07/07/2026 - 14:35

حكومة فوق القانون: إسرائيل على أعتاب أزمة دستورية مفتوحة

تُعلن الحكومة في قرارها هذا أنها فوق القانون، وأن كلّ شيء يخضع لها هي، وليس للجهاز القضائي، وأن التوازن بين "السلطات الثلاث" قد انتهى...

حكومة فوق القانون: إسرائيل على أعتاب أزمة دستورية مفتوحة

بنيامين نتنياهو (Getty)

أعلنت الحكومة، يوم أمس الأحد، في قرار غير مسبوق في تاريخ إسرائيل الدستوري، أن قرار المحكمة العليا بخصوص هيئة مجلس سلطة البثّ الثانية لا يُلزمها، وأنها ترفض أيّ قرار قد يصدر عن هذا المجلس. وبهذا تكون أوّل حكومة في إسرائيل تُعلن صراحة أنها ترفض الانصياع لقرار "المحكمة العليا".

أمّا بداية القضيّة فكانت حين حاولت الحكومة الحالية منع بيع القناة 13 لرجل الأعمال أساف ربابورت، ومنع إجراءات أخرى في سوق الميديا، وكان لذلك أغلبيّة في مجلس سلطة البثّ الثانية، المسؤولة عن تنظيم سوق الاتّصالات والإعلام في القطاع الخاص.

ولغرض منع قرارات لا تصبّ في مصلحة الحكومة ورئيسها، قرّر الوزير المكلّف بالملفّ إجراء تعديلات في هيئة "المجلس"، الأمر الذي دفع بعض الجهات الفاعلة في هذا المجال، ومنها نقابة الصحفيين والجمعية لجودة الحُكم، إلى الالتماس للمحكمة العليا التي قرّرت بطلان التعديلات في عضوية المجلس، وبقاء صلاحية البتّ في أمور سلطة البثّ بأيدي المجلس السابق ـ قبل تدخّل الحكومة. وهو ما ترفضه الحكومة الآن، وتعتبره خروجًا من المحكمة عن نطاق صلاحياتها.

لقد غلب على هذه الأزمة تسمية "أزمة دستوريّة"، والتي تتجسّد في إعلان الحكومة رفض الانصياع لقرار الهيئة العليا للقضاء الإسرائيلي. وهو موضوع كان عليه إجماع إسرائيلي لعقود، تمثّل في التزام كلّ القوى السياسيّة الوازنة بعهد احترام قرارات الجهاز القضائي ـ سلطة القانون. مع العلم أن هذا الالتزام تآكل في العقود الأخيرة، خاصّة بعد إعلان حكومات اليمين في السنوات الأخيرة عزمها على إحداث انقلاب قضائي ـ دستوريّ، تميّزت الحكومة الحاليّة بالمثابرة على القيام به وبكثير من النجاح. لكن هناك تسميات أخرى في السجال الإسرائيلي لما حصل، منها أن الحكومة تعلن عن نفسها، بقرارها المذكور، كعصابة خارجة عن القانون. ملفت بوجه خاص ما كتبه في هذا الشأن رئيس سابق لجهاز الشاباك، يوفال ديسكين، الذي قال إن نتنياهو يقود البلاد إلى الفوضى بقصد قاصد كي يتملّص من تبعات سلطة القانون وقرار الناخبين.

ماذا يُمكننا أن نستدلّ من قرار الحكومة؟

ـ في المستوى المباشر، ليس صدفة أن يأتي قرار الحكومة على خلفيّة ملفّ سوق الإعلام، وهو الملفّ الذي توجّه في إطاره لائحتا اتّهام لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي اعتمد منذ تسلّمه سياسات إعلاميّة قوامها احتكاره لهذه السوق ووسائطها. فكأن الخطوة الحاليّة استمرار لما كان حتّى الآن. يكتسب الأمر خاصيّة أكبر لأننا على وشك انتخابات ـ إذا جرت أصلًا ـ ستفعل الحكومة كلّ ما في وسعها من أجل حرمان خصومها من مناليّة إعلاميّة خلالها.

ـ في المستوى العام، تُعلن الحكومة في قرارها هذا أنها فوق القانون، وأن كلّ شيء يخضع لها هي، وليس للجهاز القضائي، وأن التوازن بين "السلطات الثلاث" قد انتهى. أو كما قال ديسكين المُشار إليه آنفًا، إنه قول واضح من نتنياهو: "الدولة أنا وأنا الدولة، وتستطيع أن تذهب إلى جهنّم بدوني!". في هذا، إذا صحّ جزئيًّا أو كلّيًّا، تغيير صريح لقواعد اللعبة السياسيّة قد يُفضي ليس إلى عدم الانصياع لقرار المحكمة العليا، بل للقانون بشكل عام. وكانت شرّعت بعض التعديلات والقوانين بهذا المعنى من قبل. بمعنى أنه سبق هذا القرار ما دلّ عليه، ولم يأت فجأة أو مرّة واحدة. فقد كان متوقّعًا بالنسبة لفقهاء القانون ولعلماء السياسة النقديين في البلاد.

ـ في مستوى إسرائيل كدولة ومؤسّسات ومجتمع، يشكّل قرار الحكومة تحوّل الوضع إلى "سلطة" بدون مجتمع أو مؤسّسات. أو هذه هي النيّة المعلنة لهذه الحكومة: أن يكون هنا نظام حكم يُصادر الدولة والمجتمع والمؤسّسات، خاصّة التي تضع له قيودًا وضوابط وتمنع تفرّده في إدارة الأمور. بكلام آخر، كثيرون في إسرائيل ممّن يشتغلون بالشأن العام لا يخفون خشيتهم من أن الدولة في منزلق خطير نحو الفاشيّة. أو كما يضيف بعضهم، أنهم لا يستبعدون حربًا أهليّة، خاصّة إذا ما ذهبت الحكومة خطوات أخرى وأعلنت حالة طوارئ وألغت الانتخابات وأدخلت البلاد في حرب أخرى لن يستطيع أحد تحمّل تبعاتها. ويخشى بعض آخر أن تكون هذه بداية نهاية إسرائيل كما عرفوها.

ـ لاحظت أن البعض من مناهضي نتنياهو في السياسة والشأن العام ومن أهل الاختصاص يدعو الجهاز البيروقراطي في الدولة إلى رفض قرار الحكومة والالتزام بقرارات الجهاز القضائي باعتبارها "سلطة القانون" المُلزمة. ووصفوا الحكومة بأنها الخارجة عن القانون وينبغي التصدّي لها. تكتسب هذه الدعوة أهميّة خاصّة في ضوء قوّة الجهاز البيروقراطي وهوله في ابتلاع كلّ شيء في حال سار مع الحكومة وتنكّر لمبادئ سلطة القانون واحترامها، كما حصل في مواقع أخرى من العالم حينما انحاز جهاز الدولة بالكامل لصالح أنظمة القمع والفاشيّة.

ـ مهمّ أن نتابع ماذا سيحصل في الأيّام المقبلة في المحافل الدوليّة، التي لا بدّ سيكون لها ما تقوله، علمًا بأنها تنظر إلى إسرائيل بعدسة مكبّرة في ضوء حرب الإبادة وجرائمها في المناطق المحتلّة وغزّة، وسلسلة الحروب التي فرضتها على جيرانها وعلى إيران. نرجّح أن قرار الحكومة سيستدعي موجة جديدة من النقد الدوليّ لإسرائيل وحكومتها. مع هذا، نؤكّد أن اتجاه الأمور سيتحدّد في الساحة الإسرائيليّة.