يعقد التجمع الوطني الديمقراطي يوم السبت القريب مؤتمره الاستثنائي لانتخاب قائمة مرشحيه للانتخابات البرلمانية، في لحظة مفصلية يخوضها للمرة الأولى منذ تأسيسه من خارج البرلمان، بفعل نتائج الانتخابات الأخيرة.
وقد راهن البعض، واهمًا، على أن غياب التجمع عن التمثيل البرلماني سيعني انحسار حضوره السياسي والنضالي والشعبي. إلا أن التجمع أثبت للقاصي والداني أنه تيار عربي فلسطيني متجذر، وأن العمل البرلماني ليس سوى أحد أذرع فعله السياسي، الذي لا يبدأ عند البرلمان ولا ينتهي عنده.
ينعقد مؤتمرنا في ظل مرحلة تُعد من الأخطر والأكثر تعقيدًا في تاريخ شعبنا الفلسطيني المعاصر. فمن حرب الإبادة في غزة، إلى سياسات التهجير والاستيطان والمصادرة والاعتداءات المتواصلة على أهلنا في الضفة الغربية، وصولًا إلى هدم البيوت ومصادرة الأراضي والتواطؤ الرسمي مع استفحال الجريمة في الداخل الفلسطيني، تتكامل محاولات استهداف شعبنا والنيل من قضيته الوطنية.
وفي مواجهة هذه التحديات، اختار البعض التكيف مع العنصرية ومقايضة الحقوق بالمواقف السياسية، وسعى إلى تبرير التنازلات المتراكمة في الخطاب والممارسة تحت عناوين من قبيل "الواقعية السياسية". وقد أدى الانغماس لدى هؤلاء في لعبة المعسكرات الإسرائيلية، وما تقوم عليه من تناقضات ظرفية وعداوات شخصية وخلافات شكلية بين الأحزاب الصهيونية، إلى المس بالبوصلة الوطنية. أما نحن، فنرفض أن نكون جزءًا من هذه اللعبة أو أسرى لتناقضاتها.
ونعقد مؤتمرنا تحت شعار "تجمعنا قوة"، متجهين نحو استعادة التمثيل البرلماني للحركة الوطنية، بما يعيد الصوت الوطني الحر أمام المؤسسة الحاكمة، ويضمن تمثيل أبناء شعبنا ومجتمعنا بشموخ أصحاب البلاد، لا بمنطق الاندماج في سياسات المؤسسة أو التماهي معها.
ومنذ تأسيسه، ارتكز مشروع التجمع على معادلة متلازمة تجمع بين الهوية القومية والمواطنة الكاملة؛ معادلة تصون الانتماء الوطني والقومي لشعبنا، وتتمسك بانتزاع الحقوق بكرامة وعزة، بعيدًا عن التذلل أو التفريط. فحقوقنا ليست منّة من أحد، بل هي حقوق نابعة من انتمائنا إلى هذه الأرض، كعرب فلسطينيين متجذرين فيها أولًا، وكمواطنين ثانيًا.
وبالتوازي مع العمل البرلماني، نواصل العمل على تنظيم أبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني على أساس قومي وديمقراطي، من خلال لجنة المتابعة العليا بوصفها إطارًا وطنيًا جامعًا ومؤسَّسًا، ومن خلال النقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني وسائر الأطر الشعبية.
لقد تعامل التجمع مع الاستحقاق الانتخابي بمسؤولية وطنية، فبادر، قبل بدء الحديث عن الانتخابات، إلى طرح قراءته السياسية للمتغيرات الراهنة في ظل حرب الإبادة، وفتح حوارًا جديًا مع الأحزاب والجمعيات والقوى المختلفة. وأسهمت هذه اللقاءات في إعادة طرح فكرة القائمة المشتركة، التي سعى التجمع إلى بنائها على أساس رؤية سياسية متفق عليها، مقدمًا ورقة مرجعية تتضمن برنامجًا سياسيًا وخطوطًا ناظمة لتفاهم مشترك.
ومع تعذر التوصل إلى تفاهمات سياسية جامعة، حرص التجمع على إزالة العقبات أمام إعادة بناء المشتركة، فطرح، بمسؤولية وطنية، إقامة قائمة تقنية انتخابية، هدفها رفع نسبة التصويت، وتعزيز التمثيل العربي، والمساهمة في إسقاط الحكومة الفاشية. إلا أن هذا المسار تعثر نتيجة طرح الموحدة شروطًا إضافية، من بينها تقاسم الأدوار، بما أفرغ فكرة القائمة التقنية من مضمونها. ومع ذلك، وانطلاقًا من قناعته بأن "تجمعنا قوة"، أعلن التجمع المضي نحو إقامة قائمة مشتركة ثلاثية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام انضمام الموحدة.
ونعقد مؤتمرنا لانتخاب المرشحين الخمسة الأوائل في قائمتنا البرلمانية، في أجواء من التنافس الرفاقي الديمقراطي بين رفيقات ورفاق نفتخر بعطائهم وكفاءاتهم وتجذرهم في ميادين العمل الوطني والاجتماعي والشعبي. ومن هذا المؤتمر سننطلق بقائمة تحمل مشروع الحركة الوطنية، وتستعيد حضورها البرلماني من خلال معقلها السياسي والفكري: التجمع الوطني الديمقراطي.
فالتجمع قوي بشعبنا، وشعبنا أقوى بالتجمع. وصوته سيبقى ثابتًا وواضحًا في مواجهة التحريض والعنصرية والفاشية، حاملًا رؤية وطنية مسؤولة، تتمسك بالحقوق، وتنتزعها بكرامة وشموخ.
تجمعنا قوة.