03/08/2026 - 12:28

الضفة الغربية على حافة انفجار تصنعه إسرائيل

يواصل الجيش استعداداته لتوسيع عملياته داخل المخيمات والمدن، ما يعني أن الفلسطيني قد يتعرض أولًا لاعتداء المستوطن، ثم للعملية العسكرية التي تنفذها إسرائيل ردًا على مقاومته لهذا الاعتداء.

الضفة الغربية على حافة انفجار تصنعه إسرائيل

توضيحية (Getty Images)

تدفع إسرائيل الضفة الغربية نحو حافة الانفجار، في وقت تزداد فيه الفجوة بين السياسات الهجومية ضد الفلسطينيين التي يفرضها المستوى السياسي، والقدرة الفعلية للجيش الإسرائيلي على تنفيذها والتحكم بنتائجها.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وبالرغم من أن الضفة حافظت طوال سنوات الحرب على قطاع غزة على مستوى من الهدوء النسبي، قياسًا بحجم العمليات العسكرية الإسرائيلية والضغط الاقتصادي وإغلاق سوق العمل أمام الفلسطينيين، فإن تقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت تحذر من أن هذا الهدوء هش، وأن حادثة واحدة قد تنقل المنطقة إلى مواجهة واسعة.

ولا يتعلق الأمر بوجود قرار فلسطيني منظم لإطلاق انتفاضة جديدة، بقدر ما يرتبط بتراكم السياسات الإسرائيلية نفسها؛ من الاقتحامات والاعتقالات واحتجاز أموال المقاصة إلى حماية المستوطنين المسلحين، والتهديد باحتلال مخيمات إضافية وإخلائها من سكانها. واللافت في الأمر أن هذه السياسات تُنفذ بواسطة جيش يعاني نقصًا في المقاتلين، واستنزافًا متواصلًا، وتراجعًا في الانضباط، وخلافًا متزايدًا بين قيادته والمستوى السياسي حول حدود استخدام القوة، وتوزيع القوات بين الجبهات المختلفة.

وبالعودة إلى الوقائع، يمكن تشخيص مؤشرات عديدة تدل على أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تدرك أن مصدر التصعيد المقبل قد يأتي من داخل منظومة السيطرة الإسرائيلية، لا من مبادرة فلسطينية مستقلة عنها. فقد نقل المحلل العسكري في القناة 13، ألون بن دافيد، (1 آب/ أغسطس 2026) عن ضابط إسرائيلي رفيع قوله إن المصادفة فقط تفصل الضفة الغربية عن انتفاضة جديدة، وإن إحراق منزل فلسطيني قد يغير صورة الوضع كلها. كما نقل عن مسؤول عسكري آخر قوله إن المشكلة الأساسية التي يواجهها الجيش حاليًا في الضفة الغربية ليست المقاومة الفلسطينية، وإنما العنف اليهودي.

وتكشف هذه التقديرات تناقضًا واضحًا في السلوك الإسرائيلي؛ فالجيش يعرف أن المستوطنين هم من يبادرون إلى اقتحام القرى والاعتداء على الفلسطينيين، وأن بعض هذه الاعتداءات قد يشعل مواجهة واسعة، لكنه لم يسحب الأسلحة ممن يستخدمونها، ولم يمنع بحسم دخولهم إلى المناطق الفلسطينية. وفي المقابل، يواصل الجيش استعداداته لتوسيع عملياته داخل المخيمات والمدن، ما يعني أن الفلسطيني قد يتعرض أولًا لاعتداء المستوطن، ثم للعملية العسكرية التي تنفذها إسرائيل ردًا على مقاومته لهذا الاعتداء.

غير أن الجيش الذي تطالبه الحكومة بتوسيع عملياته لم يعد يعمل ضمن جبهة واحدة، أو ضمن أهداف محددة زمنيًا. فهو ينشر أكثر من أربع وعشرين كتيبة في الضفة الغربية، ويحتفظ بقوات في قطاع غزة، ويقيم في جنوبي لبنان وسورية، ويحافظ على جاهزية مستمرة لاحتمال تجدد الحرب مع إيران. وقد وضعت هذه الجبهات الوحدات النظامية والاحتياطية تحت ضغط متواصل، فيما واصلت الحكومة الإسرائيلية إضافة مهمات جديدة من دون أن تحدد نهاية سياسية واضحة لأي منها.

وظهر التناقض بين مطالب الحكومة وقدرة الجيش في توجيه وزير الأمن، يسرائيل كاتس، للاستعداد لاحتلال مخيم لاجئين إضافي في الضفة الغربية. وأعلن كاتس أن الجيش سيعمل وفق النموذج الذي طبقته قيادة المنطقة الوسطى في جنين وطولكرم ونور شمس، حيث هجرت السكان ودمرت المخيمات ثم أبقى وجودا دائما لقواته داخلها.

وتفيد صحيفة "يديعوت أحرونوت" (يوم 3 آب / أغسطس 2026) بأن الخطط العملياتية تشمل مخيمات بلاطة وقلنديا والجلزون، وأن مخيم بلاطة هو المرشح الأبرز إذا قررت إسرائيل تنفيذ عملية إضافية. لكن هذه الخطط لم تنتقل حتى الآن إلى التنفيذ، لأن الجيش لا يملك العدد الكافي من الجنود والموارد للسيطرة على مخيم جديد، والبقاء داخله بعد انتهاء الاقتحام.

لكن أزمة الجيش أعمق من مسألة نقص المقاتلين؛ فقد أظهرت حادثة تمرد جنود في لواء غفعاتي تراجعًا في سلطة القيادة العليا، وفي قدرتها على فرض الانضباط داخل الوحدات. ويرى العميد احتياط الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، غاي حازوت، في مقال نشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" (2 آب/ أغسطس 2026) أن هذه الحادثة لا تمثل تمردًا محدودًا، وإنما تكشف عن انخفاض المعايير المهنية والأخلاقية، وعن أزمة في مفهوم القيادة نفسه.

ويفرق حازوت بين الشجاعة في القتال والشجاعة في القيادة. فالقادة الإسرائيليون، بحسب تعبيره، يواصلون التقدم مع قواتهم في الميدان، لكنهم فقدوا القدرة على وضع خطوط حمراء ومحاسبة الجنود، ورفض الممارسات التي تتعارض مع الأوامر والمعايير العسكرية. ويربط هذا التراجع بإخفاق السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الذي أفرز فجوة بين القادة والجنود؛ إذ إن شعور كبار القادة بالمسؤولية عنه والهجمات التي تعرضوا لها من سياسيين ووسائل إعلام، إلى جانب تراكم خبرة قتالية لدى القادة الميدانيين والجنود تفوق أحيانًا خبرة من يتولون قيادتهم في هيئة الأركان.

كما يشير حازوت إلى أن منظومة التعلم العملياتي في الجيش عممت، في كانون الأول/ ديسمبر 2023، دراسة تحذر من أن الوحدات التي تقاتل بوتيرة متواصلة لأكثر من ستين يومًا تتعرض لتدهور حاد في الانضباط، وقد تتحول إلى خطر على أفرادها.

ومع ذلك، واصل الجيش تشغيل وحداته لفترات طويلة، في وقت لم توسع فيه إسرائيل القوات البرية التي قلصتها خلال العقود الماضية بما يتناسب مع تعدد الجبهات الحالية. وبالتالي، لا تبقى نتائج هذه الأزمة داخل الجيش، لأن تراجع الانضباط ينعكس مباشرة على الفلسطينيين الذين تعمل القوات بينهم؛ فالجيش المنهك قد يلجأ إلى الإغلاق والإخلاء والعقاب الجماعي بدل العمليات المحددة.

وتكشف طريقة إدارة التعيينات في قيادة المنطقة الوسطى جانبًا من عمق الخلاف داخل المؤسسة العسكرية وحولها، فقد أعلن وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، خلال بث مباشر على القناة 14 تعيين دافيد (دادو) بار كاليفا قائدًا للمنطقة الوسطى بدلًا من أفي بلوط، في خطوة وصفها مراسل القناة 12 بأنها غير مألوفة ومخالفة للأعراف المتبعة في إعلان التعيينات العسكرية. ولا تتعلق دلالة الأمر بهوية القائدَين، وإنما بحجم الخلافات بين المستويات العسكرية والسياسية حول شكل بعض العمليات في الضفة وتوقيتها، وبمدى الضغط الواقع على القيادة العسكرية كي تنسجم مع مطالب الحكومة والمستوطنين.

وتشير هذه الوقائع مجتمعة إلى أن إسرائيل تدفع الضفة الغربية نحو مواجهة قد تعرف أسبابها، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على ضبط مسارها. وإذا اندلعت مواجهة واسعة، سيدفع الفلسطينيون الثمن الأول والأكبر، إذ سيتجه الجيش المشبع بالإنهاك والخلافات إلى المخيمات والمدن والقرى، وستفرض الإغلاقات والاعتقالات وعمليات الهدم والإخلاء والتهجير.