أهلنا أيام الحكم العسكري مع "مباي"، الحزب الصهيوني الذي كان يهيمن على الحياة السياسية الإسرائيلية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم يكن ذلك التماهي، بما تمظهر على شكل ولاء للدولة، دليلًا على أسرلة أهالينا، إنما العكس، كان الولاء ظاهرة غربة عن الأسرلة مردها الخوف في حينه.

كانت أسرلة العرب ظاهرة متأخرة نسبيًا في الداخل، ظهرت مظاهرها مع استعادة العرب الثقة بأنفسهم أواخر السبعينيات بعد يوم الأرض تحديدًا. حيث بدت الأسرلة "مصلحة وانتهازية" طفت على سطح الحياة السياسية في الثمانينيات. وفي التسعينيات غدت الأسرلة تمثل مساعي اندماج في ظل مناخ التسوية مع إسرائيل وتحولات هذه الأخيرة نحو لبرلة مساحات مختلفة من حياة الدولة.

ما يعني أن الأسرلة ظلت تسير مع ازدياد ثقة العرب بأنفسهم ووعيهم بحقوقهم جنبًا إلى جنب، وليس العكس بالضرورة. وتجربة القائمة المشتركة في العقد الأخير تثبت ذلك، حيث منحت إقامتها العرب شعورًا بقوتهم وقدرتهم على التأثير، الذي تحول إلى خطاب ينحو نحو أسرلة العمل السياسي أكثر مما يحميه في الداخل. تنهار التجارب غالبًا ليس نتيجة قلة الثقة، بل بفائض من الثقة بالنفس تحدث الانهيارات.

أخيرًا...

تبتر إسرائيل، بنسختها الفاشية الحالية، السياسي لتضييق هامشه على العرب داخلها، أكثر مما سبق، وحتى على أولئك العرب الذين يبدون حماسة للعمل بشروطها. واستدعاء مقالة "الخطاب السياسي المبتور" في هذه الأيام ليس عودة إلى الماضي، بل هو تفعيل لسؤال سياسي متصل بماضٍ لا يمضي من سردية البتر في حياة العرب في الداخل. ومؤخرًا دعا مركز مدى الكرمل إلى ندوة قراءة في كتاب "الخطاب السياسي المبتور"، تُقام يوم السبت المقبل على شرف إصدار طبعة جديدة من الكتاب في مسرح الحنين في مدينة الناصرة في تمام الساعة 11:30 صباحا.