تتقن إسرائيل فن التلاعب بالمصطلحات حين تريد نقل السياسات العنيفة إلى المجال العام بلغة أقل عنفًا، فهي لا تترك الممارسة مكشوفة أمام القانون والأخلاق والرأي العام، ولذلك تمنحها اسمًا أكثر نعومة وقدرة على التمرير. وهكذا يصبح القصف "دفاعًا عن النفس"، والحصار "ترتيبات أمنية"، والسيطرة "إدارة ميدانية"، والتهجير "حركة حرة". غير أن تغيّر المصطلح لا يبدل حقيقة الفعل ولا يمحو أثره، فالممارسة تبقى كما هي مهما تغيّرت الأسماء التي تغطيها.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
في الأيام الأخيرة، عاد ملف تهجير سكان قطاع غزة إلى الواجهة من مدخل جديد، بعد أن بدأت إسرائيل استخدام مصطلح "الحركة الحرة" بدلًا من مصطلح "الهجرة الطوعية"؛ في محاولة لتخفيف العبء الذي التصق بالصيغة السابقة، خصوصًا بعدما أصبح الخروج من قطاع غزة يُقرأ في سياق الحرب والدمار والحصار على أنه تهجير جماعي، لا كخيار سفر طبيعي.
وفي هذا السياق، ذكرت "القناة 13" الإسرائيلية أن جهات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وجهاز الموساد تحديدًا تلقت تعليمات بترك مصطلح "الهجرة الطوعية"، واعتماد مصطلح "خطة للحركة الحرة"، بعد أن أثار الاسم القديم انتقادًا دوليًا واسعًا وفتح الباب أمام اتهامات مباشرة لإسرائيل بالسعي إلى تنفيذ "ترانسفير". لكن الممارسةُ المستمرةُ سبقت المصطلحَ الجديد، فعبارة "الحركة الحرة" تُستخدم اليوم فوق واقع غزّي شديد التعقيد، تصنعه حرب مفتوحة ونزوح داخلي متكرر وتدمير واسع لكافة مناحي الحياة، وتحكم إسرائيلي بالمعابر والمساعدات إلى جانب بحث عن دول يمكن أن تستقبل أعدادًا من سكان القطاع.
يفسر تاريخ غزة منطق التهجير قبل الوصول إلى المصطلحات الجديدة. فمنذ عام 1948، تحولت غزة إلى مساحة مكثفة للاجئين الفلسطينيين الذين منعتهم إسرائيل من العودة إلى قراهم ومدنهم. وصار القطاع في الوعي الإسرائيلي خزانًا ديموغرافيًا لذاكرة النكبة. وبعد احتلال عام 1967، جربت إسرائيل صيغة مبكرة من إدارة السكان عبر الحركة، وسمحت لفترة بحرية الانتقال بين غزة والضفة، وراهن موشيه ديان على أن يغادر بعض الغزيين "المنطقة المغلقة" ثم يواصلوا الطريق إلى الأردن. كما درست لجان إسرائيلية نموذج "الدفع والجذب"، أي خلق ضغط معيشي داخل غزة وربط الخروج بحوافز وفرص في أماكن أخرى.
كانت وثيقة وزارة الاستخبارات الإسرائيلية في تشرين الأول 2023 نقطة مبكرة في هذا المسار، حيث عرضت الوثيقة بدائل لمستقبل سكان غزة، وفضّلت خيار تهجير المدنيين إلى سيناء على إبقائهم داخل القطاع تحت سلطة فلسطينية أو عربية محلية. وفي المقابل، حاول نتنياهو لاحقًا تقليل قيمة الوثيقة، غير أنها بقيت دليلًا على أن فكرة الـ"ترانسفير" دخلت التفكير المؤسسي منذ الأيام الأولى للحرب.
وفي شباط 2025، دفع ترامب الفكرة باتجاه آخر حين تحدث عن غزة بوصفها مكانًا لم يعد صالحًا للحياة، وعن نقل سكانها إلى دول أخرى ضمن تصور لإعادة الإعمار. بهذه اللغة، اكتسبت الخطة غطاءً دوليًا جديدًا يجعل إخراج السكان يبدو كحل إنساني وتنموي. وقد منحت هذه الصياغة التهجير لباسًا اقتصاديًا وأخلاقيًا؛ مع أنها أبقت الفلسطيني خارج موقعه الطبيعي كصاحب حق في الأرض والعودة وتقرير مستقبل المكان.
ثم صادق الكابينت الإسرائيلي في آذار 2025 على إنشاء "مديرية النقل الطوعي" داخل وزارة الأمن. وقد منحت هذه الخطوة الخطة شكلًا إداريًا مباشرًا؛ لأن المديرية تتولى التنسيق بين الوزارات والأجهزة الأمنية وتفحص مسارات الخروج عبر البر والبحر والجو، فانتقلت الفكرة بذلك من مستوى النوايا والتصريحات إلى مستوى الملفات والفرق والمسارات والإجراءات.
وفي 23 حزيران 2025، عرض الباحثان في معهد القدس للإستراتيجية والأمن، غابي سيبوني وأيرز وينر، مقاربة أكثر صراحة في مقال بعنوان "الهجرة من غزة فرصة إستراتيجية لن تتكرر". إذ لم يتعاملا مع دمار غزة ككارثة تستدعي إعادة الإعمار، وقدّماه كمدخل سياسي لتشجيع الهجرة. فإعادة الإعمار في نظرهما تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات، وقد تفضي إلى بناء قدرات قتالية جديدة ثم تعيد إنتاج دورة البناء والتدمير، ومن هذا المنطق يقدمان تهجير سكان القطاع بوصفه الحل الأفضل من منظور إسرائيلي.
وبالعودة إلى اللغة والمصطلحات، تخاطب عبارة "الحركة الحرة" دول العالم أيضًا؛ لأن خطة إخراج السكان تحتاج إلى دول تستقبل، وإلى أطراف تسهّل، وإلى غطاء دبلوماسي يخفف وقع الاتهام القانوني والأخلاقي. بهذا المعنى، يصبح المصطلح أداة لتليين الفكرة أمام العواصم المترددة مع إبقاء مضمونها العملي قائمًا، أي تقليل عدد الفلسطينيين في غزة ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي ضوء ذلك، تكمن الخطورة في أن إسرائيل لا تفصل بين مستقبل غزة ومستقبل سكانها، فكل مخطط إسرائيلي يتعلق بمستقبل القطاع يحمل في داخله تصورًا لتهجير جزء من السكان أو تقليل عددهم، سواء جرى ذلك عبر الحديث عن الإعمار أو إدارة ما بعد الحرب أو "الحركة الحرة". كما يبدو أن هذه الفكرة تحظى بغطاء أميركي أو بتفهّم أميركي على الأقل، غير أن الرفض العربي يحول حتى الآن دون تحويلها إلى مسار واقعي، لأن أي خطة لتهجير السكان تحتاج إلى دول تستقبل، وإلى أطراف تسهّل، وإلى شرعية إقليمية تخفف كلفة الاتهام القانوني والأخلاقي.