28/06/2026 - 13:24

التجنيد مقابل التأثير - ما الذي يُحاك للعرب في اليوم التالي للانتخابات؟

السؤال الحقيقي للعرب بعد الانتخابات لن يكون: من شكّل الائتلاف القادم؟ بل ما هو الثمن الذي سيُطلب من العرب مقابل تأثير أكبر؟ وهل نحن أمام لحظة يُعاد فيها تسويق التجنيد بأشكال مباشرة أو مقنّعة، كثمن طبيعي لمسار "الشراكة السياسية"؟...

التجنيد مقابل التأثير - ما الذي يُحاك للعرب في اليوم التالي للانتخابات؟

منصور عباس (Getty)

ثمة إشكال جوهري في الطريقة التي يُدار بها النقاش العربي مع اقتراب الانتخابات القادمة. الجميع منشغل بالسؤال التقليدي: هل ستعود المشتركة؟ أم سنذهب إلى قائمتين؟ من يتحالف مع من؟ ومن يتحمل مسؤولية الوحدة أو الانقسام؟ لكن، رغم أهمية هذه الأسئلة، فهي لا تلامس جوهر اللحظة السياسية الراهنة.

ذلك أن ما يجري تحت السطح أخطر بكثير من مجرد مفاوضات انتخابية أو إعادة ترتيب للخريطة الحزبية. نحن أمام محاولة بلورة صفقة سياسية جديدة للعرب في الداخل، قد تعيد تعريف علاقتهم بالدولة الإسرائيلية خلال العقد القادم. صفقة لم تُعلن رسميًا بعد، لكنها تتشكل بوضوح في الخطاب السياسي والإعلامي والقانوني، بل وحتى داخل النقاش العربي نفسه. يمكن اختصار هذه الصفقة بمعادلة واحدة: التأثير مقابل التجنيد. أو بصيغة أكثر نعومة وأكثر قابلية للتسويق: الشراكة مقابل الخدمة.

إسرائيل، التي تعاملت تاريخيًا مع المجتمع العربي عبر الضبط الأمني والتمييز البنيوي والاحتواء المحدود، تبدو اليوم أقرب إلى نموذج مختلف: دمج العرب بصورة أعمق في مركز اللعبة السياسية، لا من باب الاعتراف الحقيقي بالمساواة، بل من باب إعادة هندسة علاقتهم بالدولة. المطلوب لم يعد فقط أن يكون العربي مواطنًا منضبطًا لا يزعج المؤسسة، بل أن يصبح شريكًا وظيفيًا في استقرارها.

لكن الشراكة هنا ليست مجانية، لأن الثمن المطلوب لم يعد الصمت، ولا الاكتفاء بالمشاركة البرلمانية الرمزية، بل الدخول التدريجي في منظومة الواجبات السيادية للدولة. ومن هذا المنطلق، يجب فهم الحديث المتزايد عن الخدمة المدنية في سياق أزمة التجنيد الإسرائيلية.

وهناك تيار عربي مركزي، بقيادة الموحدة ومنصور عباس، وبدعم من جهات إعلامية، بدأ يروّج لهذا الملف وكأنه مجرد نقاش حول فرص تشغيل، أو مسار اجتماعي للشباب، أو أداة لمحاربة الجريمة، في محاولة لترسيخ فهم سطحي لمشروع الخدمة المدنية، التي لا تشكل ملفًا اجتماعيًا، بل مشروعًا سياسيًا تأسيسيًا. إنها البوابة التي يُراد من خلالها نقل العربي من موقع المطالبة بالحقوق إلى موقع إثبات الاستحقاق. أي إن الحق لا يعود حقًا بحد ذاته، بل يصبح شيئًا يُكتسب عبر الخدمة والمساهمة والولاء.

هذه ليست مجرد براغماتية سياسية، بل إعادة تعريف كاملة لمعنى المواطنة داخل إسرائيل. لم يعد العربي صاحب حق جماعي وتاريخ سياسي، بل مواطنًا تُقاس شرعيته بمدى مساهمته في خدمة الدولة. الخدمة المدنية ليست بديلًا عن التجنيد كما يحاول البعض تسويقها أو فهمها، بل هي الجسر الذي يجعل التجنيد ممكنًا ومقبولًا لاحقًا. فالتجنيد العسكري لا يبدأ عند بوابة الجيش، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: عندما تُطبّع فكرة الخدمة نفسها، وعندما يصبح مفهوم "المواطن الصالح" مرتبطًا أخلاقيًا بالخدمة والعطاء للدولة. عندها لا يعود السؤال: هل نخدم أم لا؟ بل يتحول إلى سؤال أخطر:

بأي صيغة نخدم؟

وهكذا يصبح الانتقال من الخدمة المدنية إلى التجنيد انتقالًا في الدرجة، لا في الجوهر، حين يبدأ الأمر بخدمة مدنية "تلائم خصوصية العرب"، ثم بخدمة وطنية أوسع، ثم بمسارات خاصة، ثم بتفاوض على امتيازات وتمثيل أوسع مقابل أشكال مختلفة من التجنيد. وحينها لن يُقدَّم التجنيد كإكراه، بل كجزء من صفقة عقلانية: نحو تأثير أكبر مقابل مساهمة أكبر في ما يسمى تحمّل العبء وحل عقدة حكم نتنياهو.

ولفهم كيف وصلنا إلى هنا، يجب العودة إلى العقد الأخير. فلم نصل إلى معادلة "التأثير مقابل التجنيد" دفعة واحدة. هذا المسار بدأ يوم تغيّر السؤال المركزي في السياسة العربية: من سؤال الشرعية إلى سؤال الفاعلية. من سؤال: ماذا يجوز لنا سياسيًا؟ إلى سؤال: ما الذي يمنحنا تأثيرًا أكبر داخل النظام الإسرائيلي؟

معركة التوصية لم تكن مجرد خلاف تكتيكي حول إسقاط نتنياهو. كانت لحظة كُسر فيها حاجز سياسي مهم. جرى تطبيع فكرة أن العرب جزء من لعبة تشكيل الحكم الإسرائيلي. وما إن كُسر هذا الحاجز، حتى أصبحت الحواجز التالية أكثر هشاشة.

التوصية طبّعت التأثير. والمرحلة القادمة قد تطبّع ثمن التأثير. إذًا، نحن لا نقف فقط أمام نقاش حول حكومة قادمة، بل أمام محاولة لإعادة صياغة العربي نفسه داخل إسرائيل: من صاحب قضية جماعية إلى شريك وظيفي داخل المنظومة، تُقاس شرعيته بمدى مساهمته في استقرارها وخدمة مؤسساتها.

السؤال الحقيقي للعرب بعد الانتخابات لن يكون: من شكّل الائتلاف القادم؟ بل ما هو الثمن الذي سيُطلب من العرب مقابل تأثير أكبر؟ وهل نحن أمام لحظة يُعاد فيها تسويق التجنيد بأشكال مباشرة أو مقنّعة، كثمن طبيعي لمسار "الشراكة السياسية"؟