في كتابه بعنوان "إشكاليات الإبادة الجماعية"، يعرّف المؤرخ ديرك موزس عقيدة "الأمن الدائم" بوصفها تستند إلى منطق "العمليات الوقائية التي تُشن بداعي إحباط الأخطار المستقبلية"، فهي عمليًا "هاجس المطاردة" الناتج عن الخوف من التهديدات المتخيلة، والسعي إلى استباق الضربة المتوقعة. وهي، بخلاف الأمن العادي، تترافق مع طموح "يوتوبي" وخطير في الوصول إلى الأمن المطلق، وعليه فإنها تشكل، حسب رأيه، العامل الأساسي لممارسة أعمال العنف الواسعة ضد المدنيين حول العالم.
وفي هذا السياق، يعزو موزس معظم أعمال العنف وجرائم الحرب والإبادات الجماعية إلى تبني هذا المنطق، حيث يشير إلى اتباع سياسة العمل الشرطي الدائم الذي يمارسه النظام الكولونيالي، وإلى شن حرب يومية بوتائر منخفضة ضد سكان محتلين تقود إلى تراكم عمليات القتل بينهم، وإلى أشكال أخرى من شأنها أن تقود إلى "حلول نهائية"، مثل القضاء على مجموعات سكانية تُصنف على أنها خطيرة، كما حدث في ميانمار والروهينغا وإقليم شينجيانغ في الصين، وغيرها من أعمال الإبادة التي تم تنفيذها بدواعي إحباط أخطار مستقبلية.
ومنطق "الأمن الدائم" هو العقيدة التي سيّرت الجيش الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة وعلى مختلف الجبهات، والتي يشير إليها الباحث في الشؤون العسكرية الإسرائيلية يجيل ليفي، في مقاله الأخير في صحيفة "هآرتس"، الذي يتناول فيه مقال الجنرالين في الاحتياط د. إيال فيخت ود. إيتاي خيمنيس من مركز "دادو" للدراسات العسكرية، الذي يطرح عقيدة استراتيجية بديلة تنقل إسرائيل من "موديل الفيلا في الغابة"، الذي اعتمدته إسرائيل منذ سنوات 2000 عبر الحفاظ على "الستات كو" الإقليمي، إلى "موديل ملكة الغابة"، الذي ينطلق من كونها قوة إقليمية تساهم في تشكيل محيطها بفاعلية وبشكل متواصل، دون عوائق حدود السيادة.
المقال يشير إلى أنماط عمل الجيش الإسرائيلي التي راكمتها الحرب، والتي تعطي وزنًا أكبر لـ"فرض النظام" و"الوقاية" و"الحسم"، عوضًا عن "الإنذار المبكر" و"الردع" و"الاحتواء"، وهو ما يعني الانتقال من استراتيجية الدفاع إلى استراتيجية الهجوم، إضافة إلى العبور من سياسة الحفاظ على "الستات كو" إلى تغيير وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، كما حدث في غزة وسورية ولبنان. وهو ما يصفه ليفي بتحول الجيش الإسرائيلي إلى قوة شرطية إقليمية تسعى إلى فرض نمط سلوك على العدو، فهو لم يعد يعمل على إزالة الأخطار مع الحذر من تصعيد الوضع كي لا ينزلق إلى حرب، مثلما كان يفعل بين حرب وأخرى، بل هو مستعد لأن تؤدي عملياته إلى مواجهة كبيرة ودائمة، مشيرًا إلى أن احتلال الأراضي في غزة ولبنان وسورية كان هدفه منح إسرائيل عمقًا استراتيجيًا وتحسين قدرة الردع لديها بواسطة السيطرة على مواقع مهمة للعدو.
هذا المنطق العسكري يأتي عليه الصحفي تير حسون عندما يقول إنه لا توجد طريقة لفهم أعمال الجيش والمجتمع الإسرائيلي في السنتين والنصف الأخيرتين، دون الإقرار بأن الانتقام كان جزءًا من الوقود الذي حرك ماكينة القتل والهدم في غزة، والإرهاب اليهودي في الضفة، وهدم القرى في جنوب لبنان، وقانون الإعدام ضد الأسرى. ولعل المثال الأبرز لهذا المنطق، على حد تعبيره، هو ما قالته سطالا فاينشطاين بأن الطفل الرضيع في غزة هو "إرهابي في حاضنة"، وهو ما يعتبره حسون دليلًا على تشابك منطق الانتقام مع منطق "الأمن الدائم" الذي صكه باحث الجينوسايد ديرك موزس، والذي يتمثل، وفق ما تقوله بروفيسور سارة هيلمان من جامعة بئر السبع، بمحو أي تهديد حقيقي كان أم متخيلًا، ما يعني محو مجموعة سكانية كاملة بنسائها وأطفالها لأنها تعتبر تهديدًا لأمن المجموعة المهيمنة، تجسيدًا لمقولة "لا يوجد أبرياء في غزة".