03/07/2026 - 12:12

في رسم ملامح "النموذج"

هذا النموذج، إذا ما خاض في السياسة، أوصلها إلى طريق مسدودة، وإلى عقم وقطيعة مع الآخرين، لأن الذات المقهورة عنده تتضخّم فجأة وتصير بحجم الكون ـ أو بيضة قبّان ـ فيبان له الآخرون "صغارًا"، أو لا طائل من الشراكة معهم

في رسم ملامح

منصور عباس (Getty)

تزوّدنا سجالات الانتخابات، ومعظمها عقيمة، بمشاهد مُثيرة عن "النماذج" التي تعيش بيننا، ومن أقبحها ذاك الفلسطينيّ الممسوح بالأرض كضحيّة للعنصريّة والقمع والتحريض والإذلال، لكن ما أن يصل إلى موقعٍ ما ـ وقد يكون وضيعًا في ماكنة القهر أو على هامشها ـ حتى يتصرّف كقاهريه أو كآخر حاخامات المستوطنين. يحكي مع أمثاله بعجرفة واستعلاء واستخفاف، كأنه حاكم لواء وليس فردًا مثلهم، عُرضة للإقصاء والتهميش والشتائم يوميًّا. عادة قبيحة، وليدة الشرط السياسيّ، حيث ينسخ المقهور شخصيّة القاهر إلى وعيه، وينسخ معها كلّ منظومات القهر إلى نفسيّته، ويتبنّاها ويحفظها عن ظهر قلب. وما أن تحين الفُرصة حتّى يستعملها في معاملاته مع الآخرين. ولعلّ أقوال منصور عبّاس الأخيرة في راديو الشمس تُعدّ تعبيرًا صارخًا عن هذا القُبح، حين انبرى يُسدي النصائح إلى القيادات العربيّة الأخرى بشأن كيفية إدارة التفاوض حول تشكيل قائمة انتخابيّة. ليس أنه جزء من المحنة وصانعيها، وليس أنه سبب في إفشال كلّ شيء وحدويّ هنا، بل هو يحسب نفسه على "دروكمان" وعلى "بلفور" منذ زمان، ويحكي من حنجرة الذين هناك، ويتمثّل السماجة والغطرسة في مثل هذه المواقع!

هذا النموذج، إذا ما خاض في السياسة، أوصلها إلى طريق مسدودة، وإلى عقم وقطيعة مع الآخرين، لأن الذات المقهورة عنده تتضخّم فجأة وتصير بحجم الكون ـ أو بيضة قبّان ـ فيبان له الآخرون "صغارًا"، أو لا طائل من الشراكة معهم أو المكوث في مواقعهم. فهو "العظيم"، "الكبير"، لا يلعب إلّا مع "الكبار"، في ملعب يليق به، ولا همّ إذا كانوا عنصريين أو مُحدثي حرب وإبادة. أمّا أبناء مجتمعه المساكين، فسيعلّمهم السياسة كما علّمهم إيّاها، في حينه، علي سلّام. انتفاخ ذاتيّ مرَضيّ يُرى من بعيد.

ولننتبه إلى أنه النموذج ذاته الذي يكرّس هويّته الصغيرة ـ ديانته ـ ضدّ هويّته الكبيرة، قوميّته وشعبه. يصير المكوّن في هويّته أهمّ منها وممّن ينتمون إليها. وإذ لم يجد مكوّنًا كهذا، اخترعه ووضعه في الواجهة. يصير لون ربطة العنق الخضراء أهمّ، بما لا يُقاس، من لون الدم المسفوح ومن لون وجوه أهالي النقب المهجّرين من قرى تُهدم! وهو نسخ، على طريقة "قصّ وألصق"، عن السياسة في المجتمع اليهوديّ ـ سياسة هويّات قاتلة زجّت هذا المجتمع في حروب لا مخرج منها. هذه هي السياسة التي يُريدها منصور عبّاس ورهطه ـ هويّات قاتلة ـ تفتك بالناس. لكن الأهمّ من الفتك ومن ضحاياه أن يبقى النموذج هناك، في ستوديوهات التلفزيون، وضيف محطات الإذاعة. يبدو أن مواقع المفارقة هذه ـ المقهور الذليل الذي يتصرّف ويتحدّث كقاهر ـ تبيع في السوق!

عادة ما يقضي هذا النموذج حياته ضمن قاموس محدود من الكلمات، لأنه مُبرمج على "عقيدة" منسوخة إلى وعيه. وهي مجموعة محدودة من الفرضيات، من المفروض أنها تُفضي إلى نتيجة متخيّلة. والنموذج هنا مقتنع بأن كل ما قاله له الخواجات المناهضون لنتنياهو هو الحقيقة المُطلقة، وعليه أن يكون ملتزمًا بالتوجيهات في "المرشد للعربيّ المعتدل الجديد". فتكون كلماته تجاه مجتمع الآخرين محسوبة على الميلغرام ـ خجولة وجبانة ومُطمْئِنة ـ بينما هو حرّ، يشرّق ويغرّب في الهجوم على أبناء مجتمعه، يكيل الاتّهامات ويؤذي السمعة الطيبة لهذا وذاك. كل ظهور إعلاميّ يتحوّل إلى هجوم كاسح على "الجبهة" و"التجمّع" و"التغيير"، ولا كلمة واحدة عن القاهرين وأحزابهم وحروبهم وما يُحدثونه من كوارث. وهذا طبيعيّ في سلوك "النموذج"، لأنّه خارج من حدود مجتمعه، واثقًا من انضمامه، بعد حين، إلى مجتمع القاهرين. لا يُريد أن ينتمي إلى جماعة "لا تؤثّر"، ويفضّل "جماعة" يُشارك معها في التأثير! هكذا اعتقد بعض يهود ألمانيا، في حين كان أتون المحرقة شغّالًا بكامل طاقته، ومثلهم في فرنسا، ومثلهم بعض سكّان المُستعمَرات، حين كان المستعمِر ينهب البلاد ويعيث فيها خرابًا!

في شرط كشرطنا، الذي تُحيق به عوامل النيو-ليبراليّة المتوحّشة، ستزدهر نزعة الخلاص الفرديّ. فالقهر لا يوحّد الناس، ضحاياه بالضرورة، فقد يُفتّتهم ويسحقهم إلى حدّ أن ينشدوا الخلاص، ولو بشكل فرديّ. وفي "الاقتصاد الخنازيريّ"، كما هو، ألف إغراء بأن يحصل الأمر في كلّ حقول الحياة، في العمل والثقافة والسياسة. وسيكون "النموذج" الأوّل في فعل ذلك. لا يهمّ إذا كان "الخلاص" المأمول وهمًا أو كذبة كبيرة، فهو لا يستطيع إلّا أن يكون ضمن هذه الحركة، خروجًا من انتمائه على كلّ ما يعنيه. ومن هنا، أيضًا، أن نرى حوله رهطًا مثله، يتوهّمون أن الخلاص آتٍ من خلال الانفصال الكلّيّ عن جماعة الانتماء. ولا بأس من "خيانتها" والتنصّل منها ومن روايتها. وهو الدور التاريخيّ الذي يلعبه "النموذج"، وليس في مجتمعنا وحده. فقد كان حاضرًا حيث كان القهر سيّد الأحكام، وكانت النفس ضعيفة في مواجهة إغراءات الخروج من الجماعة ضدّها.