04/06/2026 - 15:14

ملاحظات سريعة على مقال أسعد غانم "الحجر الذي رفضه البناؤون"

اعتبار إميل حبيبي شخصية إشكالية، من جهتنا، لا يقلل من مكانته الأدبية والسياسية، بل هو توصيف لواقع الرجل الذي ظل، بشخصه ومواقفه وممارساته السياسية سالفة الذكر، والتي تندرج ضمن سلسلة طويلة من المواقف، مثل دعمه لقرار التقسيم...

ملاحظات سريعة على مقال أسعد غانم

الروائي الفلسطيني إميل حبيبي (أرشيفيّة)

لا أبتغي في هذه العجالة الرد على مقال أسعد غانم المنشور في موقع "بانيت"، بتاريخ 22/5/2026، بعنوان "الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية؛ منذ إميل حبيبي، مرورًا بالتصور المستقبلي وحتى القائمة المشتركة"، بل أكتفي بتسجيل بعض الملاحظات السريعة على المقال، الذي يثير حوله العديد من علامات الاستفهام والتعجب، وتضع مصداقية التحليل السياسي لحالة الداخل الفلسطيني التاريخية والفلسطينيين عامة، وكذلك مصداقية التحليل الأكاديمي للكاتب نفسه، على المحك، خاصة إذا ما أدركنا أن الحديث يدور عن باحث ومحاضر في إحدى الجامعات المعروفة، ويحمل درجة بروفيسور في العلوم السياسية.

نقول ذلك لأن استحضار شخصية تاريخية إشكالية مثل إميل حبيبي، الذي بدأ حياته السياسية بالتورط بتهمة المشاركة في جلب صفقة السلاح التشيكية لـ"الهاغاناه" عشية النكبة (مع التشديد على كلمة تهمة)، وأنهاها بالإقصاء من الحزب الذي انتمى إليه وحصوله على جائزة إسرائيل، وتنصيب هذه الشخصية، بجرة قلم، مرجعية عليا للفكر السياسي الفلسطيني الحديث، ليس في الداخل فقط، بل على عموم الفلسطينيين، هو أمر ينطوي على مغالطة تاريخية كبيرة والكثير من التضليل، لا يمكن تفسيرهما سوى أنهما لغاية في نفس الكاتب، تتبدى في السطور اللاحقة للمقال.

فإغداق وخلع مدائح وألقاب مثل "مهندس الوعي الجماعي للفلسطينيين في إسرائيل بعد النكبة" و"القائد والمفكر الفلسطيني الأكثر أثرًا في التفكير الجمعي والممارسة السياسية للفلسطينيين في إسرائيل، ولعموم الفلسطينيين من بعدهم"، ومن طراز أن "كلنا كفلسطينيين، داخل الخط الأخضر وخارجه، نعيش في كنف ما نظر له حبيبي قبل أكثر من سبعة عقود"، هي كلها أمور لا يمكن فهمها في أي سياق سياسي عقلاني، بل إنها تستفز القارئ للتفتيش عن أسبابها الحقيقية خارج هذا السياق.

من الجدير التنويه أن اعتبار إميل حبيبي شخصية إشكالية، من جهتنا، لا يقلل من مكانته الأدبية والسياسية، بل هو توصيف لواقع الرجل الذي ظل، بشخصه ومواقفه وممارساته السياسية سالفة الذكر، والتي تندرج ضمن سلسلة طويلة من المواقف، مثل دعمه لقرار التقسيم على نقيض إميل توما وبولس فرح وغيرهما من قيادات عصبة التحرر الوطني في حينه، وحربه الشعواء على المقاومة الفلسطينية ونهج الكفاح المسلح الذي اختطته، ثم معاداته للتيارات القومية والوطنية العربية والفلسطينية في الخارج والداخل، وصولًا إلى خاتمته المؤلمة بتسلم جائزة إسرائيل من رئيس الحكومة الأشد تطرفًا ودموية، إسحق شمير. جميعها تضعنا أمام شخصية خلافية، ليس لأنها لا تتمتع بإجماع وطني فقط، بل لأنها لا تتمتع بإجماع قاعدة الحزب الذي كانت تنتمي إليه أيضًا.

الملاحظة الثانية هي محاولة الخلط بين الموقف الأيديولوجي التاريخي للحزب الشيوعي الإسرائيلي والحركة الشيوعية العالمية، المتعلق بقرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، والمستند إلى حق "الشعب اليهودي" في تقرير المصير وإقامة دولته على أرض فلسطين أسوة بالشعب الفلسطيني، والذي بدا في حينه خارجًا عن المألوف السياسي الفلسطيني والعربي السائد، وساهم لاحقًا في عزل الشيوعيين عن الحركة الوطنية الفلسطينية وحركة الجماهير العربية، وكان محل خلاف داخل الحزب ذاته، كما أسلفنا، وبين ما عرف ببرنامج الدولة الفلسطينية المستقلة التي لم تحدد بحدود جغرافية بداية، ثم رست لاحقًا على الضفة والقطاع، والذي جاء محصلة لسلسلة هزائم عربية وفلسطينية دفعت إلى تقليص الطموح العربي والفلسطيني تحت وطأة الضربات الإسرائيلية الأميركية. فقرار 242 جاء على خلفية هزيمة 1967، وإعلان الدولة الفلسطينية من قبل المجلس الوطني في دورة الجزائر جاء على خلفية احتلال بيروت وفقدان منظمة التحرير لقاعدة الارتكاز اللبنانية، ومدريد وأوسلو جاءا إثر هزيمة العراق وانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.

واللافت أن الحزب الشيوعي وأداته الإعلامية التي قادها إميل حبيبي، كانا، عوضًا عن التحذير والتصدي لتنازلات القيادة الفلسطينية تحت وطأة هذه الانكسارات، أسوة بسائر قوى اليسار، يصفقان لكل تراجع وتفريط انطلاقًا من كونه يقربها من برنامجه "الواقعي"، ويخلصه من عقدة تاريخية هي خطيئة الموافقة على قرار التقسيم عام 1947، لكي تخرج علينا في النهاية مقولة "الحجر الذي رفضه البناؤون أصبح حجر الزاوية"، التي عنون بها أسعد غانم مقاله، والذي لا يعدو أن يكون سوى قصيدة مديح لهجاء إميل حبيبي.

في هذا السياق يحضرني ما كان قد كتبه المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي في الذكرى الخمسين لقرار التقسيم، والذي تزامن مع مسيرة مدريد، حيث قال: "حقيقة أن الفلسطينيين والقيادات العربية الأخرى، بعد نحو أربعة عقود من الزمن وسبع حروب، أصبحوا يقبلون بالتقسيم (وبدولة فلسطينية أصغر كثيرًا من تلك المقترحة في خطة التقسيم سنة 1947) كحل عملي من أجل وضع سقف لمعاناة الشعب الفلسطيني، لا تعني قبولًا بمفعول رجعي لخطة الأمم المتحدة ومقدماتها (قرار التقسيم)، ولا إثباتًا متأخرًا لقابليتها للتطبيق سنة 1947".

الملاحظة الثالثة هي محاولة التوفيق المستحيلة التي يسعى غانم إلى إجرائها بين تقسيم البلاد وحل الدولتين وبين "ثنائية القومية". وهو، في سبيل أن يجد له مكانًا في التاريخ والفكر السياسي الذي صار "يهيمن" عليه إميل حبيبي، وفقًا لمقاله، يعيد وثائق التصورات المستقبلية التي تبلورت بعد سنوات الألفين، وتأثرت بفكرة إلغاء الطابع اليهودي للدولة وبناء دولة المواطنين التي صاغها عزمي بشارة، وتحاكي خطاب الدولة الواحدة، فيعيدها بقدرة قادر إلى فكر إميل حبيبي، قائلًا إن جميعها (التصورات) لم "تشب على الطوق" الذي نظر له حبيبي.

الملاحظة الرابعة وربما هنا نصل إلى "بيت القصيد" والغرض الذي أُنشئ من أجله المقال، وهو "القائمة المشتركة"، التي يحشرها المقال أيضًا ضمن ما يسميه تراث إميل حبيبي، بل إنها تشكل أهم التعبيرات عن انتصار تراث إميل حبيبي، الذي "استطاع مع زملائه أن يجعل أفكاره ونضالاته مركز إجماع وطني يصل بين منصور عباس وسامي أبو شحادة ويمر من خلال يوسف جبارين وأحمد الطيبي"، كما يقول.

غانم نسي، على ما يبدو، أنه عندما كانت المشتركة في عزها خاض الانتخابات ضدها في قائمة أسماها حينها "حزب الوحدة الشعبية"، حصلت في انتخابات 2019 على حوالي 5 آلاف صوت، بينما حصلت المشتركة على 13 مقعدًا. لكن عفا الله عما مضى، وهذا لا يصادر حقه في التحمس اليوم للمشتركة التي يبني عليها قصورًا وطنية في الهواء، سبق أن جرفتها رياح الخلافات على مقاعد الكنيست.

فهي (المشتركة) "ستساهم في زيادة قوة الـ48 في الحلبة السياسية، وستزيد من تمثيلهم، وتساهم في إقصاء اليمين الفاشي عن السلطة"، كما أنها "قد تشكل رافعة ضرورية لسحب الحركة الوطنية الفلسطينية نحو الأمام، نحو العمل الوطني المشترك، بدل الانفصال والقبول بالواقع كما هو". هذا ناهيك عن أنها، وفقًا لما يكتب، "فهي بالتأكيد اللحظة التاريخية التي من الممكن أن تجعل نضالات الفلسطينيين في إسرائيل ركنًا أساسيًا في استعادة المبادرة للفلسطينيين"، ويقصد في هذا السياق عموم الشعب الفلسطيني.

هنا نرى حاجة للتذكير أننا سبق وكنا في هذا الفيلم عامي 2015 و2020، حينما حصدت المشتركة بالتتابع 13 و15 مقعدًا، ونظر من نظر إلى أن التحالف بين أحزابها ليس مجرد تحالف انتخابي، بل هو تحالف استراتيجي سيشكل عمودًا فقريًا لوحدتنا السياسية في الداخل، ونقطة انطلاق لإنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية وإعادة صياغة المشروع الوطني الجامع لكل الشعب الفلسطيني.

إلا أن التجربة علمتنا أن انتخابات الكنيست وقوائمها المشتركة مصممة لهذا الغرض، أي زيادة حصتنا من التمثيل البرلماني وحصة الأحزاب في إطار هذا التمثيل. وينحصر نضالها ودورها في هذا المجال، ومن الخطأ البناء عليها لما هو أبعد من ذلك، لأننا سنصبح حينها كمن يبني قصورًا من الرمال المتحركة.