ثمة في أدبيات علم الاجتماع الإسرائيلي مقاربات سبقت حرب 7 أكتوبر (2023) بكثير، متعلقة بغاية الإبادة العامة التي تضمرها إسرائيل حيال الشعب الفلسطيني، ولعل أبرزها التي صاغها عالم الاجتماع الإسرائيلي النقدي باروخ كيمرلينغ (1939-2007) ضمن مصطلح "الإبادة السياسية" (Politicide)، في كتابه الصادر عام 2003 بعنوان "الإبادة السياسية: حرب أرييل شارون ضد الفلسطينيين"، الذي وصف فيه إستراتيجية منهجية وتدريجية تركّز بالأساس على تدمير الوجود السياسي والاجتماعي والاقتصادي المستقل للشعب الفلسطيني.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وبالعودة إلى تلك المقاربة، ينبغي الإشارة إلى أن أبرز غايات تلك الإبادة السياسية هي تصفية تطلعات الفلسطينيين الوطنية للوصول إلى تقرير المصير أو إقامة دولة سيادية مستقلة قابلة للحياة، وتفتيت كيانهم المجتمعي والجغرافي عبر أدوات السيطرة المكانية مثل حصار المدن، وتقطيع أوصال الضفة الغربية بواسطة الاستيطان، وعزل قطاع غزّة، وإقامة الجدار الفاصل، وتدمير المؤسسات البنيوية لفرض حالة مستمرّة من الفوضى والإنهاك الاقتصادي والاعتماد المعيشي، والدفع نحو هوية بديلة، كما يتجسّد هذا في طرح "الأردن هي فلسطين" ونحو التهجير.
ورأى كيمرلينغ في حينه أن هذه العملية لا تحظى فقط بدعم التيارات اليمينية التي ازدادت قوة، وأتاحت إمكان وصول هذه الإبادة السياسية إلى الذروة، الهادفة إلى محو الهوية السياسية الفلسطينية من الخريطة واستبدال نظام هيمنة دائم بها، بل باتت ديدن تيارات سياسية إسرائيلية أخرى نظراً إلى حقيقة أن أغلبية الإسرائيليين، يمينيين ويساريين، صقوراً وحمائم، تفضل أن تستفيق في صبيحة ذات يوم صافٍ لتكتشف أن الفلسطينيين "قد اختفوا، أو تبخّروا بطريقة عجيبة، وأن كل هذا الصراع، وحقيقة وجود عرب بين ظهرانينا ومن حولنا وفي أي مكان، كان مجرد كابوس ليس إلا، أو كان حلماً سيئاً وتبدّد"، كما كتب حرفياً.
واستخدم عالم اجتماع إسرائيلي نقدي آخر، هو ليف غرينبرغ، في الفترة نفسها، مصطلح "إبادة الشعب الرمزية" (Symbolic Genocide)، وذهب فيه نحو البُعد الثقافي والمعرفي، قاصداً بـ"الإبادة الرمزية" عملية محو الفلسطينيين وتجريدهم من صفتهم الإنسانية، وتدمير رموزهم الجماعية وهويتهم الوطنية في الوعي العام. وأشار، من ضمن أمور أخرى، إلى أنه عبر سياسة اغتيال القيادة السياسية لحركة حماس، وكان من آخر ضحاياها إبّان طرح مقاربته هذه الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي، تسعى حكومة إسرائيل إلى تهيئة الأرضية لتنفيذ خطة "فك الارتباط" من طريق تصعيد العدوان وتوسيع حلقة سفك الدماء، وبذا فإنها تحقق تغييراً جوهرياً في سياستها العدوانية وتنفذ ما يمكن تسميتها "إبادة شعب رمزية" لكون العالم لا يسمح بإبادة كاملة.
ما هي "إبادة الشعب الرمزية" في عرف غرينبرغ؟
لكل شعب ثمة رموز: قيادات وطنية وتنظيمات سياسية، وأرض الوطن، وأجيال الماضي والمستقبل، والآمال. وإسرائيل تقوم بمسّها جميعاً وتدميرها، وتغتال القيادات بمنهجية، إذ يطلق الجيش الإسرائيلي اسم "بنك الأهداف" على قائمة القياديين الفلسطينيين المرشّحين للاغتيال، وفي "بنك الأهداف" كل القيادة التي ترمز إلى الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها ياسر عرفات. وأشار إلى أنه قبل عدة أشهر ادّعى وزير الأمن الإسرائيلي أنه يجب تصفية عرفات، والآن، وبعد عملية اغتيال أحمد ياسين، طُرحت هذه الفكرة ثانية كأنها نقاش جماهيري مشروع.
وبحسب غرينبرغ، بات سجن ياسر عرفات في رام الله رمزاً لسجن الشعب الفلسطيني داخل القرى والمدن الفلسطينية المحاطة من كل جانب بحواجز الجيش الإسرائيلي الذي يراقب تحركاتهم.
وبموازاة هذا، أرض فلسطين مسلوبة من المستوطنات، ومقسّمة نتيجة الحواجز العسكرية، كذلك فإنها مفكّكة رسمياً بواسطة ما يسمى "الجدار الأمني"، وذلك كله بمثابة تفكيك لآخر حيّز بقي للشعب الفلسطيني كي يحلم به كقاعدة جغرافية لقيام دولة مستقلة، ما يعني أن عملية حكومة إسرائيل المثابرة التي جرت تحت غطاء كلمات معسولة ومضلّلة، مثل "خريطة الطريق" و"المسيرة السلمية" تغتال ليس فقط القياديين الفلسطينيين، بل المستقبل الفعلي للفلسطينيين وآمالهم في نيل الاستقلال أيضاً.