بين الحين والآخر، تعود الأسئلة التي يفرضها الجرح الفلسطيني لتقض مضجعنا، وتدفعنا إلى تأمل مؤلم في حالتنا الإنسانية، ومساءلة الذات عن حدود العجز، والتساؤل عمّا كان يمكن فعله، أو ما يزال ممكنًا فعله اليوم. ولعل ما فعلته غزة بنا لم يفعله أي حدث آخر؛ إذ وجد كثيرون منا، نحن المنخرطين في العمل السياسي، أنفسهم عاجزين عن فهم ما يجري بأدوات علم السياسة وحدها، فانتقلوا إلى التحليل الاستعماري، ثم إلى علم النفس، بحثًا عن تفسير لسلوك الأفراد والمجتمع أمام كارثة إنسانية بهذا الحجم. وربما كان من بقي على تواصل يومي مع الأصدقاء في غزة أكثر قدرة على إدراك عمق المأساة، وأكثر عجزًا عن التكيف معها.
ثمة لحظة خطيرة في حياة الأفراد والمجتمعات، لا تبدأ عندما تقع الكارثة، بل عندما تتوقف الكارثة عن إحداث الصدمة. حين يصبح الموت خبرًا عاديًا، والجوع مشهدًا متكررًا، والدمار جزءًا من النشرة اليومية، والعبادة طقسًا عاديًا بلا روح، نكون قد دخلنا منطقة أشد قسوة من الألم نفسه؛ منطقة الاعتياد على الألم.
ليس ثمة ما هو أخطر من أن يفقد الإنسان قدرته على الدهشة أمام المأساة. فالألم، مهما كان فادحًا، يظل دليلًا على أن الضمير ما زال حيًا. أما حين يصبح الجرح مألوفًا، ويغدو الموت مجرد رقم جديد، فإن شيئًا عميقًا يكون قد انكسر في العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين المجتمع وقيمه.
يكفي أن نتأمل حياتنا اليومية. ينصرف الناس إلى أعمالهم، ويسعون إلى تأمين لقمة عيشهم، ويخططون لعطلاتهم، ويقيمون الأعراس الفاخرة، ويتنافسون في مظاهر الاستهلاك، فيما تستمر، على بعد أقل من ساعة بالسيارة، واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الفلسطيني المعاصر، بل في تاريخ العالم الحديث.
في غزة، يواصل الناس مواجهة الجوع والقصف والتشريد والإبادة دون توقف، وفي الضفة الغربية تتسارع عمليات الاقتلاع والاستيطان، وعربدة وحوش المستوطنين المدعومين من جيش الإبادة، بينما يعيش الفلسطينيون داخل الخط الأخضر حصارًا من نوع آخر، يتجلى في الجريمة المنظمة المدعومة، وتآكل المجال العام، ومحاولات تفكيك المجتمع وإغراقه في الخوف والهموم الفردية.
ليس المقصود من هذا الكلام إصدار أحكام أخلاقية على الناس. فالحياة لا تتوقف، ولن تتوقف، حتى في أكثر الحروب وحشية. والإنسان لا يستطيع أن يعيش في حالة حداد دائم، وإلا انهارت قدرته على الاستمرار. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: متى تتحول القدرة على التكيف إلى اعتياد، ومتى يصبح الاعتياد شكلًا من أشكال الاستسلام الصامت؟
يعرف علماء النفس، الذين لجأنا إلى تحليلاتهم مؤخرًا، إما من خلال أبحاثهم مباشرة، أو من خلال قراءات نخبة متخصصة من الجيل الفلسطيني الجديد، أن الإنسان، حين يتعرض لصدمات متكررة يعجز عن تغييرها، يطوّر آليات دفاع تحميه من الانهيار. في البداية يشعر بالصدمة، ثم بالغضب، ثم بالحزن، لكن مع استمرار المأساة يبدأ الإحساس بالتبلد، لا لأنه أصبح أقل إنسانية، بل لأن جهازه النفسي لم يعد قادرًا على تحمل هذا القدر من الألم. إنها وسيلة للبقاء، لكنها تحمل في داخلها خطرًا كبيرًا، هو أن يتحول الدفاع المؤقت إلى حالة دائمة، وأن يصبح الاستثناء قاعدة.
وهذا ما يبدو أننا نعيشه اليوم. فمنذ شهور طويلة، ورغم اتفاقات وقف إطلاق النار التي لم تصمد، استمرت صور الأطفال المنتشلين من تحت الركام، والأمهات اللواتي يبحثن عن أبنائهن، والطوابير التي تنتظر كسرة خبز أو جرعة ماء، أو صور الخيام البائسة، من دون أن تُحدث في الوعي العام الصدمة نفسها التي أحدثتها في الأشهر الأولى. لقد انتقلت المأساة، بفعل تكرارها، من موقع الحدث إلى موقع الخلفية، فلم تعد تفرض نفسها على حياتنا، بل أصبحت جزءًا من ضجيجها.
غير أن هذا التفسير النفسي، على أهميته، لا يكفي لفهم الظاهرة.
فالاستعمار لا يمارس سلطته بالسلاح وحده، بل يعيد تشكيل الزمن والوعي معًا. وهو لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، وإنما يسعى إلى السيطرة على إيقاع الحياة نفسها، بحيث يصبح انشغال الناس بتفاصيلهم اليومية أقوى من انشغالهم بمصيرهم الجماعي. وكلما طال أمد القهر والظلم، ازداد الميل إلى الانكفاء على الذات، وإلى البحث عن خلاص فردي بدلًا من البحث عن خلاص جماعي.
من هنا، لا تبدو مظاهر الاستهلاك المفرط، أو الاحتفاء بالبذخ، أو اللهاث وراء المتع الصغيرة، مجرد خيارات شخصية بريئة، بل هي، في كثير من الأحيان، تعبير عن محاولة للهروب من شعور عميق بالعجز. فعندما يعجز الإنسان عن التأثير في الواقع، يحاول تعويض هذا العجز بالسيطرة على ما يستطيع امتلاكه أو استهلاكه. يشتري أكثر، ويحتفل أكثر، ويسافر أكثر، ليس لأنه سعيد بالضرورة، بل لأنه يحاول إقناع نفسه بأن الحياة ما زالت تحت سيطرته. مع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن ما نشهده منذ ما قبل طوفان الأقصى هو مظاهر تشوه اجتماعي تؤذي المجتمع بمستوى خطير، وتقود إلى الانحراف والعنف.
الاعتراف لا يعني تبرئة
غير أن الاعتراف بهذه الحقائق لا يعني تبرئة أنفسنا من المسؤولية. فثمة فرق بين أن نتمسك بالحياة، وأن نستسلم لإيقاعها حتى تنقطع صلتنا بما يجري حولنا. وثمة فرق بين أن يكون الفرح فعلًا من أفعال مقاومة الموت، وأن يتحول إلى وسيلة لنسيانه. ليست المشكلة في الأعراس، ولا في الضحك، ولا في السفر، ولا في البحث عن لحظات راحة وسط هذا الخراب؛ المشكلة تبدأ عندما لا يترك ذلك مكانًا للأسئلة الكبرى، ولا يشعر الإنسان بأن حياته الخاصة مرتبطة بمصير شعب كامل يتعرض لإبادة مهولة.
ولعل هذا هو أخطر ما يفعله الاستعمار بالمجتمعات التي يهيمن عليها. فهو لا يكتفي بإنتاج الخوف، بل ينتج الفردانية أيضًا. يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن خلاصه شأن شخصي، وأن حماية عائلته، أو تحسين دخله، أو بناء منزله، هي المعارك الوحيدة الممكنة. وهكذا تتراجع فكرة المصلحة العامة، ويتحول الهم الوطني إلى عبء نفسي، بينما يزداد الاستثمار في النجاة الفردية، حتى لو كانت نجاة مؤقتة أو متوهمة.
ولا يقتصر الأمر على الفلسطينيين، فالعالم كله يشهد، منذ سنوات، تراجعًا في القدرة على التعاطف طويل الأمد. فالحروب تُبث مباشرة، والمجاعات تصل إلى الهواتف في اللحظة نفسها، لكن كثافة الصور لا تنتج بالضرورة وعيًا أعمق، بل قد تنتج العكس تمامًا. فحين يصبح الإنسان محاصرًا بفيض لا ينتهي من المآسي، تتراجع قدرته على التفاعل معها جميعًا. يتألم للحظة، ثم ينتقل إلى الخبر التالي، ثم إلى إعلان تجاري، ثم إلى مباراة كرة قدم، ثم إلى فيديو ساخر، لا لأنه بلا ضمير، بل لأن إيقاع العصر نفسه أصبح قائمًا على الاستهلاك السريع للمشاعر، تمامًا كما تُستهلك السلع.
لكن الشعب الفلسطيني، ونحن جزء منه، ليس مجرد جمهور يتلقى الأخبار، بل هو طرف في الحدث، وضحية أحد أكثر أشكال الاستعمار همجية، وحامل لقضية لم تنته، مهما حاول النظام الرأسمالي العالمي المتوحش أن يحولها إلى ملف إنساني أو أزمة إغاثية. ومن هنا تصبح مسؤوليتنا مضاعفة، قيادةً وأفرادًا. فنحن لا نملك ترف التعامل مع المأساة بوصفها شأنًا يخص الآخرين، لأن ما يجري في غزة، أو في الضفة الغربية، أو في القدس، ليس أحداثًا منفصلة، بل وجوه مختلفة لمعركة استئصالية واحدة لا تستهدف الذاكرة، والإرادة، والسياسة، والمستقبل فحسب، بل الوجود الفيزيائي للإنسان الفلسطيني، وبطرق وحشية منقطعة النظير.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس كيف نمنع الناس من مواصلة حياتهم، فهذا مستحيل، ولا كيف نفرض عليهم شعورًا دائمًا بالذنب، فهذا لا يبني مجتمعًا سليمًا. السؤال هو: كيف نحافظ على حضور المأساة في وعينا، من دون أن تتحول إلى يأس، وكيف نحول التعاطف إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل، ولو كان صغيرًا، وكيف نعيد بناء فضاء عام يجعل الناس يشعرون بأنهم شركاء في مصير واحد، لا مجرد أفراد تجمعهم الجغرافيا وتفرقهم الهموم؟ وكيف نحفزهم على التفاعل السياسي المنظم، والعمل الجماهيري المنهجي، وكيف نقنعهم بالحد من التبذير والاستعراضية في الأعراس والسفر وغيرها، وعدم الإنفاق بما يفوق طاقة العائلة والناس عمومًا، فيوقعهم في ديون باهظة وفي السوق السوداء؟
لقد قال كثير من أهل غزة، في رسائلهم وكلماتهم، ما يستحق التوقف عنده، والكثير منا سمع ذلك مباشرة من أصدقاء هناك. لم يطلبوا من الناس أن يتوقفوا عن الحياة، بل أن يرفضوا النسيان. لم يطالبوا الجميع بأن يعيشوا جوعهم أو نزوحهم، بل أن تبقى غزة حاضرة في الضمير، لا بوصفها خبرًا عابرًا، وإنما باعتبارها امتحانًا أخلاقيًا وسياسيًا لكل فلسطيني، ولكل إنسان. إن أكثر ما يؤلم الضحية ليس أن الآخرين يواصلون حياتهم، بل أن يشعروا بأن مأساتهم لم تعد قادرة على إيقاظ أحد.
المقاومة لا تبدأ دائمًا في ساحة المواجهة، بل تبدأ أيضًا في مقاومة الاعتياد، وفي رفض أن يصبح الموت رقمًا، وأن يتحول الجوع إلى مشهد مألوف. تبدأ عندما نستعيد قدرتنا على الغضب، لا بوصفه انفعالًا عابرًا، بل بوصفه طاقة أخلاقية تدفع إلى الفعل، وإلى إعادة بناء المعنى، وإلى حماية إنسانيتنا من التآكل.