لا ألوم العرب والفلسطينيين الذين يتعلقون بقشة "العرب في إسرائيل" كوسيلة أخيرة للنجاة بعد تكسر المجاديف العربية والفلسطينية وغرق مراكبها، أو الذين ينظرون إلى خاصية "العربي الإسرائيلي" التي "كُرِّم" بها فلسطينيو الداخل ومُنحوا حق المشاركة الصورية في الحياة السياسية الإسرائيلية، باعتبارها نقطة الضوء الوحيدة في عتمة الليل والعجز العربي والفلسطيني عن ردع التغول الإسرائيلي المنفلت من أي عقال في عهد حكومة اليمين الديني الاستيطاني برئاسة نتنياهو.
هكذا تتحول هذه "الخاصية" التي يتمتع بها الفلسطينيون في إسرائيل دون غيرهم، من لعنة إلى مأثرة يجب إحسان استغلالها وتوظيفها لخدمة قضايا الشعب والأمة الكبرى، وينشغل العديد من مفكريها ومنظريها، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، في إنشاء مقالات الوعظ والإرشاد الداعية إلى توحيد الجهود وشحذ الأصوات وزيادة المقاعد لحشد "العرب في إسرائيل" في مهمة إسقاط نتنياهو من الداخل، حتى لو كان ذلك بثمن التخلي عن ثوابتنا الوطنية والتفريط بقضيتنا الفلسطينية، كما فعل منصور عباس.
هكذا نجد كاتبًا شيوعيًا بارزًا مثل ماهر الشريف يفاخر، في مقال نشره مؤخرًا على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بأنه تنبأ في شهر شباط/فبراير 2015 بأن تشكيل قائمة مشتركة سيخلق دينامية جديدة بين الجماهير العربية في إسرائيل، تؤدي، على حد وصفه، إلى توليد وعي جديد وتنشيط الحراك السياسي بين صفوفها، وإلى رفع نسبة مشاركتها في الانتخابات، وبالتالي إلى "تعزيز تمثيلها في الكنيست" و"زيادة تأثيرها في صنع القرار السياسي في الدولة".
ويستعين هذا الكاتب في المقال بنتائج استطلاع للرأي بيّن أن 62 في المئة من أصحاب حق الاقتراع العرب يعتزمون المشاركة في الانتخابات القادمة للكنيست (2015) في حينه، وهي نسبة تزيد 10 في المئة عن انتخابات سنة 2009، مستشهدًا ببعض التقديرات التي تشير اعتباطًا، إلى أن نسبة 20 في المئة من أصحاب حق الاقتراع العرب لا يشاركون في الانتخابات، ليس لدوافع أيديولوجية، وإنما لانعدام الوحدة بين صفوف الأحزاب العربية.
وللأمانة الصحفية، فإن الشريف لا يكتفي بما ورد أعلاه، بل يقتبس في مقاله سالف الذكر أيضًا أقوال الدكتور يوسف جبارين، الذي دعا في حينه إلى ضرورة تحويل مسألة القائمة المشتركة من وحدة انتخابية على الصعيد البرلماني إلى مشروع وطني متكامل واستراتيجي "يضع العمل الوطني المشترك في رأس سلم أولوياتنا ويترجم فكرة التشارك من تشارك تقني إلى تشارك جوهري".
لكنه يكتفي، لدى حصاد النتائج، بالإشارة إلى صوابية توقعاته بحصول القائمة المشتركة في انتخابات سنة 2015 على 13 مقعدًا في الكنيست، وعلى 15 مقعدًا في انتخابات سنة 2020؛ داعيًا إلى تكرار التجربة، دون التطرق، ولو بكلمة واحدة، إلى فشل المشتركة في التحول إلى "مشروع وطني متكامل واستراتيجي يضع العمل الوطني المشترك في رأس سلم أولوياتنا"، وإلى إخفاقها في ترجمة فكرة التشارك من تشارك تقني إلى تشارك جوهري، وهو الأمر الذي أكد عليه من خلال إيراد اقتباس جبارين.
ويبدو أن إسقاط الشق الثاني من المعادلة، الذي ورد في الاستنتاج الذي ختم به ماهر الشريف، وهو منظر شيوعي معروف نحترم مؤلفاته رغم اختلافنا مع وجهة نظره، أي إسقاط الشق الذي يمثل البعد الوطني من المعادلة، بدا واضحًا على امتداد المقال الجديد، الذي يحمل تاريخ 23.6.2026.
حيث يختار أن يبدأ الباب المتعلق ببروز "أهمية صوت العرب الفلسطينيين في إسرائيل" من انتخابات 2021، عندما تمكنت حكومة نفتالي بينيت – يائير لابيد، على حد وصفه، من الحصول على المقاعد الـ61 اللازمة في الكنيست بفضل دعم "القائمة العربية الموحدة" لها، وذلك مقابل حصول الأخيرة، في المقابل، على مواقع في لجان الكنيست ومخصصات مالية سخية، حتى وإن لم ينضم ممثلوها رسميًا إلى الحكومة، كما يقول.
ويلقي باللوم على التجمع، أو "بلد" كما يسميه، لإهداره مثل هذه الفرصة في انتخابات الكنيست التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، بسبب عدم تمكن قائمة حزب "بلد" من تجاوز نسبة الحسم، "إذ لم تحصل سوى على 3% من الأصوات، في حين إنها لو انضمت إلى قائمة التحالف الذي أقيم بين "حداش" و"تعل"، لحصلت هذه الأحزاب على ثلاثة مقاعد إضافية، ولما بلغ ائتلاف بنيامين نتنياهو 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة"، كما يقول.
وبغض النظر عن تحفظنا على استعمال الكاتب المذكور للرموز العبرية في تعريف ومخاطبة الأحزاب العربية، على غرار "حداش" و"تعل" و"راعام"، ولو تمكنا من تجاوز تحميله التجمع وحده مسؤولية عدم إنجاز قائمة ثلاثية مشتركة، وبالتالي إلقاء مسؤولية صعود نتنياهو على كاهله وإعفاء الأطراف الأخرى منها، فإننا لا نستطيع تجاوز إغفاله لتجربة "الكتلة الحاسمة" التي قادتها الجبهة في عهد توفيق زياد والحزب العربي الديمقراطي بقيادة عبد الوهاب دراوشة عام 1992، وهي التجربة الرائدة الأولى التي تجلت خلالها أهمية الصوت العربي، والتي وازنت وحافظت على البعدين الوطني والمدني، عندما دعمت حكومة رابين التي من جهة، مدت يدها للتفاوض والوصول إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين وممثلهم الشرعي، منظمة التحرير الفلسطينية، ومن جهة أخرى، أحدثت تحولًا، وإن كان غير مكتمل، في علاقة الدولة مع مواطنيها العرب الفلسطينيين.
وبدون شك، فإن إغفال تلك التجربة، التي شكلت وما زالت محور خلاف مع منصور عباس ومثالًا يحتذى من قبل الجبهة والتجمع في كيفية استغلال الصوت العربي دون التخلي عن ثوابتنا الفلسطينية والتفريط بقضيتنا الوطنية، كما فعل الأخير عندما أسقط البعد الوطني بانضمامه إلى ائتلاف بينيت – لابيد الحكومي اليميني، وهو يحاصر ويقصف غزة ويكثف الاستيطان في الضفة والنقب.
كما أن الحديث عن سعي عباس إلى تكرار التجربة مع بينيت – آيزنكوت في الانتخابات القادمة، يتكامل مع ما هو آتٍ من المقال، مثل تبني وجهات نظر جاهزة حول تدني نسبة التصويت في النقب بسبب "عدم وجود مراكز اقتراع في عشرات القرى غير المعترف بها، واضطرار بعض السكان إلى السفر لمسافات طويلة قد تصل إلى 50 كيلومترًا للتصويت"، بالإضافة إلى "ضعف المواصلات العامة وعدم امتلاك الكثيرين سيارات خاصة"، كما يقول، وليس ناتجًا عن الإحباط وعدم الثقة بالدولة ومؤسساتها وانعدام القناعة بأن المشاركة في الانتخابات لن تجلب لهم أي حلول لمشاكلهم المستعصية، أو التسليم بوجهة نظر الصحفية عميرا هس، التي تقول إن التصويت في الانتخابات المقبلة "سيكون فعلًا معارضًا، وليس خاضعًا"، لذلك يتوجب على من رأوا في المقاطعة وسيلة للتعبير عن نفورهم من النظام السياسي والأيديولوجي، وعن قناعتهم بعدم وجود إصلاح ممكن، تغيير رأيهم والذهاب إلى صناديق الاقتراع.
كما أننا لا يمكن أن نفهم نقل الوصف الدراماتيكي للحظة توقيع الاتفاق بين منصور عباس وبينيت – لابيد، "في إحدى أمسيات حزيران/يونيو 2021 في "رامات غان""، ونص ما قاله لمجلة "تايم" من "أنها كانت لحظة تاريخية، وأن الدموع كانت تملأ عيون الحاضرين في الغرفة"، إلا في سياق التعبير عن الإعجاب، خاصة عندما يسبقه حديث بأن "راعام"، بقيادة منصور عباس، يركز على ضرورة بناء قوة سياسية حقيقية تتمتع بنفوذ قادر على تغيير واقع الأقلية العربية في إسرائيل. وهو يعتقد أن مشاركة حزبه في ائتلاف حكومي مع الأحزاب الصهيونية ستمكنه من إحداث تغييرات ملموسة لصالح المواطنين العرب الفلسطينيين، ويذيل ذلك برأي محللين يدعون أن منصور عباس "أدخل، بهذه الخطوة، العرب الإسرائيليين في العملية الديمقراطية، وأضفى الشرعية على حزب "راعام"، الذي يُعتبر حزبًا قطاعيًا يشبه إلى حد كبير حزب "شاس" الحريدي، الذي يتشارك معه في أجندته المحافظة والاجتماعية"، كما يقول.
ويمتد هذا الإسقاط للبعد الوطني كذلك إلى الانتقاد العاتب على أحزاب المعارضة التي رغم عزمها على إسقاط بنيامين نتنياهو في الانتخابات القادمة، فإنها ترفض التحالف مع أي حزب عربي، في مجتمع مصاب بصدمة أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب التي تخوضها إسرائيل على جبهات متعددة، كما يقول، مشيرًا إلى تصريح نفتالي بينيت في آذار/مارس الفائت، الذي قال فيه إن "إسرائيل في حاجة إلى ائتلاف صهيوني، خالٍ من أي حزب عربي"، ومن ثم الإشادة بيائير غولان والترحيب بموقفه الذي أبدى انفتاحًا على التحالف مع "راعام"، حيث تساءل قائلًا: "ما الخطأ في الجلوس مع منصور عباس؟"، مؤكدًا أولوية الرغبة في استبدال حكومة نتنياهو، خاصة وأن عباس، كما قال، هو قائد يقبل المبادئ التالية: إسرائيل دولة يهودية، ولكنها أيضًا دولة حرة ومتساوية.
وإن كان التغني بالمشتركة يأتي من باب الدفع لإسقاط حكومة نتنياهو واليمين المتطرف الذي يقودها، فإن الخبر الذي زفته استطلاعات الرأي الإسرائيلية في الآونة الأخيرة، يفيد بأن تشكيل المشتركة لا يساهم في مهمة إسقاط نتنياهو بل يعيقها، لأنها ستقتنص من أصوات العرب الذين يصوتون ليائير غولان، وتقلل بالتالي عدد مقاعد المعارضة الصهيونية، قد يربك حسابات البعض.