25/06/2026 - 10:24

التجمع في نهوضه الجديد والتحديات القادمة

يبقى للتجمع الوطني الديمقراطي دور مهم يمكن أن يتجاوز حدود العمل الحزبي التقليدي، ليكون أحد روافع تجديد الفكر الوطني الفلسطيني وإعادة بناء أفقه التحرري الديمقراطي. وهذا ما هو متوقع منه أكثر من غيره...

التجمع في نهوضه الجديد والتحديات القادمة

لست اليوم عضوًا قياديًا في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ولا أتحدث باسمه أو أقرر نيابة عنه. فقد كان خروجي من المواقع القيادية قبل سنوات خيارًا شخصيًا واعيًا، انطلق من مبدأ النقد الذاتي، ومن قناعة بضرورة إفساح المجال أمام جيل جديد نشأ داخل الحزب، واكتسب الخبرة والقدرة على حمل المسؤولية ومواصلة المسيرة. كما ارتبط هذا الخيار برغبتي في الانتقال إلى فضاء سياسي أوسع، يربط بصورة مباشرة، وبصورة أوضح، بين مكانة الفلسطينيين في أراضي 1948 ودورهم في المشروع التحرري الفلسطيني الشامل. ومن هنا جاء انخراطي في "حملة الدولة الديمقراطية الواحدة"، بوصفها محاولة لترجمة التحولات العميقة التي شهدتها فلسطين إلى مشروع تحرري ديمقراطي واضح، يتجاوز أوهام حل الدولتين وما أنتجته من تجزئة جغرافية وديمغرافية وسياسية خطيرة للشعب الفلسطيني.

لم يكن ذلك ابتعادًا عن فكرة الأحزاب أو انتقاصًا من دورها. على العكس تمامًا، فقد آمنت دائمًا بأن تطور أي مجتمع أو حركة تحررية يتطلب وجود أحزاب سياسية حية وقادرة على التجدد. لكن الأحزاب، مثلها مثل أي مؤسسة بشرية، تحتاج إلى مراجعة دورية ونقد ذاتي شجاع، حتى لا تتحول إلى هياكل جامدة أو أسيرة لأوهام الماضي.

ورغم كل ما مرّ به التجمع الوطني الديمقراطي من صعوبات وتعثرات وأخطاء، فقد ظل يحظى باهتمام خاص لدي، كما لم ينقطع التشاور مع قيادته، ليس فقط لأنني كنت من مؤسسيه وأمينه العام لسنوات طويلة، بل لأن هذا الحزب أحدث تحولًا فكريًا وسياسيًا عميقًا في وعي الفلسطينيين داخل إسرائيل. فقد أعاد تعريف قضية المساواة، وربطها بالفوقية اليهودية وبالسياق الاستعماري الاستيطاني الذي أنتج واقع التمييز والإقصاء والاستعمار الداخلي، بدل اختزالها في مطالب مدنية منفصلة عن جذورها السياسية والتاريخية.

كما تميز التجمع بأنه لم يستسلم لمنطق التسوية الذي فرضته اتفاقية أوسلو، ولم يتحرج من هيبة القيادة الفلسطينية، بل وقف في مواجهة مخرجاتها السياسية والفكرية لهذه الاتفاقية المهينة، وكشف آثارها الخطيرة على مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني. لقد شكل، بهذا المعنى، استئنافًا للاعتراض الفلسطيني على المشروع الصهيوني في لحظة كانت فيها قطاعات واسعة من الحركة الوطنية قد انخرطت، تحت ضغط الانهيارات الدولية والعربية، في مسار الاعتراف بإسرائيل دون معالجة جوهر القضية الفلسطينية وحقوق شعبها التاريخية.

صحيح أن التجمع خاض هذه المواجهة من داخل المؤسسات الإسرائيلية، وتحديدًا من خلال العمل البرلماني، وبعد تردد طويل، لكنه فعل ذلك بطريقة مختلفة. لم يتعامل مع الكنيست باعتباره فضاءً للاندماج أو التطبيع مع الواقع القائم، بل كساحة لكشف التناقضات البنيوية للدولة الصهيونية وفضح حدود ادعائها الديمقراطي. ولهذا أثار قلقًا متزايدًا لدى الأوساط الصهيونية، بما فيها تلك التي تصف نفسها بالليبرالية، والتي لم تستوعب كيف يزداد التحدي والوعي الوطني الفلسطيني داخل إسرائيل في الوقت الذي كانت فيه القيادة الفلسطينية الرسمية تنخرط في مسار التسوية والاعتراف. ولهذا السبب تعرض قائد الحزب آنذاك، وأول نائب عنه في الكنيست، المفكر عزمي بشارة، لحملات تحريض متلاحقة غير مسبوقة، بتهمة العمل على تقويض الدولة اليهودية من الداخل، بأدوات ديمقراطية.

واليوم يقدم التجمع نموذجًا سياسيًا جديرًا بالتأمل. فكم من حزب فقد تمثيله البرلماني ثم دخل مرحلة الانكماش والتفكك؟ أما التجمع، فعلى الرغم من عدم نجاحه في اجتياز نسبة الحسم في الانتخابات الأخيرة، فإنه لم يكتفِ بالحفاظ على وجوده، بل واصل ترسيخ حضوره بين قاعدته الشعبية، وعزز نشاطه بين الأجيال الشابة، وخصوصًا في الجامعات. وهذه ظاهرة نادرة في الحياة السياسية، وتدل على أن قوة الحزب لا تُقاس فقط بعدد مقاعده في الكنيست، بل بعمق حضوره الفكري والتنظيمي وقدرته على إنتاج كوادر مؤمنة بمشروعه.

كنت قد اتخذت في تلك المرحلة، وبعد تفكك القائمة المشتركة، موقفًا مؤيدًا لمقاطعة انتخابات الكنيست، لكنني عدت وشاركت في دعم الحزب عندما اضطر إلى خوض الانتخابات منفردًا في انتخابات عام 2022. لم يكن ذلك بدافع الولاء الحزبي الضيق، بل لأنني رأيت أن المستهدف الحقيقي لم يكن مجرد حزب سياسي، وإنما موقف وطني مستقل يسعى إلى الحفاظ على البوصلة الوطنية في زمن الانحدار السياسي. كان الوقوف إلى جانبه مساهمة أخلاقية ووطنية في الدفاع عن تيار سياسي لعب دورًا مهمًا في صون الهوية الوطنية الجماعية.

وتزداد أهمية التجمع اليوم لسببين أساسيين؛ الأول أنه أثبت قدرة استثنائية على الاستمرار والبناء رغم غياب الموارد المالية التي توفرها المؤسسة البرلمانية للأحزاب الممثلة في الكنيست، وهي مهمة في غاية الصعوبة. أما الثاني، فهو أنه يشكل أحد أبرز الأصوات السياسية الرافضة لمسار التحلل الوطني الذي أخذ يتسع في السنوات الأخيرة، والمتمثل في السعي إلى الاندماج في حكومات إسرائيلية تمضي في سياسات الاستيطان والتهجير والحرب والقمع.

لقد نجحت القيادة الجديدة للحزب في البناء الخلاق على إرثه السياسي والفكري، وفي الحفاظ على بنيته التنظيمية والبشرية التي تشكلت عبر أكثر من ثلاثة عقود من العمل الفكري والتنظيمي والنضال السياسي والشعبي. كما تمكنت من الصمود في وجه حملات ملاحقة وتحريض وقمع غير مسبوقة، استهدفت كل تعبير سياسي فلسطيني مستقل داخل إسرائيل، خاصة بعد طوفان الأقصى.

ومع ذلك، فإن التحديات المقبلة لا تزال كبيرة. فالسؤال المركزي لا يتعلق فقط بقدرة التجمع على مواصلة حضوره السياسي والانتخابي، بل بقدرته، وبقدرة مجمل الأحزاب والحركات الوطنية، على تجديد أدوات عملها الجماهيري، وتوسيع حضورها الشعبي، وعقد تحالفات صلبة، في ظل تضييق سياسي متصاعد ومحاولات منهجية لتفكيك المجال العام الفلسطيني في الداخل.

أما التحدي الأعمق، فهو كيفية الجمع بين الدفاع عن الوجود والحقوق اليومية، والمساهمة الفاعلة في صياغة مشروع وطني فلسطيني شامل، يعيد وصل ما قطعته عقود التجزئة بين مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني، والأهم كيفية الصمود في وجه حملات القمع المتواصلة التي قد تتفاقم ضده. ففي ظل التحولات التاريخية التي تعيشها المنطقة، وفي ظل انكشاف حدود مشاريع التسوية القديمة، والتراجع في مكانة الإمبراطورية الأميركية، والعزلة الدولية لنظام الأبارتهايد الإبادي، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى رؤية سياسية جديدة تربط بين النضال من أجل الحقوق المدنية والقومية في الداخل، وبين المشروع التحرري الفلسطيني الأشمل. وفي هذا السياق تحديدًا، يبقى للتجمع الوطني الديمقراطي دور مهم يمكن أن يتجاوز حدود العمل الحزبي التقليدي، ليكون أحد روافع تجديد الفكر الوطني الفلسطيني وإعادة بناء أفقه التحرري الديمقراطي. وهذا ما هو متوقع منه أكثر من غيره.