لا يبدأ الهدم في النقب لحظة وصول الجرافات، ولا ينتهي برحيلها. بالنسبة للأهالي في القرى مسلوبة الاعتراف، من جيل الفتوة والشباب، الهدم هو حالة وجودية مستمرة تمتد بين صدمة الركام الذي كان غرفتهم بالأمس، وبين ترقب كابوس يهدد سقفهم غدًا.
في ظل واقع يواجه فيه أهل النقب تصاعدًا غير مسبوق في سياسات هدم البيوت، تبرز دراسة علمية حديثة صادرة عن برنامج إدارة وحل النزاعات في جامعة بن غوريون، للدكتور خالد السيد ومجموعة من الباحثين، ونُشرت في مجلة Stress and Health العالمية، وتكتسب أهمية استثنائية.
الدراسة لا تقيس فقط جدرانًا تسقط، بل ترصد تصدعات نفسية عميقة تصيب جيلًا كاملًا من الأبناء يقع في الفئة العمرية الحرجة (13-18 عامًا).
مطرقة الفقد وسندان الترقب: صدمتان بطعم واحد
وضعت الدراسة يدها على الجرح البدوي الممتد، من خلال المقارنة بين مجموعتين من الشبيبة في مرحلة الفتوة:
1. المجموعة الأولى: شبيبة عاشوا تجربة الهدم الفعلي لمنازلهم.
2. المجموعة الثانية: شبيبة يعيشون في قرى تواجه أوامر هدم معلقة ومفتوحة.
النتيجة المروعة التي تلمسها العائلات يوميًا في النقب، وأثبتها العلم، هي أن الخوف يعمّ الجميع.
لم تقتصر المعاناة على من فقد بيته؛ فالعيش في قرية مسلوبة الاعتراف يعني أن كل فتى وفتاة ينامون وعيونهم على السقف، بانتظار أن يدق الخطر أبوابهم في أي لحظة. هذا الشعور الدائم بالتهديد خلق ما يسمى التعرض الذاتي المرتفع للخطر، إذ يشعر الجميع بلا استثناء أنهم مستهدفون، علمًا أن البيت في الموروث الثقافي البدوي ليس مجرد مأوى من المطر، إنه الستر والملجأ وامتداد الهوية.
عندما يسقط البيت، يسقط معه الأمان للطفل وللشاب وللشيخ الكبير.
وفي ظل تلك الملامح من الألم والقلق والغضب والأوجاع الجسدية، أظهر الشباب الذين شهدوا هدم منازلهم مستويات حادة من القلق والاضطراب النفسي. واللافت للنظر أن هذا الألم لم يتوقف عند الحدود النفسية، بل تُرجم إلى أعراض جسدية ملموسة، تشمل:
صداعًا مزمنًا لا تفسير طبيًا له.
وآلام معدة متكررة وتشنجات ناتجة عن التوتر الصامت. وكذلك نوبات غضب مفاجئة وردود فعل حادة تجاه المؤثرات البسيطة. وتساوى العجز.
عندما تسقط الفروق
في مجتمع تقليدي يُربى الفتى البدوي على أنه حامي الحمى ومسؤول عن أمن عائلته مستقبلًا، بينما تُربى الفتاة على قيم الستر والخصوصية داخل المنزل. الصدمة هنا أنها ألغت الفروق بين الجنسين والأعمار.
أمام الجرافات وآلة الهدم، وقف الفتية والفتيات في موقف متساوٍ من العجز التام، وفي الأثناء تحطمت التوقعات المجتمعية من الفتية بحماية عائلاتهم، وانتهكت خصوصية الفتيات برحيل الجدران، مما خلف شعورًا بالانكسار يتجاوز مجرد خسارة مادية.
استراتيجيات المواجهة: عندما يصبح الهروب العاطفي فخًا قادمًا
كيف يتعامل أهل النقب مع هذا الثقل؟
يبدو أن أساليب المواجهة تنقسم إلى نوعين:
نوع المواجهة في السلوك المتبع والنتيجة النفسية:
مواجهة عقلانية (حل المشكلات): محاولة التأقلم، مساعدة العائلة، التركيز على التعليم كأداة صمود. حماية نسبية وتماسك مؤقت.
مواجهة عاطفية غير منتجة: الإنكار، الانعزال عن المجتمع، كبت المشاعر، والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، وأننا نسطر قصة صمود رغم تضاعف حدة الاكتئاب، والغضب الشديد، والانهيار النفسي اللاحق.
للأسف، وبسبب غياب الأطر التوجيهية الكافية في القرى غير المعترف بها، يلجأ قطاع واسع من الأهالي إلى الكبت والإنكار، وهو ما يصفه خبراء علم النفس بقنبلة موقوتة تنفجر لاحقًا على شكل سلوكيات عنيفة أو إحباط مزمن يؤثر على مستقبلهم التعليمي والمهني والعيش الآمن.
الصدمة الحادة ضد الخوف المزمن: معادلة النجاة
هنالك حاجة لفهم سيكولوجية الصمود البدوي. في حالات الهدم الفعلي، هنالك الصدمة الحادة حين يكون الحدث ضخمًا ومزلزلًا لدرجة أن تفاصيل الواقع القاسي تفوق القدرات الشخصية للمواطن هنا، والشاب ضحية مباشرة لحدث مادي دمر عالمه.
في حالات الانتظار والتهديد والخوف المزمن، لأن الصدمة هنا ذهنية، فإن الأسلوب الشخصي للأهالي وأبنائهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للمستقبل هي التي تحدد ما إذا كان سيصمد أو ينهار. هنا تحديدًا يمكن للتدخل النفسي أن يصنع فارقًا هائلًا.
ناقوس خطر: ما الذي يحتاجه النقب اليوم؟
في الواقع، مشاهد الهدم هذه وثيقة إدانة لواقع مرير ونداء استغاثة عاجل. إن حماية أهالي النقب، وخصوصًا فئة الشباب، من التحول إلى جيل مكسور نفسيًا، تتطلب خطة طوارئ تشترك فيها الأطر الأهلية والمدارس والمؤسسات الفاعلة:
مع بناء وتطوير برامج دعم نفسي وسلوكي متخصصة داخل المدارس العربية في النقب، تركز على تدريب الطلاب على استراتيجيات تكيف صحية وتفريغ الغضب، بالإضافة إلى تأهيل المستشارين التربويين والأخصائيين الاجتماعيين في المنطقة للتعامل مع الأزمات وصدمات الحروب الصامتة وهدم البيوت، وعدم التعامل مع الطالب المشاغب أو المنعزل كحالة تأديبية، بل كضحية صدمة غير معالجة. بل وخلق مساحات آمنة (نوادٍ شبابية، مراكز جماهيرية، وأطر ثقافية وفنية، وإصغاء لهؤلاء) داخل القرى مسلوبة الاعتراف، لتمكين الأهالي والشباب من التعبير عن هويتهم ومخاوفهم بشكل منتج.
إن البيوت في النقب قد يعاد بناؤها من جديد بالصبر والصمود الإنساني، لكن ترميم النفوس المتصدعة لجيل الشباب وأهاليهم هو التحدي الحقيقي الأكبر. إذا أردنا للنقب أن يبقى صامدًا، علينا أن نرمم السقوف النفسية لشبابه قبل أن تتهاوى فوق رؤوسنا جميعًا.
ملخص التوصيات
- توفير دعم نفسي واجتماعي للشباب داخل المدارس والمجتمع.
تدريب المهنيين كلٍّ في موقعه، كالمعلمين والمرشدين وأئمة المساجد وموظفي الخدمة الاجتماعية وأقسام الخدمات النفسية، على التعامل مع آثار الصدمات.
- إنشاء مساحات آمنة للشباب للتعبير عن مشاعرهم ومخاوفهم.
تعزيز دور الأسرة في الحوار والدعم النفسي للأبناء.
- تشجيع الأنشطة الثقافية والرياضية والتطوعية وتوسيع خدمات الإرشاد النفسي في القرى مسلوبة الاعتراف.
- الاستثمار في التعليم وتمكين الشباب باعتبارهم أمل المستقبل؛ فالبيوت يمكن إعادة بنائها، أما النفوس فتحتاج إلى رعاية ودعم مستمرين.
ختامًا، هنالك عبارة تُنسب إلى الأديب المصري نجيب محفوظ:
"أحيانًا يكون أقوى إنجازاتك بالحياة هو أنك ما زلت بقواك العقلية".