09/07/2026 - 15:24

القضية الفلسطينية خارج السجال الانتخابي في إسرائيل

الأهم من الطروحات السياسية، التي تراوح بين محو الحقوق السياسية للفلسطينيين وبين محوهم ماديًا من الوجود، هو أن موضوع الاحتلال والقضية الفلسطينية ليسا ما يشغل المجتمع الإسرائيلي أو يقلق أحزابه، ولا ما ستتحدد على أساسه الحكومة الإسرائيلية المقبلة...

القضية الفلسطينية خارج السجال الانتخابي في إسرائيل

توضيحية (Getty)

مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست، يتبلور بشكل حاد الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بين ما يمكن تسميته اصطلاحًا باليمين الديني الاستيطاني و"اليمين العلماني"، فيما تتمحور قضايا الخلاف بين المعسكرين حول القضايا الداخلية، وفي مقدمتها علاقة الدين بالدولة، والفصل بين السلطات، ودور القضاء، وسيادة القانون، وغيرها من المسائل المتفرعة عنها. في المقابل، يتكرس بشكل متزايد، وعلى امتداد عقد من الزمن، غياب القضايا السياسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بعد أن أصبحت ضمن الإجماع الصهيوني، الذي تعزز وتوسع في السنوات الأخيرة، ليصبح أكثر شمولًا وتماسكًا.

أحد الكتّاب الإسرائيليين في صحيفة "هآرتس" صوّر، بشكل طريف، الخلاف بين التيارات السياسية التي تخوض الانتخابات الإسرائيلية بقوله إن "اليمين المعتدل" ينادي بـ"الضم" المؤجل، بينما يطالب اليمين الأكثر اعتدالًا منه بـ"الفصل"، بمعنى "الحكم الذاتي"، الذي يُعدّ تسمية مخففة لـ"البانتوستان"، الذي أدار فيه السكان المحليون في جنوب أفريقيا شؤون حياتهم. فيما يتحدى الكاتب أن تتمكنوا من إدارة حياتكم في وقت لا تستطيعون فيه الخروج من البيت، وعندما تخرجون يوقفونكم في ألف حاجز وحاجز.

واقع أن أناسًا يعيشون في مثل هذه الظروف، على بعد بضعة كيلومترات من تل أبيب، ينغص على الليبراليين المتنورين من الإسرائيليين، الذين كانوا يتمنون، كما يقول، لو اختفى الفلسطينيون أو تبخروا وذابوا من تلقاء أنفسهم، دون تدخل أيدٍ بشرية، ودون صور، ودون إثقال ضميرهم الصهيوني بمشاعر الذنب. هؤلاء يفضلون الخدمة الذاتية، وبدلًا من تحميل الفلسطينيين بالقوة في الحافلات، أن يصعدوا إليها بأنفسهم، من دون دماء ومن دون صور صعبة، ليتسنى نشوء واقع ديمغرافي جديد، باختيار حر، للوهلة الأولى، وعندها لن يدور النقاش حول الهدف المتمثل بالتطهير العرقي، بل حول مدى الضجة التي يثيرها.

سؤال الدولة الفلسطينية، واعتداءات المستوطنين، وحرب الإبادة في غزة، ليست ذات صلة بالانتخابات الإسرائيلية، ولا بالنقاش الذي تشهده ساحاتها. حتى إن المرشحة الثانية في قائمة غادي آيزنكوت احتجت لأن أحد الصحفيين اليساريين طرح عليها مثل هذه الأسئلة، التي لا تمس صلب السجال الانتخابي، بينما غضب يائير لبيد، رئيس "يش عتيد"، عندما سُئل حول مواقفه السياسية المرتبطة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ثم أجاب بعصبية: "أنا صهيوني وطني ولست يساريًا". ليخرج بعدها زميله في "يش عتيد"، سيمون ديفيدسون، في مقابلة أجرتها معه قناة الكنيست، ليؤكد موقف لبيد ذاك، وأضاف بأن يائير لبيد ليكودي معلن، وأنه يميني وصقري في آرائه، وهو على النقيض تمامًا من اليسار.

المواقف اليمينية لا تبرز لدى المعسكر المناهض لنتنياهو، برؤوسه الثلاثة: بينيت، ولبيد، وآيزنكوت، في ما يتعلق بمواقفهم من السياسة العربية والاحتلال فحسب، بل أيضًا في رفض تثبيت مبدأ المساواة المدنية ضمن رؤيتهم السياسية، الأمر الذي يظهر بوضوح، كما يقول الكاتب ميخائيل منكين، في طلباتهم المتكررة بعدم الاعتراف بالأحزاب العربية وأعضائها شركاء شرعيين، تحت شعار "تحالف الخادمين في الجيش". وهي مواقف، بمجملها، تجعل هؤلاء أبعد ما يكونون عن الليبرالية التي يُنسبون إليها اعتباطًا، بل ويُصوَّرون على أنهم حماتها.

وحتى حزب الديمقراطيين، بقيادة يائير غولان، الذي يشكل امتدادًا لحزب العمل و"ميرتس"، يرى أن الحديث عن دولة فلسطينية "في هذه الظروف" كارثي لإسرائيل، كما سبق أن صرح زعيمه الجنرال يائير غولان، ويتحدث عن انفصال الفلسطينيين في الناحية المدنية، مع إبقاء السيطرة الأمنية بيد إسرائيل.

لكن الأهم من الطروحات السياسية، التي تراوح بين محو الحقوق السياسية للفلسطينيين وبين محوهم ماديًا من الوجود، هو أن موضوع الاحتلال والقضية الفلسطينية ليسا ما يشغل المجتمع الإسرائيلي أو يقلق أحزابه، ولا ما ستتحدد على أساسه الحكومة الإسرائيلية المقبلة. فاستطلاعات الرأي ظلت ترجح كفة نتنياهو إلى أن فشل أمام إيران وتورط في لبنان، وبالرغم من ذلك، فإن أصوات العرب "غير الشرعية" هي التي ما زالت ترجح كفة المعسكر المناهض له، علمًا أنه هو أيضًا لا يعترف بشرعيتها.