يخطئ من يعتقد أن "الفرح بالفوز في مباراة لكرة القدم مجرد انتصار مؤجل لشعوب مهزومة سياسيًا"، كما كتب أحدهم؛ غير أنني أعتقد أن هذا تعبير مجحف لا يعبر عن حقيقة ما تعيشه الشعوب وتأمله، بقدر ما يمكن أن يعبر عن حصيلة مخرجات النظم السياسية، لا شعوبها. فالشعب يعلم أن المنطق التاريخي لا يقر بهزائم الأمم، بقدر إقراره بتراجع أو انكسار مشاريعها السياسية في لحظة تاريخية بعينها، ليس شرطًا أن تتكرر أو تبقى على ما هي عليه.
وما أدل على ذلك، إلا ما يبدو أن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بدأ يبعثه من رسائل مختلفة عما اعتدناه طوال عقود مضت؛ رسائل تقول إن كثيرًا مما اعتبرناه قوانين ثابتة للتاريخ، لم يكن سوى نتيجة طبيعية لفعل القوى التي راكمت منجزها ليصبح معيارًا لموازين يمكن أن تشيد جدارًا بينها وبين الآخرين، وأن هذه الموازين نفسها إنما هي عناصر تفاعل قابلة للتغيير، وليست قدرًا مغلقًا.
فإن التاريخ، منذ البدء، لا يهب انتصاراته دفعة واحدة أو مصادفة، ولا يعيد توزيع أدوار فاعليه بقرار مفاجئ، وإنما يفعل ذلك كلما التقت الرؤية مع الإرادة، واجتمع التخطيط مع العمل، وتحول الإنجاز من الاستثناء إلى تقليد راسخ. ومن يتأمل حركة التاريخ يكتشف أنه لا يتحرك بخط مستقيم، ولا يخضع لمنطق التفوق الأبدي؛ فكل إمبراطورية ظنت أنها بلغت هرم القوة، كانت في الحقيقة تخفي في أحشائها بدايات السقوط لصالح قوة أخرى تتشكل بهدوء وصمت.
ذلك لأن صعود الأمم لم يكن يومًا سوى حصيلة تراكم طويل في مجالات عدة، كما لم يكن تراجعها وليد هزيمة واحدة أو تقهقر في مجال دون غيره، بل نتيجة تراكم معاكس لفعلها وتفاعلها في كل المجالات وهوامشها؛ ما يؤكد أن التحول التاريخي لا يولد من معجزة، وإنما من لحظة تقتنع فيها هذه الأمة أو تلك بأن الواقع ليس قدرًا، وأن موازين القوى ليست أكثر من تعريف لكتالوج مؤقت قابل لإعادة التشكيل.
هنا تحديدًا تبدأ الفكرة التي تستحق التوقف؛ فإذا كان لكل عصر كتالوجه الخاص، فإن المقصود هنا ليس سوى مجموعة القواعد غير المكتوبة التي تحدد من يملك حق الفعل، ومن يُدفع إلى الاكتفاء برد الفعل. فحين تتغير هذه القواعد، يبدأ التاريخ بكتابة فصل جديد ومختلف، حتى لو بدا التغيير في بدايته مجرد إنجاز رياضي، أو تحول سياسي، أو تطور علمي محدود هنا أو هناك.
ففي درس التاريخ، لم تكن أوروبا، في بدايات عصر النهضة، مركز العالم الحضاري أو العلمي أو الاقتصادي؛ إذ كانت الصين، ومعها مراكز العالم الإسلامي الكبرى، أكثر حضورًا في التجارة والمعرفة، قبل أن تنقلب الموازين تدريجيًا لمصلحة أوروبا نفسها.
وكذلك لم تكن الولايات المتحدة، عند تأسيسها، القوة الأولى في النظام الدولي، كما لم تنهض دول شرق آسيا، مثل اليابان، لأنها امتلكت ثروات تفوق غيرها، وإنما لأنها نجحت في تحويل الرؤية إلى معرفة، والمعرفة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى إنجاز متراكم. ولعل هذه هي القاعدة الأكثر رسوخًا في حركة التاريخ؛ فالأمم لا تتغير عندما تتبدل أحلامها، ولكن عندما تتبدل طريقة وعيها بنفسها، وقدراتها، ومخرجات عملها.
المشكلة، بهذا المعنى، لم تكن يومًا في أن الآخرين أقوى منا، بقدر ما كانت في أننا صدقنا، طويلًا، أن هذه القوة نهائية، وأن دورنا التاريخي يقتصر على مراقبتها والتكيف معها، حتى بدا وكأنها غير قابلة للمراجعة، بينما هي في جوهرها نتائج تاريخية قابلة للتغيير. فالفارق بين من يصنع التاريخ ومن يكتفي بقراءته، لا يكمن في حجم الإمكانات وحدها، وإنما في الطريقة التي تُدار بها هذه الإمكانات، وفي القدرة على تحويل الزمن من خصم إلى حليف، والهزائم المتراكمة إلى خبرة، والخبرة إلى مشروع، والمشروع إلى إنجاز.
لذلك، ربما يكمن أحد أكبر الأخطاء التي وقعنا فيها، أننا تعاملنا مع الرياضة، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، وكأنها عوالم منفصلة، بينما هي في حقيقتها وجوه متعددة لفكرة واحدة؛ فالأمم لا تنتج فرقًا رياضية منافسة في ظل ثقافة مهزومة، كما لا تنتج سياسة مؤثرة باقتصاد عاجز أو تعليم متراجع؛ ذلك لأن كل إنجاز في أحد هذه الحقول هو انعكاس لما يجري في الحقول الأخرى، لا تعويض ولا بديلًا عنها. ففي كل هذه المجالات تُختبر قدرة الأمم على إعادة تعريف نفسها، وإقناع العالم بأنها لم تعد تقبل المواقع التي رسمها لها الآخرون. وما إهداء المنتخب المصري فوزه إلى الشعب الفلسطيني إلا تعبيرًا حقيقيًا وعمليًا عن حضور الأحداث السياسية في الوعي الرياضي.
وهو ما يشير إلى أن الإنجازات الرياضية التي تحققها المنتخبات العربية، كالمنتخبين المغربي والمصري في نسختين متتاليتين من كأس العالم، ليست مجرد أخبار رياضية عابرة. كما تكشف التجربة الإيرانية، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، أن بناء عناصر القوة يظل عاملًا حاسمًا في تغيير موازين الفعل. غير أن تشابه القانون التاريخي هنا لا يعني تشابه التجارب أو تطابقها؛ فلكل تجربة سياقها السياسي والأخلاقي الخاص، إلا أن آليات بناء القوة عادة ما تتشابه، حتى وإن اختلفت السبل أو الغايات أو النتائج. ففي الحالتين، نحن أمام سؤال واحد يتكرر بصور مغايرة ومجالات مختلفة: هل يمكن إعادة كتابة قواعد اللعبة إذا توفرت الإرادة، وحسن التخطيط، والاشتغال الطويل على بناء عناصر القوة؟
قد تختلف الإجابات السياسية، والأخلاقية، وربما الأيديولوجية، حول كل تجربة، لكن القاسم المشترك بين التجارب جميعها يلتقي عند حقيقة واحدة يصعب تجاهلها؛ أن التاريخ لا يحابي أحدًا، لكنه يكافئ من يحسن قراءة قوانينه والعمل وفقها. وهو ما يغير صيغة السؤال من: هل يمكن تغيير موازين القوى؟ إلى: متى يتحول الإنجاز إلى ثقافة، والثقافة إلى مشروع، والمشروع إلى تاريخ جديد؟ فالفرق بين اللحظة التي تثير الإعجاب، واللحظة التي يمكنها أن تؤسس لمرحلة جديدة، هو أن الأولى تُسجل في ذاكرة الشعوب، بينما الثانية تعيد كتابة كتالوج التاريخ نفسه، من السياسة إلى الرياضة، والعكس صحيح.
بقي القول: إن الإنجاز الأكبر الذي يمكن أن تصنعه الأمم لا يتمثل فقط في انتصار رياضي، أو تفوق اقتصادي، أو نجاح سياسي، وإنما في قدرتها على تحويل اليأس إلى أمل، والأمل إلى عمل، والعمل إلى تاريخ. حينذاك لا يعود كتالوج التاريخ كتابًا مغلقًا يُقرأ، وإنما مشروعًا مفتوحًا يؤكد أن المستحيل ليس قانونًا، وأن التاريخ ليس نصًا مكتملًا، بقدر ما هو عملية مستمرة، وحده الإنسان القادر على إعادة صياغتها كلما امتلك الإرادة والرؤية والعمل.