شهد الأسبوع الجاري موجة جديدة من جرائم القتل في البلدات العربية، في مختلف ساعات اليوم، في الصباح الباكر والليل المتأخر، والحيثيات مختلفة لكن الخلفية جنائية، تربطها الرغبة في الانتقام حتى لو كان الضحايا لا تربطهم بالجريمة أي صلة، سوى صلة القرابة لأحد المتورطين في الجريمة.
ولأن مختلف الجرائم مرتبطة بصراعات أطرافها وخلفياتها معروفة، في كل بلدة وبلدة، فإن أجهزة إنفاذ القانون لا بد أنها على علم بتفاصيلها وخطط المجرمين. هذا على المستوى السياسي - الدولة. أي أن تحويل البلدات العربية إلى ساحات للقتل وتفجير السيارات غير منفصل عن السياسة، ليس فقط بما يتعلق بتقصير الشرطة وأجهزة إنفاذ القانون في منع الجرائم ومعاقبة المجرمين، بل إن قرارًا سياسيًا قد اتخذ بأن يُغرق المجتمع العربي بمستنقع الدم والجريمة، بحيث يصبح أكثر ما يطمح الإنسان العربي إليه هو النجاة الفردية والأمن الشخصي، لا تطلعات سياسية ووطنية جماعية، ليجري التطبيع مع الواقع الدموي الأليم كأنه قضاء وقدر، ويتم نزع السياسة عن الشأن العام لتتحول قضية مثل الجريمة إلى مشروع استنجاد بالدولة بأن تقوم بدورها بحماية الحيز العام مهما كان الثمن، وإذا كانت هذه الحكومة مقصرة ومتواطئة في مواجهة الجريمة، فإن استبدالها سيكون الحل، أي استبدال وزير شرطة بوزير آخر.
وبذلك يتم تقزيم السياسة إلى حملة انتخابية لا تستهدف بنية الدولة العنصرية، بل يصبح الطموح الكبير أن يجلس في وزارة الشرطة وزير "معتدل" بدلًا من الوزير المتطرف. أي تتحول كارثة الجريمة إلى مسألة انتخابية، أو تُستغل انتخابيًا، ليكون السطر الأخير هو التطبيع مع واقع الجريمة وبنية الدولة العنصرية. بل أكثر من ذلك، سيشرع ذلك الباب أمام أشخاص مثل منصور عباس للدعوة للخدمة المدنية - ولاحقًا الخدمة العسكرية من باب تحصيل حاصل - بحجة المسؤولية الذاتية عن مواجهة الجريمة، أي أن يخدم العرب في جهاز الشرطة وغيرها لمواجهة المجرمين، مقابل أن يصبح هو شريكًا في حكومة الاحتلال والإبادة وتهويد المقدسات.
هذا هو المسار الذي يُراد للجريمة أن تتحول فيه إلى مشروع سياسي، لا يحل مشكلة الجريمة، بل يكون مكمّلًا لها. أزمة اجتماعية تقود إلى تشوه سياسي سيزيد من الأزمة الاجتماعية، لأنه يتعامل مع السياسة كفهلوة وشطارة وتذلل، وليس كمشروع لبناء مقومات المجتمع وتحصين أبنائه أمام الانهيار الأخلاقي.
وهذا مدخل إلى الحديث عن المسؤولية الأخلاقية الذاتية لنا؛ فمؤسسات الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية والرئيسية عن حالة الفوضى التي يعيشها المجتمع، ليس فقط في مجال الجريمة، بل بسياسات التجهيل والإفقار وخنق البلدات العربية إعماريًا، والجريمة في بعد أساسي هي نتيجة هذه السياسات، بل إن الدولة حاربت المؤسسات العربية سواء الاجتماعية والسياسية التي من شأنها أن تقوّي المجتمع وتحصنه من الانهيار الأخلاقي، في ظل المشاريع الممتدة على مدار عقود لتفتيت الوحدة الاجتماعية العربية، سواء من خلال ضرب الزراعة العربية بمصادرة الأراضي، أو إتاحة المجال لتحول السلطات المحلية إلى مجال للصراع الحمائلي والإفساد، بتحول المؤسسات التربوية والاجتماعية إلى مورد للتعيينات السياسية للمقربين، أي باختصار ضرب أي مقوّم من مقومات المجتمع.
ومع التحولات الكبرى التي حصلت عالميًا على مستوى التكنولوجيا والاقتصاد، دخل المجتمع العربي هذه الألفية ومقوماته الذاتية تنزف وتنهار، ودخل العقد الأخير كأنه يعيش نهضة تعليمية غير مسبوقة لجهة عدد الأكاديميين، لكنه قد يفقد الأرضية الاجتماعية التي يقوم عليها بشكل تراكمي، يعيش التحولات الكبرى وهو بلا أي مقوّم قادر على أن يحفظ تماسكه الذاتي كجماعة ومجتمع، بل تورطت المشاريع السياسية التي طُرحت في العقد الأخير في تجاهل بناء الذات الجماعية وركزت على الخلاص الفردي بالتصويت بيوم الانتخابات.
وجدنا أنفسنا في واقع مجتمع يعيش انهيارًا أخلاقيًا داميًا، بلا مؤسسات أسرية أو تربوية أو سياسية، لتصبح الجريمة تحصيل حاصل.
إن المسؤولية السياسية للدولة عما يجري هو أمر مفروغ منه، لكن في مواجهتها لا بد من طرح لمواجهة الانهيار الأخلاقي الذي يعيشه مجتمعنا، والذي لا ينعكس في الجريمة، بل له أوجه كثيرة ومتعددة في حياتنا اليومية والسياسية.