05/07/2026 - 17:35

الأذان يُرفع ولا يُمنع: عن محاولة نزع البلاد من فضائها

ليس السعي لمنع الأذان لمنعنا صَلاتنا تحت مآذن مساجدنا وقبابها وعند محاربها، بقدر ما هي محاولة لانتزاع فضائنا منّا في ظل ابتلاع أرضنا وابتلاعنا معها، أو لنقل هو سعي لصهينة فضاء البلاد العام عبر كتم صوت الأذان بمنعه

الأذان يُرفع ولا يُمنع: عن محاولة نزع البلاد من فضائها

مئذنتا مسجد القسّام تنجوان من قصف إسرائيلي على المسجد الواقع في مخيم النصيرات في غزة (Getty Images)

يظلُّ الأذان صوتًا ونداءً للصلاة سابق في تاريخه على بناء المآذن في سردية الإسلام وتاريخه، فللأذان حكاية تطول في قيمته ومقاماته في التاريخ الإسلامي بما يتجاوز الأذان نداءً ومؤقّتًا لصلاة المسلمين إلى حيث عوالم الروح والموسيقى والجمال.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

ويقال، إن من حنجرة أول مؤذّن في الإسلام ولدت حكاية نشأة أحد مقامات الأذان. وذلك حين طلب الصحابي أبو بكر من بلال بن رباح أن يؤذن بالناس في المدينة ليُنبئهم بموت النبي، فما كان من بلال يومها إلا أن بكى في أثناء أذانه وشهق، فحُجز صوته حُزنًا، فصار حجز الصوت مقامًا يُعرف بالحجاز. على الأقل، هذه واحدة من حكايات نشأة المقام نستحضرها لجمالها، بصرف النظر عن صحتها.

إلا أن سيرة الحضور الاجتماعي للأذان في الفضاء الإسلامي العمومي غير سيرة قيمته الدينية الإسلامية، لأن حضوره مسموعًا في الفضاء العمومي ظاهرة حديثة، ارتبطت بتوفر تقنية مكبر الصوت الذي عمّم الأذان بأوقاته الخمس منذ النصف الثاني من القرن العشرين. فقبل مكبر الصوت، بالكاد كان صوت أذان الفجر أو العشاء يسمع في الدوائر المحيطة بجامع الحي، خصوصًا في المدن، فيما كان يقتصر سماع أذان الظهر والعصر وحتى المغرب على المُصلين الموجودين في الجامع أو الجيران المحيطين به على الأكثر.

من هنا، كان حضور المآذن عبر تاريخ البلاد العربية – الإسلامية بما فيها فلسطين، يُحيل إلى موقع الجامع وإلى وجه المكان وهويته الحضارية وما زال كذلك، فضلًا عن الذائقة الجمالية المعمارية التي تبعث عليها المآذن بعناقها فضاء سماء البلاد، وذلك بما يتجاوز كونها مطلًّا يُنادى للصلاة منه. ومن هنا، اشتهرت المآذن عبر تاريخ فلسطين، أكثر مما اشتهر مؤذّنوها إلى حين عصر مكبر الصوت.

كانت المئذنة البيضاء في مدينة الرملة، أو "مئذنة الأربعين" كما كانت تسمى أيضًا، أهمّ معلم معماري – حضاري في المدينة إلى حدّ أن طُبعت صورة المئذنة البيضاء على العملة النقدية – الورقية الفلسطينية مطلع القرن العشرين. وقد ظلَّ أهالي الرملة يتفاخرون بمئذنتهم على اللد وأهلها، في سياق مناكفاتهم الاجتماعية المعروفة بعضهم ضد بعض حتى عام النكبة.

وكذلك المئذنة القلمية، مئذنة الجامع الجزار في مدينة عكا، فما تزال شامخة إلى يومنا تُحيل ليس إلى الهوية العربية للمدينة في ظل مساعي تهويدها وصهينة فضائها فحسب، وإنما تعيدنا مئذنة جامع الجزار إلى حكاية استدخال والي عكا للطراز المعماري التركي – العثماني في المدينة، بمحاكاته عند بنائه جامع الجزار في مطلع ثمانينيات القرن الثامن عشر للجامع الأزرق في إسطنبول، بما فيه المئذنة بتصميمها القلمي، لتغدو المئذنة القلمية بشموخها في سماء عكا، بمثابة ثورة تجديدية على العمارة الدينية التقليدية في فلسطين، خصوصًا المآذن منها، إذ طالما ظلت المئذنة التربيعية هي التقليد المعماري – التقليدي المتعارف عليه في بناء مآذن مساجد المدن الفلسطينية تاريخيًّا.

ومما برر به الجزار اختياره للمئذنة بشكلها القلمي وعلوها الشاهق، أنه أراد لعكا ألا تظل تبدو كما لو أنها حصن حجري محاط بسور، بل أراد للمئذنة أن تمنح المدينة بُعدًا مدينيًّا، تُنبئ الوافدين إليها عبر البحر بأنها مأهولة بالأهالي وليس بالجند والحرس فقط. ومن هنا، كان اسمه جامع "الأنوار" قبل أن يشتهر بتسمية بانيه الجزار، نظرًا إلى أنوار مئذنته التي كانت أنوارها تشع منها، لتهتدي بها سفن البحر ليلًا كما لو أنها منارة.

وبعض مآذن فلسطين اشتقت أسماء مساجدها منها، كما لو كانت مئذنة لها مسجد وليس العكس، مثل جامع المئذنة الحمراء في حارة السعدية داخل السور القديم في القدس، وما زال الجامع يعرف باسم مئذنته إلى يومنا. وقد أشار واصف جوهرية في مذكراته الشهيرة عن القدس مطلع القرن العشرين إلى جامع المئذنة الحمراء ومؤذّنيه، فقد جاورت عائلة جوهرية الأرثوذكسية الجامع زمنًا طويلًا.

ومن طريف ما رواه واصف جوهرية عن احتجاج أبيه جريس جوهرية (أبو واصف) على استبدال الشيخ السلواني، مؤذّن جامع المئذنة الحمراء، بمؤذّن آخر لا بحّة لصوته ولا جمال فيه كما يصف واصف. أن أبا واصف قام بكتابه عريضة لتوقيع أهالي حارة السعدية عليها من أجل إعادة الشيخ السلواني، ولما توجه إلى دائرة الأوقاف، وقد استوقف موظفي هذه الأخيرة أن يطالب مسيحي بإعادة المؤذّن السلواني، أنشد أبو واصف مبررًا موقفه:

سمعتُ مؤذّنًا يؤذي بصوته

السامع وقد أذّن الأذانا

فقلتُ وقد أُذت منهُ أُذني

أذانٌ تقصد أنت أم أذَانا...

كان احتجاج جوهرية على المؤذّن من أجل الأذان، فطالما اعتُبر النداء للصلاة بصوت الإنسان أرقى ما يمكن للأديان أن تنادي به لعبادتها. وقد تعوّد أبو واصف، كما يروي ابنه في مذكراته، أن يصحو فجرًا على الشيخ السلواني بصوته الملائكي عند تنغيمه للأذان.

وفي جامع البحر على شاطئ مدينة يافا، كان الأذان بصوت الشيخ أحمد العريفي كفيلًا بتهدئة موج البحر كما ظل يذكر بحّارة بحر المدينة في رواياهم قبل النكبة.

تطول حكاية مآذن جوامع فلسطين، بمؤذّنيها ومعمارها، وقد حملت المآذن أسماءً وألقابًا اعتبرت فيها منارات للاهتداء بها، وأبراجًا للحراسة منها. كما نودي بالناس من المآذن للصلاة وغير الصلاة، للنفير ونداء الضمير في الطوارئ والملمّات. وحتى الغناء الشعبي الفلسطيني، ظلَّ يقترح على المآذن محاولة الغناء من عليها:

وشمّلوا شمال يحشّوا بالحشيش

والدَق الأخضر ع لون الحشيش

يا أهل الله لعمل حالي درويش

وأطلع أغني ع ظهر الميذنا...

يُرفع الأذان ويُسمع نداءً للصلاة، ولصلة أهل الأرض بسمائهم أولًا، وفضائهم ثانيًا. ففي الأذان ما هو أكثر وأبعد من الحق المدني في حرية العبادة، التي باتت سطوة قوانين الدولة العبرية – العنصرية تستكثره علينا. ففي أذان المآذن، تمامًا مثل أجراس الكنائس، حقيقة بقائنا العربي الذي يقيم حُجتنا في فلسطين على مجرى التاريخ فيها.

وبـ"صوت أذان" من أكثر التعابير على ألسنة أمهاتنا تداولًا، ويوميًّا كلما تزامن مع قولهنّ رفع الأذان، كما لو أن الأذان شاهد يشهد على صدق قول أهله. ووحده الأذان الباقي من إرث رزنامة أهل الأرض الاجتماعية في تعريف إيقاع الوقت اليومي، وتوزيع الزمن، وما زلنا نقول: الظهر، والعصر، بموجب شهادة وتشهّد الأذان بهما. هذا فضلًا عمّا للأذان من حمولة رمزية ومادية معًا في شهر رمضان خصوصًا مُجيز الإفطار أذان المغرب، وفي كل بيت من بيوتنا حكاية تطول مع موعد الأذان بما فيها من أدب نوادر التحامل على المؤذّنين.

ولِمَ لا يَرفع رفْع الأذان في فلسطين ضغط بن غفير وثلته المارقة؟ ليقضّ مسامعهم قبل مضاجعهم، إذ طالما استكثروا هواء بلادنا علينا. فكيف إذا ما بقي الأذان يصدح ويسبح في فضائها مذكّرًا إياهم ببقائنا خمس مرات في اليوم؟!

يمر قانون منع الأذان بقراءته الأولى في الكنيست مؤخرًا، في ظل حرب إبادة كانت إبادة المآذن وتركيمها من أفظع مشاهدها في قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الماضية. وليس السعي لمنع الأذان منعنا صَلاتنا تحت مآذن مساجدنا وقبابها وعند محاربها، بقدر ما هي محاولة لانتزاع فضائنا منّا في ظل ابتلاع أرضنا وابتلاعنا معها، أو لنقل سعي لصهينة فضاء البلاد العام عبر كتم صوت الأذان بمنعه. كما في محاولة قوننة منع الأذان، سعي لإعادة تعريفنا كما لو أننا جالية أجنبية، أو مهاجرون في بلادنا علينا الالتزام بتعاليم الهجرة، مثلما هو حال بعض جاليات العرب والمسلمين في بعض دول الغرب.