08/07/2026 - 10:16

من الخدمة الوطنية إلى العسكرية؟ الأسئلة الغائبة عن مشروع الشراكة والتأثير

إن القضية ليست في سحر كلمة "التأثير"، بل في معناها الحقيقي وفي حقيقة من الذي يتغير؟ وفي الثمن الذي قد يُطلب من مجتمعنا دفعه مقابلها. هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تتصدر نقاشنا السياسي اليوم، لأنها تتعلق بمستقبل مجتمعنا وحقوقه وهويته.

من الخدمة الوطنية إلى العسكرية؟ الأسئلة الغائبة عن مشروع الشراكة والتأثير

("عرب 48")

أصدر رئيس القائمة الموحدة، د. منصور عباس، قبل أيام بيانًا أوضح فيه أن نجاح مشروعه في أن تكون الموحدة "الكتلة المُكمِّلة" لتشكيل الحكومة القادمة مشروط باعتماد "خطاب مناسب"، وتعزيز "شرعيتها السياسية" و"قبولها" لدى الجمهور والأحزاب اليهودية. وأضاف إلى ذلك حديثه عن ضرورة فتح مسار للخدمة الوطنية.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وقد تمر هذه التصريحات مرورًا عابرًا، لكنها في الحقيقة تكشف عن تحول عميق في فلسفة العمل السياسي وأخلاقياته لدى القائمة الموحدة. فهي لا تتحدث عن شروط تحقيق المساواة، ولا عن إنهاء التمييز أو الاحتلال، بل عن الشروط التي ينبغي أن تستوفيها القائمة العربية حتى تصبح مقبولة للدخول إلى الحكومة.

لقد قام المشروع الوطني الفلسطيني في الداخل، طوال عقود، على ثلاثة مرتكزات واضحة: الحرية وإنهاء الاحتلال، والمساواة الكاملة ورفض الفوقية اليهودية، والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية. وكانت هذه المبادئ تُطرح باعتبارها حقوقًا أصيلة، لا تُمنح مقابل حسن السلوك، ولا تُكتسب بإثبات الولاء، ولا يجوز أن تكون محل اشتراط أو مقايضة.

إن خطاب النهج الجديد ينطلق من منطق مختلف؛ إذ يطرح استعدادًا لتقديم تنازلات تتجاوز ما استقر عليه الإجماع الوطني، مقابل احتمال المشاركة في الحكومة، مع أن هذه المشاركة نفسها ليست مضمونة، وفقًا للتصريحات المتكررة لقادة أحزاب "التغيير"، الذين يعلنون مرارًا رفضهم إشراك حزب عربي في الحكومة.

في أي شراكة متكافئة يقدم الطرفان تنازلات متبادلة. أما في حالتنا، فقد سمعنا كثيرًا عما قدمته الموحدة: الانفصال عن الحركة الإسلامية ومرجعيتها، والتصريح بأن إسرائيل "وُلدت يهودية وستبقى يهودية"، والقبول بمبدأ الخدمة الوطنية، واليوم الحديث عن ضرورة الحصول على "الشرعية" و"القبول" لدى الأحزاب الصهيونية.

لكن ماذا قدم الطرف الآخر؟ هل تعهد بإلغاء قانون القومية؟ هل أعلن استعداده لإنهاء الاحتلال؟ هل تراجع عن مبدأ الفوقية اليهودية؟ وهل قبل بالمساواة القومية الكاملة؟ بل هل وافق أصلًا، بصورة واضحة، على إشراك حزب عربي في حكومته؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فنحن لسنا أمام شراكة متبادلة، بل أمام عملية تكيّف يقوم بها طرف واحد. وهنا يكمن، في تقديري، جوهر المشكلة. فالمساواة حق تاريخي وأخلاقي وقانوني لشعبنا، أما المشاركة في الحكومة فليست سوى خيار سياسي حزبي، لا يجوز أن تتحول من أجله الحقوق والثوابت إلى موضوع للمقايضة. فهل يجوز أن ندفع أثمانًا تمس هويتنا وثوابتنا ومستقبلنا من أجل خيار سياسي مؤقت، فيما لا تقرّبنا هذه الأثمان خطوة واحدة من المساواة ومن العيش الكريم؟ ومن الذي يملك حق تقديم هذا التفريط وهذه التنازلات؟ وهل حصلت الموحدة على موافقة وقبول لجنة المتابعة أولًا قبل أن تعرض برامجها على الأحزاب الصهيونية؟

ولنأخذ الخدمة الوطنية مثالًا

قد يقال إن الخدمة الوطنية تختلف عن الخدمة العسكرية لكن النقاش هنا ليس حول طبيعة الخدمة، بل حول الاتجاه الذي تفتحه. فحين يصبح مبدأ الخدمة مقبولًا سياسيًا وأخلاقيًا، وتُربط به الامتيازات والحوافز، يصبح الانتقال من مسار إلى آخر أسهل مع مرور الزمن، خصوصًا في دولة يزداد فيها الخطاب العسكري حضورًا عامًا بعد عام.

إن أخطر ما في هذا المشروع أنه لا يسعى إلى تغيير الدولة، بقدر ما يدفع المجتمع العربي إلى إعادة تشكيل نفسه ليتكيّف مع منظومة الفوقية اليهودية والعنصرية. ولهذا، فإن المشكلة ليست في التنازل الأول، بل في غياب المبدأ الذي يمنع التنازل التالي.

ومن جملة الأسئلة المغيّبة أيضًا: إذا حصل مشروع الشراكة والتأثير، كما يُطرح اليوم، على ثقة جمهور ناخبي الموحدة دون نقاش جدي في مآلاته، فكيف سيبدو مجتمعنا بعد عشر سنوات؟ وهل سيبقى خطابنا السياسي يدور حول الحرية، وإنهاء الاحتلال، والمساواة، وبناء قوتنا الوطنية؟

أم سنجد أنفسنا نناقش توسيع مسارات الخدمة الوطنية، وتأمين فرص العمل للجنود المسرّحين من أبناء مجتمعنا، والبحث عن مزيد من "الشرعية" و"القبول" لدى حكومات قد تتبدل وجوهها، لكنها لا تغيّر المبادئ التي تقوم عليها؟

إن القضية ليست في سحر كلمة "التأثير"، بل في معناها الحقيقي وفي حقيقة من الذي يتغير؟ وفي الثمن الذي قد يُطلب من مجتمعنا دفعه مقابلها. هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تتصدر نقاشنا السياسي اليوم، لأنها تتعلق بمستقبل مجتمعنا وحقوقه وهويته.


بكر عواودة - عضو المكتب السياسي في التجمّع الوطني الديمقراطي، والمرشح الثاني في قائمته الانتخابية