يمكننا التعامل مع بريطانيا، أو باسمها الرسمي: المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية، بوصفها أعرق الديمقراطيات في العصر الأوروبي الحديث. ومن هنا أهمية ما يحصل فيها على الصعيد السياسي، لجهة تعذر إنهاء رؤساء الحكومات في العقد الأخير ولاياتهم الطبيعية. ففي غضون العقد الأخير، استقال من مناصبهم سبعة من رؤساء ورئيسات الحكومات على خلفية أزمة حكم وثقة واقتصاد. وكان الأخير الذي فعل ذلك بداية هذا الأسبوع، كير ستارمر، رئيس الحكومة من حزب العمال، بضغط من وزراء في حكومته، وفي ضوء تردي شعبيته لدى جمهور ناخبي الحزب بوجه خاص. وكان ستارمر قد جاء إلى رئاسة الحكومة في أعقاب فوز حزبه في الانتخابات قبل عامين. وكان سبقه في الاستقالة ريشي سوناك من حزب المحافظين، على خلفية مشابهة، وهبوط شعبيته وشعبية حزبه بسبب تواطئهما مع حرب الإبادة في غزة. بمعنى أن الاستقالات شملت رؤساء الحكومة من الحزبين المتنافسين على السلطة، "العمال" و"المحافظين"، للقول إن الأمر لم يعد متعلقًا بسياسة هذا الحزب أو ذاك، بل بـ"المنظومة البريطانية"، إذا صحّ التعبير. وهو ما أود التوقف عنده في هذه العجالة.
بريطانيا هي واحدة من الدول الديمقراطية التي تُدار، بالأساس، وفق نظام الحزبين، كما في الولايات المتحدة الأميركية. لكن ما حصل فيها أن تبدل الحزبين في إدارة الحكم، على الأقل في العقدين الأخيرين، لم يُفضِ إلى تغيير في السياسات ولا في الأوضاع سوى تعديلات طفيفة لم تستطع أن تنقل بريطانيا من المراوحة في مكانها على مستويات عدة. وقد كان الخروج من الاتحاد الأوروبي، "بريكست"، في العام 2016، خطوة جذرية لإطلاق الاقتصاد البريطاني وتحريره من "قيود" و"ضوابط" يفرضها "الاتحاد"، بعد سنوات من الجمود دخل فيها الاقتصاد البريطاني منذ الأزمة العالمية في العام 2008. لكن تتكشف تلك الخطوة الآن على أنها كانت مغامرة عمّقت الجمود وزادت الأمور سوءًا، بدلالة أن الدين الخارجي البريطاني زاد على 100% من الناتج الإجمالي المحلي. وهو ما يضطر الحكومة إلى إنفاق نحو 134 مليار دولار سنويًا لسداد الديون وفوائدها. وكي نفهم حجم هذا الإنفاق، نشير إلى أنه ثاني أكبر بند إنفاق في موازنة الدولة بعد بند الخدمات الصحية.
لقد حصل هذا نتيجة الاقتراض بمبالغ كبيرة، الذي قامت به الحكومات منذ أزمة العام 2008، لضمان مستوى خدمات معقول تعود عليه سكان المملكة، ومن خلال البناء على تحولات إيجابية في المستقبل، ولاعتقاد القيادات أن المملكة في منعة، وتستطيع أن تسمح لنفسها بهذا الترف. بيد أن التوقعات كلها، منذ ذلك الحين، إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي أدى إلى نقص في الأيدي العاملة وتعطيل خطوط التوريد، أفضت إلى نتائج عكسية، فاقمتها حربان: حرب روسيا على أوكرانيا، وحرب إسرائيل على غزة، ومن ثم على إيران. ثم أتت جائحة كورونا العالمية لتوجه ضربتها. وكأن هذه العوامل لا تكفي، فقد طرأ عاملان استراتيجيان عقدا المشهد. فقد اقترنت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بتعديل جذري في اتفاقيات التجارة بين أميركا والخارج، شملت بريطانيا وأوروبا، الحليفين القريبين. وقد دفع البريطانيون "الفوارق" الناتجة عن هذه التعديلات من اقتصادهم المتباطئ أصلًا. أما العامل الثاني، والأعمق، فهو ارتفاع أعداد المسنين الخارجين من دورة العمل والإنتاج. بل تضطر الدولة إلى إنفاق نحو 84 مليار دولار سنويًا على رعاية الشيخوخة.
في جانب آخر من أزمة "المنظومة"، تعمقت البيروقراطية في المملكة إلى حد أن طبقة البيروقراطيين صارت تشكل عبئًا جديًا على المنظومة في تنفيذ السياسات وفي تمويلها. فقد يحتاج المواطن البريطاني الراغب في بناء بيته إلى إنجاز نحو 100 معاملة وإجراء قبل أن يدق مسمارًا واحدًا! وقد تتضاعف مصروفات المشاريع أو تطول مدة التنفيذ لاعتبارات تتصل بالبيروقراطية والإجراءات، وضرورة مراعاة هذا الجانب أو ذاك.
في المحصلة، زاد الضغط على الأسر البريطانية، وانحسرت طاقتها الشرائية بسبب ارتفاع الفوائد والأسعار ومعدلات التضخم والبطالة. وانحسرت معها مكانة لندن/بريطانيا كمركز مالي يجذب الاستثمارات الخارجية التي تنعش الاقتصاد وتحافظ على دورة عالية للإنتاج.
أما في الجانب السياسي من الأزمة، فقد لوحظ أن استقالة رؤساء الحكومة قبل انتهاء ولاياتهم الرسمية رافقها استقالات أكبر في المناصب الوزارية والعليا في القطاع الحكومي، خاصة أن الرواتب في هذه المواقع صارت "مضحكة" مقارنة بما هي عليه في القطاع الخاص، الذي ابتلع الكفاءات والتكنوقراط البريطانيين. وقد لوحظ مع الوقت أن طبقة المسؤولين في الحكومات المتعاقبة هبطت في جودتها ومستواها واحترافيتها (تذكرنا هذه السيرورة بما صاغه آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة"). وتشير بعض التقارير إلى أن هذه الطبقة تشتغل في الشبكات والفضاء الافتراضي أكثر بكثير مما تشتغل في الواقع.
سأفترض هنا أن هذه الأزمة ليست أزمة جارية، بل هي جزء من أزمة الديمقراطية التمثيلية في العالم، كما عرضها يورغن هابرماس في أحد مقالاته البارزة عن الخيار ما بعد القومي. فقد رأى هابرماس أن هذه الديمقراطية لم تعد فاعلة في ظل العولمة، وإن تغطت بإجراءات ديمقراطية كالانتخابات أو الاستفتاءات أو غيرها، لأن الكيانات العابرة للدولة، الاقتصادية بوجه خاص، صادرت القرار الوطني من الحكومات وفرضت واقعًا سياسيًا يخدم مصالح خارج الدولة. أما الدولة، فإما أنها تتخذ القرارات وتضع السياسات دون أن تكون لديها قدرة فعلية على تنفيذها، وإما أن تصير جهاز جباية بيروقراطيًا في خدمة الرأسمال العابر للقارات. وعليه، فقد اقترح هابرماس تطوير الاتحاد الأوروبي ككيان يضم دولًا عديدة ويمتلك قوة تضاهي القوى والكيانات التي صارت تستفرد بالدولة وتخضعها لمصالحها و"سوقها". ربما أن بريطانيا بدأت تدرك ذلك، وهي تدرس مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي إمكانية العودة إليه. والسؤال الآن: ما هو الثمن المطلوب منها؟
خلاصة القول إن أزمة بريطانيا لا تنحصر فيها، بل تطال الأنظمة المماثلة. فقد اتضح أن الحزبين الكبيرين، مثلًا، "يعملان" ويتحركان ليس بقوة دفع الناخبين، بل بقوة دفع مصالح فوق بريطانية، إذا صحّ التعبير، وهي، كما يتضح، تمول هذا وذاك، أو لنقل تستخدم هذا وذاك منهما. وهو ما يفسر انهيار شعبية حزب العمال بعد عامين على فوزه، مقابل حزب المحافظين الذي خسر الرهان على تأييد محور ترامب ـ نتنياهو في كل ما فعله تجاه فلسطين وإيران والإقليم. وها هو ستارمر يخسر على الخلفية ذاتها، ويخسر معه ناخبوه وبريطانيا التي تريدها الكيانات الاقتصادية العابرة للقارات أداة لها، وليست خادمة لمواطنيها كما كان يُفترض. وما كان من توازنات بين الرأسمال وبين الحكومات والأحزاب والدول، يبدو أنه انتهى، وأن الأمور ذاهبة في اتجاهات لا يعرف أحد في بريطانيا أو خارجها مآلاتها. العولمة، بوصفها سيرورات متداخلة تضعف الدول، لا ترحم بريطانيا ولا إرثها كمركز مالي وديمقراطية عريقة.